الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 144، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
عندما أصاب الحمى أبا بكر وبلال، ذهبت عائشة لتعودهما وسمعت أشعارهما حول شدة المرض. ثم أخبرت النبي بالأمر، فدعا الله لتحصين المدينة.
يتناول المقطع آداب زيارة المريض مثل الدعاء له بالشفاء، واستحباب قول "لا بأس طهور إن شاء الله". كما يذكر أحاديث نبوية تبين فضل زيارة المريض.
يشرح المقطع جواز عيادة الفاسق وآداب زيارة النساء للرجال المرضى، وكراهية النظر إلى الفضول في بيت المريض. ينبغي للزائر تجنب النظر إلى ما ليس له حق النظر إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتاب الأذب المفرد: قال باب ما يقول للمريض. قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك ومن أنس إمام دار الهجرة عن هشام بن عروة عن أبيه وعروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، و«عك» معنى أصابتهم الحمى، وذلك كان في أول مقدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة، وكانت الحمى فيها منتشرة. قالت: فدخلت عليهما، قلت: يا أبتاه كيف تجدك -يعني كيف تجد نفسك- ويا بلال كيف تجدك؟ قال: وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله. وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته -يعني صوته- فيقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أرد يوما مياه مجنة وهل يبدو لي شامة وطفيل. وقوله: «إذخر وجليل» والجليل نبت نبت صغير تحشى به البيوت، و«مياه مجنة» موضع على أميال من مكة، وكان به سوق وهو سوق مجنة من أسواق الجاهلية، و«شامة وطفيل» هما جبلان بقرب مكة، جبلان بقرب مكة، وهذا قول الجمهور. وقال الخطابي: هما عينان. قالت عائشة رضي الله عنها: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته. فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة». وهذا الحديث صحيح، وفي الصحيحين. وفي هذا الحديث كما سمعنا تخبر عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة وعك أبو بكر وبلال، أصابتهم الحمى. فدخلت عليهما تعودهما، فقالت: يا أبتاه كيف تجدك -يعني كيف صحتك كيف تجد حالك- ويا بلال كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله. «كل امرئ مصبح في أهله» أي أن الموت قد يأتيه في الصباح؛ لأن الموت قريب منه. وقيل: المراد بقوله: «كل امرئ مصبح في أهله» يعني أن كل شخص يقال له إذا أصبح في أهله: صبحك الله بالخير. ومع ذلك قال: «والموت أدنى من شراك نعله». والشراك والسير الذي يكون في أعلى النعل. ومعنى ذلك أن الموت قريب قريب من الإنسان. وجاء معنا ذلك في حديث مرفوع في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الموت أقرب إلى أحدكم من شراك نعله» أو «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك» -يعني معنى ذلك- فالجنة قريبة والنار قريبة، ما بينهما وبين المرء إلا أن يموت، ما بينه وبينها إلا أن يموت. وهكذا أيضا فالموت قريب قريب من الإنسان، لا يأتي أو لا يدري متى يأتيه الموت. و«بلال يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أرد يوما مياه مجنة وهل يبدو لي شامة وطفيل». والمعنى: هل أعيش وأنظر إلى هذا الوادي وما حوله من نبات والزرع؟ وهل كذلك أرد هذه المياه وأشرب منها وأنظر إلى تلك الجبال؟ والمعنى: هل أعيش؟ هل سأعيش وأتمتع بالنظر إلى مثل هذه الأشياء؟ أو أن الموت سيأتي ويحال بيني وبينها وأنتقل من الدنيا إلى الآخرة؟ فقالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته -يعني بما أصاب أبا بكر وبلال- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة». فدعا النبي عليه الصلاة والسلام للمدينة أن يصححها -يعني أن تصيبها الصحة وأن تزول عنها الأمراض والأسقام- ومن ذلك أن تنقل الحمى التي فيها إلى الجحفة. ووقع ذلك كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فانتقلت الحمى من المدينة إلى الجحفة، والجحفة هي ميقات أهل مصر والشام والمغرب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «وأهل الشام الجحفة». وكان الموضع يسكنه اليهود؛ فلذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم بنقلها إلى الجحفة. قال إمام النووي رحمه الله: وهذا علم من أعلام النبوة؛ إذ أن ذاك الموضع الذي انتقلت إليه الحمى لا يسكنه أحد. قال: ولا يشرب أحد من مائها إلا أصابته الحمى. وفيه أيضا فضل أو فضيلة للمدينة بأن النبي عليه الصلاة والسلام دعا أن يبارك في صاعها ومدها -أن يجعل الله سبحانه وتعالى فيه الخير والبركة والزيادة- وهذا فضل من فضائل المدينة الكثيرة التي ثبتت في الشرع. ومن ذلك أن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، فما من نقب من أنقابها إلا وعليها ملائكة يحرسونها». وهكذا أيضا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يصبر أحد على شدتها وفقرها إلا كان له عليه الصلاة والسلام شفيعا. «لا يصبر أحد على لأوائها -شدة- إلا كنت له شفيعا يوم القيامة». وقال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل؛ فإني أشفع لمن يموت فيها». وهكذا أيضا أخبر عليه الصلاة والسلام أن الطاعون لا يدخل المدينة، ووقع ما أخبر ودعا به النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يعلم في التاريخ أن الطاعون دخل المدينة، وقد دخلها بعض الأوبئة لكن ليس بالطاعون. وهكذا فضائل كثيرة لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ألف بعض العلماء كتبا ورسائل في ذلك في ذكر فضائل المدينة. وفيه أيضا ما أراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل به وهو أن من زار مريضا فإنه يسأله عن حاله: كيف تجدك؟ كيف حالك؟ كيف صحتك؟ فهذا مما يقال للمريض، وهو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب. قال: وحدثنا معلى قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار قال: حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض يعوده قال: «لا بأس طهور إن شاء الله». قال: «ذات طهور؟ كلا، بل هي حمى تفور أو تثور على شيخ كبير تزيره القبور». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فنعم إذا». والحديث في البخاري، وقد مر معنا في الأبواب التي مضت، وقلنا فيه استحباب هذا الدعاء للمريض، لمن زار مريضا فإنه يقول له: «لا بأس طهور إن شاء الله» -أي لا يصيبك بأس أو بمعنى شدة أو سوء- بل ما أصابك «طهور إن شاء الله» -يعني مطهر لك من الذنوب والخطايا والسيئات- فتدعو له بهذا الدعاء. قال: وحدثنا أحمد بن عيسى قال: حدثنا عبد الله بن وهب عن حرملة عن محمد بن علي القرشي عن نافع قال: كان ابن عمر إذا دخل على مريض يسأله: كيف هو؟ فإذا قام من عنده قال: «خار الله لك» ولم يزده عليه. ومعنى «خار الله لك» -يعني أعطاك الله ما هو خير لك-. وهذا الأثر ضعيف؛ فراويته أو محمد بن علي القرشي مجهول. وقد جاء أثر أبي داود والترمذي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من عاد مريضا لم يحضره أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من ذلك المرض». ففيه كذلك استحباب هذا الدعاء للمريض: من عاد مريضا لم يحضره أجله فقال عنده سبع مرات: «أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك»، إلا عافاه الله من ذلك المرض. فهذا أيضا مما ينبغي أن يدعو به الزائر للمريض. وكذلك أيضا جاء في سنن أبي داود من حديث ابن عمر -عبد الله بن عمر- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء الرجل يعود مريضا فليقل: اللهم اشف عبدك، فيكلأك أو فيكلأ لك عدوا أو يمشي لك إلى جنازة». والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله -يعني تدعو له بالشفاء- «اللهم اشف عبدك» فيكلأك أو فيكلأ لك عدوا أو يمشي لك إلى جنازة -يعني اشفه حتى يفعل الطاعة والمعروف مما ينتفع به- وكذلك مما ينفع به الدين والشرع. قال باب ما يجيب المريض. قال حدثنا أحمد بن يعقوب قال: حدثنا إسحاق بن سعيد بن عمر بن سعيد عن أبيه قال: دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده، فقال: كيف هو؟ قال: صالح. قال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله -يعني الحجاج-. والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري. وفيه ما أراد أبو الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل به على جواب المريض لمن سأله عن حاله، فإنه إذا سئل عن حاله فيقول: صالح أو بخير أو الحمد لله، فيجيبه بمثل هذا الجواب. وقوله: «من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه» -يعني الحجاج يصد بذلك ابن عمر الحجاج- من يوسف الذي أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله -يعني في يوم العيد وفي الحرم- فإنه يكره حمل السلاح إلا للحاجة، إلا للحاجة فلا بأس. قال باب عيادة الفاسق. قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال: أخبرنا بكر بن مضر قال: حدثني عبيد الله بن الزحر عن حبان بن أبي جبلة عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: لا تعودوا شراب الخمر إذا مرضوا. وهذا الأثر ضعيف؛ عبيد الله بن الزحر ضعيف. وعيادة الفاسق إذا كان فيها مصلحة فلا بأس، إذا كان سيزار إلى مرض ويذكر بالله وينصح فإنه يزار. فإذا كان الكافر تجوز عيادته إذا مرض إذا كان يرجى إسلامه. فالفاسق مما يقال هو مؤمن مسلم هو فاسق بفسقه ومؤمن بإيمانه، فيزار وينصح ويذكر بالله سبحانه وتعالى. وخاصة أن المريض إذا مرض ينكسر، يكون عنده انكسار، ربما في حال الصحة يكون عنده شيء من الحدة والغضب، لكن إذا مرض فإنه يكون عنده ضعف وانكسار وشيء من الذل، فمثل هذا الموضع ربما تنفع معه النصيحة، فيستغل مثل هذا الموضع لنصحه وتذكيره بالله سبحانه وتعالى، ولو كان يشرب الخمر، ولو كان يشرب الخمر إذا كان يرجى صلاحه وكذلك انتفاعه بالنصيحة ومثل هذه الزيارة فإنه يزار. قال باب عيادة النساء الرجل المريض. قال حدثنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا الحكم بن المبارك قال: أخبرني الوليد بن مسلم قال: حدثنا الحارث بن عبيد الله الأنصاري قال: رأيت أم الدرداء على رحلها أعواد ليس عليها غشاء عائدة لرجل من أهل المسجد من الأنصار. وهذا الأثر ضعيف؛ الحارث بن عبيد الله هذا مجهول، مجهول الحال. لكن إذا كانت المرأة ستزور أحدا من محارمها فهذا لا شك أنه لا شيء فيه، بل هو من الواجب الذي أمر به الشرع من صلة الأرحام. وإن كان أجنبيا وهو قريب لها وتزوره تبعا لزيارة أهلها مثلا أو محارمها مع عدم حصول الخلوة ومع أمن الفتنة فهذا لا بأس، كأن تزور مثلا عمها وابن عمها في البيت مريضا تسأل عن حاله مع وجود محارمها. وكذلك أيضا مع عدم وجود خلوة وأمن الفتنة فهذا لا بأس. أما أن تزور شخصا أجنبيا من غير محرم أو مع حصول خلوة أو مع حصول فتنة في ذلك فهذا لا يجوز. قال باب من كره للعائد أن ينظر إلى الفضول من البيت. قال حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا علي بن مسهر عن الأجلح عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: دخل عبد الله بن مسعود على مريض يعوده ومعه قوم، وفي البيت امرأة، فجعل رجل من القوم ينظر إلى المرأة، فقال له عبد الله: «لو انفقأت عينك كان خيرا لك». والأثر صحيح. فبهذا الأثر زار عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه مريضا يعوده ومعه قوم -يعني جماعة من أصحابه- وعند هذا الرجل امرأة، فجعل رجل من القوم ينظر إلى هذه المرأة، فقال له عبد الله بن مسعود: «لو انفقأت عينك كان خيرا لك» -يعني لو ضربت في عينك وفقأت عينك لكان خيرا لك من أن تنظر إلى هذه المرأة؛ لأن هذا لا يحل لك-. وقد أذن النبي عليه الصلاة والسلام لمن نظر في بيت من نظر في بيت بغير إذن أن تفقأ عينه، بل جعل عليه الصلاة والسلام عينه هدرا. «من نظر إلى بيت قوم بغير إذنهم ففقأت عينه فلا جناح عليه» أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والحديث يثبت عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ لأن النظر للعورات المسلمين لا يجوز، محرم. وما جعل الاستئذان كما قال عليه الصلاة والسلام إلا لأجل النظر. فالمقصود أن من زار مريضا فإنه لا ينظر إلى الفضول في البيت، يقصد زيارته فيزوره ويسأل عن حاله ويدعو له ولا يتفضل في غير ذلك، لا ينظر يمينا ولا شمالا في أمتعته ولا في شيء من ماله ولا إلى أحد من أهله، فإن ذلك لا يجوز. وهذا هو الشاهد مما استدل به رحمه الله ظاهر باب من كره للعائد أن ينظر إلى الفضول من البيت، والنظر إلى امرأة الرجل أو ابنته فذلك من الفضول الذي ينبغي أن يتجنبه الزائر إذا زار مريضا.