شرح كتاب لم الدر المنثور 63

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 63، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

تحذير السلف من مجالسة أهل البدع والأهواء

يبيّن المقطع أن تحذير السلف من مجالسة أهل البدع والأهواء أصل من أصول الدين، ويجوز ذكر أسماء المبتدعين للتحذير والنصح بشرط العلم والورع. ويستدل بأقوال ابن مسعود وابن عباس والحسن البصري والحسن بن سيرين في ذم مجالستهم وتأثيرها على القلوب.

خطر اتباع الهوى وأهل الأهواء

يحذر المقطع من اتباع الهوى دون دليل من الكتاب والسنة، مبينًا أن أهل الأهواء أخطر من أهل البدعة لتمويههم بالعلم والشبه. وينقل عن السلف كعطاء ومجاهد النهي عن مجالستهم لتشبيههم بالأمراض المعدية، ويذكر أن عمر بن الخطاب نهى عن مجالسة من يجتمع إليه الأحداث.

النهي عن مجالسة أهل الأهواء والبدع

يحذر المقطع من مجالسة أصحاب الأهواء والبدع لما لهم من تأثير خطير على الصغار وضعاف العلم، مستدلاً بنهي عمر وابن تيمية والثوري عن مصاحبتهم. ويبين أن المبتدع قد يتزين بلباس العبادة والزهد ليغر الناس، فيجب على طالب العلم الحذر منهم والتمسك بالحق.

خاتمة المجلس والدعاء بالختم

يختتم المتحدث المجلس بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يحمد الله رب العالمين. ويختم بذكر التسبيح والاستغفار والتوبة إلى الله تعالى.

  • 20 جمادى الأولى 1440هـ - 26/01/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف عظّمه الله في باب تحذير السلف من مجالسة أهل البدع ومن أشخاص بعينهم، وذكر أسمائهم، ولم يروا ذلك غيبة. وهذا الباب الذي بوب له المؤلف هو باب كبير وباب عظيم، وهو من الدين؛ لأن الأدلة جاءت في التحذير من هؤلاء، وأيضا يجوز ذكر بعض الأسماء إذا اقتضت الحاجة، وأن ذلك ليس بغيبة؛ لأنه من باب نصح المسلمين. وهذا الباب يحتاج إلى الورع، ليس كل أحد يذكر أحدا، فإنما هذا لمن قوي، وكذلك لمن عنده ورع وعنده علم، ويعلم أدلة الشريعة؛ فإن الأصل في أعراض المسلمين الحرمة، هذا هو الأصل، ولا يجوز التكلم في أعراضهم إلا بدليل شرعي. وذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى شيئا من ذلك في شرحه لصحيح مسلم، فذكر في هذا الحديث الذي ذكره المؤلف في ظفر الله تعالى، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الخارج هذا الخويسرة، لما طعن في عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم في القسمة، قال: «يخرج من ضئضئي هذا قوم تحقيرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم» إلى آخر الحديث. فالنبي عليه الصلاة والسلام عينه وذكره أمام الناس، وذكر رجلا آخر فقال: «بئس أخو العشيرة»، فذكره، وهذا «بئس» كلمة ذم وليست كلمة مدح. فالقدح ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومعرف، ومحذر، والمظهر فسقا، ومستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر. فهذه المسألة مسألة مهمة، وهي أيضا مسألة خطيرة. قال المؤلف: قال عبد الله بن مسعود: «من أحب أن يكرم دينه فليعتزل مجالسة أصحاب الأهواء، فإن مجالستهم ألصق من الجرب». وتقدم هذا الأثر أيضا، أثر ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب؛ لأنه ليس عندهم شيء من الحق، وليس عندهم إلا مجرد شبه تجعل ذلك الشخص يمرض قلبه». قال الحسن البصري رحمه الله: «لا تجالس صاحب هواء فيقذف في قلبك ما تتبعه فتهلك، أو تخالفه فيمرض قلبك». أيضا هذا من باب التحذير من المجالسة؛ لأنهم يقذفون في القلوب الشبه. وذكرنا في الأبواب المتقدمة أيضا أنهم يأتونك شيئا فشيئا. قال الحسن بن سيرين رحمه الله: «لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم». أصحاب البدع هم الذين اتخذوا بدعا معينة، وإن كانت في العبادات أو في غيرها. أولا لا يجالسون، وأما أصحاب الأهواء فمن باب أولى؛ لأنهم أعم وأشمل. فكل من اتبع هواه ولم يتبع الدليل من الكتاب والسنة، وكان قائده هواه، فهذا داخل في التحذير، وهو أشد؛ لأن أصحاب الأهواء خطيرون جدا. صاحب البدعة الذي غمس في بدعة معينة تعرفه ببدعته، عندك دليل. لكن صاحب الهوى يأتيك بشبه، وربما يكون متسلحا بالعلم، فهو أخطر؛ لأنه يريد الناس أن يتبعوه على هواه، ويكون على شاكلته. لهذا لما يأتون أصحاب الأهواء إلى السلف الصالح، ما كانوا يسمعون منهم، ولا فائدة من مجادلتهم ومن مجالستهم؛ لأن مجادلة هؤلاء غير مجدية، مهما أتيت له بالأدلة فهو لن يرضخ لك أبدا، وإنما هو على هواه. قال عطاء رحمه الله: «أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: لا تجالس أهل الأهواء، فإنهم يحدثون في قلبك ما لم يكن فيه». وهذا يحتاج إلى نص، يعني يحتاج إلى كتاب وسنة، عن القرآن وحديث النبي عليه الصلاة والسلام. فلعل عطاء رحمه الله أخذه من الإسرائيليات التي كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم». قال مجاهد رحمه الله: «لا تجالسوا أهل الأهواء، فإن لهم عرة كعرة الجرب». يعني أن هؤلاء أصحاب الأهواء مثل هذه الأمراض المعدية تعدي صاحبها، فإذا دخل معهم صار منهم، فهم يعدونه بهذه المجالسة مثل ما يعدي ذلك المرض الخطير المسمى الجرب. قال: «عرة» بالضم: قروح بأعناق الفصال، وقيل بالفتح: الجرب. العرة كما في هذا الأثر هي قروح تكون في أعناق الفصال؛ لأن هذا الداء يصيب الإبل غالبا، فيكون فيها ظاهرا، فترى بعيرا أجرب، وإذا كان أجربا فإنه يكون تعبانا ولا يكون سليما، يعني لا يمشي ولا يأكل مثل باقي الإبل، وهزيل، يكون ضعيفا؛ لأنه مرض خطير، وعادة يداونه بالقطران، يداوون هذا الجرب بالقطران، وهو مرض جلدي خطير، فتكون هذه القروح موجودة فيها، فيراها الخبير ويعرف أنها هذا من المرض الموجود في البعير. وهكذا صاحب العلم يرى هذه الأمراض موجودة في مجالسة أهل الأهواء. قال: الجرب: من فتح، داء جلدي. والجرب: بثر يعلو أبدان الناس والإبل. والجرب: بثر يعلو أبدان الناس والإبل. يعني أيضا يكون في الناس هذا المرض، مرض الجرب، أيضا يأتي في الإنسان كما يأتي في الإبل، فترى أصحاب الجرب منعزلين عن الناس؛ لأنه مرض ينتشر بسرعة بالمخالطة والمجالسة، ينتشر هذا المرض الخطير. بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا يجتمع إليه الأحداث، فنهى عن مجالسته. الأحداث يعني الصغار، فنهى عمر عن مجالسة هذا الرجل؛ لأن الصغار ليس لديهم ملكات وقوة في العلم، فهم يتبعون من يحدثهم ومن يصاحبهم، فيتأثرون به. فإذا رؤي الصغير مع أصحاب الأهواء، ينهى عن مجالستهم. يعني إذا عرفت أن رجلا عنده شبه، ويأتيك بالاختلافات، فهذا تحذر من مجالسته؛ لأن الأمر دين، فأنت مؤتمن على دين الله عز وجل، فينبغي أن تحذر من هذا. قال ابن تيمية رحمه الله: «فإذا كان الرجل مخالطا في السير لأهل الشر يحذر منه». إذا كان الرجل مخالطا لأهل السوء في الشر يحذر منه. وقال أبو نعيم: دخل الثوري يوم الجمعة، فإذا الحسن بن صالح بن حي يصلي، فقال: «نعوذ بالله من خشوع النفاق»، وأخذنا عليه فتحول. يعني الحسن بن صالح كان عنده بدعة، اسمها بدعة الخروج على ولاة الأمر، وكان زاهدا، كان عابدا، يعني يظهر الزهد ويظهر الصلاح لتغرير الناس. فربما تجده كذلك، هذا المبتدع وصاحب الهوى، تجده مصليا، يعني يكثر من العبادة، وتجده كذلك زاهدا في الدنيا، تجده عابدا. والحسن بن صالح هذا كان يرى السيف، كان يرى السيف، يعني كان خارجيا يرى الخروج على ولاة الأمر بالسيف. فلما دخل الثوري يوم الجمعة وراءه يصلي، قال: «نعوذ بالله من خشوع النفاق»؛ لأن الثوري عالم جليل كان يعرف الحسن بن صالح صاحب هذه البدعة الخطيرة، وهي الخروج على ولاة الأمر بالسيف، فكان يخرج عليهم ويحرّض عليهم في مجالسه. يعني الذي يغتر به ويجالسه يلقي عليه هذه الشبه، فالواجب الحذر من كل من يلقي عليك شبه. إذا رأيته صاحب شبه، عندك الحق قد علمته، فإذا جالست وعرفت ذلك، عرفت ذلك منه، يقول لك: هذه المسألة خلافية، هذه المسألة كذا، هذه المسألة كذا، يريد أن يشككك في دينك. أنت على خير، وأنت على هدى، وأنت قد رسخ عندك هذا الأمر أنه الحق وأنه الصواب، يأتي ويشككك في جميع المسائل التي عندك. يا طالب العلم، انتبه من أصحاب الشبهات، فإنهم في هذا الزمان يتزيون بلباس السنة، ويدخلون بين أهل السنة، يريدون أن يخلخلوا الصف السلفي، فكن على حذر، كن على حذر. أنت أثبت على دين الله عز وجل، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحذر من مجالسة أهل الأهواء الذين يشككون الناس في دينهم. طيب، نكتفي بهذه الأدلة في هذا الباب، وإن شاء الله تعالى أدلة أخرى من كلام السلف في هذا الباب. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، الحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.