شرح كتاب لم الدر المنثور 65

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 65، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

تحذير السلف من مجالسة أهل البدع والأخذ عنهم

يستعرض المقطع موقف السلف الصالح الحازم من التحذير من أهل البدع ومجالستهم، مستشهداً بثبات الإمام أحمد في محنة خلق القرآن وتحذيره من الكرابيسي والمريسي، وينقل أقوالاً لأئمة كأيوب السختياني وأبي قلابة وسفيان الثوري والفضيل بن عياض وابن المبارك تؤكد النهي عن مصاحبة المبتدعة وأخذ العلم عنهم خوفاً على الدين والعقيدة.

منهج السلف في هجر المبتدعة وتجنب مجادلتهم

يبيّن المقطع أن سلف الأمة كانوا يحذرون بشدة من مجالسة أهل البدعة ومجاداتهم، خوفاً من الانحراف والالتباس، ويأمرون بهجرهم وتجنب طرقهم، كما فعل يحيى بن أبي كثير والفضيل بن عياض وعبد الرحمن بن مهدي وأبو قلابة والإمام مالك، مع التنبيه إلى أن النصيحة للولاة تكون سراً، بينما يُحذر من أئمة الضلال المعلنين ببدعهم.

آثار مجالسة أهل البدع والأهواء المدمرة على الفرد والمجتمع

يحذر النص من مجالسة أهل البدع والأهواء لأن ذلك قد ينزل اللعنة على الجالس أو المجلوس معه، ويبين أن البدعة أشد من المعصية لأن صاحبها يراها دينا وحقا. كما يذكر آثار مجالستهم في ذهاب نور الإيمان، وسلب محاسن الوجوه، وإثارة البغضاء والتنافر بين المؤمنين، مما يفرق الأحبة ويؤدي إلى الهجر والقطيعة، مستشهدا بأقوال السلف كإبراهيم النخعي وابن عباس في ذم الهوى وأهله.

وصفة أهل الهوى بالقسوة وختام بالذكر والاستغفار

يتحدث المقطع عن الشخص الذي يتبع هواه ولا يلتزم بالحق ولا يلين، موصوفاً بالقسوة والغلظة، ويحذر من مثل هؤلاء. ويختتم بالدعاء بالتسبيح والاستغفار.

  • 25 جمادى الأولى 1440هـ - 31/01/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: ما زلنا في كتاب "الدر المنثور في تحذير السلف من مجالسة أهل البدع ومن أشخاص بعينهم، وذكر أسمائهم، ولم يروا ذلك غيبة". تقدم بعض الأدلة من السنة، ومن كلام الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وتوقفنا في قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الكرابيسي أنه خبيث، وذلك لأنه قال: "لفظي بالقرآن مخلوق"، وأراد أن يتوصل بهذا إلى أن كلام الله عز وجل مخلوق. وهذه البدعة التي حدثها المبتدعة المعتزلة وغيرهم، وهكذا أيضاً كانت عن بشر المريسي، قد حدثت في عهد المأمون العباسي، ثم المعتصم، ثم الواثق، ثلاثة من خلفاء بني العباس. وقد ابتلي فيها الإمام أحمد رحمه الله تعالى ممتحنة، فكانت محنة عظيمة: فمن أجاب تركوه، ومن لم يجب سجنوه وضربوه، وربما قتلوه. فثبت فيها إمام أهل السنة والجماعة، وهو الإمام أحمد رحمه الله. والشاهد من الآثار أن الإمام أحمد رحمه الله لما سئل عن حسين الكرابيسي، وكان عنده علم، لكنه تكلم فيه بكلام سوء، رديء، لأنه أخذ هذه البدعة عن بشر المريسي. قال أيوب السختياني رحمه الله: قال لي أبو قلابة، وهو عبد الله بن زيد الجرمي: "لا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك، فينبذوا فيه ما شاءوا، فيغيروا قلبك". وهذا أيضاً من قبيل التحذير من أصحاب الأهواء، أنك لا تجلس معهم، ولا تعطهم سمعك، لأنك لو أعطيتهم سمعك فإنهم يضعون فيه ما شاءوا من الشبه، فيغيروا عليك الحق الذي كان معك، فتنقلب بعد ذلك إلى البدعة. ثم قال: قال عثمان بن زائدة رحمه الله، أوصى سفيان: "لا تخالد صاحب بدعة". وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: "مات بشر المريسي، وخلفه حسين الكرابيسي"، يعني في البدعة، لأنه صاحبه وجليسه، وأخذ عنه هذا، فلما مات أخذ عنه هذه البدعة. فالتحذير واجب من أهل البدعة، فقد كان السلف رحمهم الله تعالى صيانة للسنة، يحذرون من أصحاب البدع، ويذكرونهم بأعيانهم، ولا يرون أن ذلك غيبة، لأن هذا من باب النصح لله عز وجل، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم. فإذا علموا شخصاً جاهر ببدعته تكلموا فيه، إذا أعلن وجاهر بهذه البدعة حذروا الناس منه. ثم قال الفريابي رحمه الله: كان سفيان الثوري ينهاه عن مجالسة فلان، يعني رجلاً من أهل البدع، ولم يسمه، لكن سماه له، يعني الفريابي ما سمى هذا الشخص، لكن سفيان قال له: "لا تجالس فلاناً لأنه من أهل البدع". وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: "أدركت خيار الناس، كلهم أصحاب سنة، وينهون عن أصحاب البدع". وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: "إياك أن تجلس مع صاحب بدعة"، والمراد أنك لا تأخذ عنه العلم، ولا تخالطه، حتى لا يغير عليك ما معك من السنة، ففر منهم فرارك من الأسد. قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله: "إذا لقيت صاحب بدعة في طريق، فخذ في طريق آخر". وكذا قال الفضيل بن عياض: "حتى لا تلقاه فيسلم عليك، فيقع فيك شيء من المودة له"، فلذلك قال: "خذ في طريق آخر". وهكذا أيضاً، لأنه من شياطين الإنس، فتأخذ في طريق آخر. إذا رأيت صاحب بدعة فلا تقابله، وهذا من باب التحذير كما تقدم. قال مقاتل بن محمد رحمه الله: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: "يا أبا الحسن، لا تجالس هؤلاء أصحاب البدعة، إن هؤلاء يفتون فيما تعجز عنه الملائكة"، يعني يأتون بأشياء غريبة وعجيبة وكبيرة. فرحم الله أئمة السلف، لما انتشرت في زمانهم هذه الأهواء، فكانوا يحذرون منها أشد التحذير. وقعت بدعة القدرية، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم من البدع الكبيرة، وكذلك الخوارج الذين خرجوا، فكانوا يحذرون منهم شد التحذير. واليوم إذا حذر من فلان قالوا: "لا يجوز، تتكلم فيه، عن فلان". فمن هذا؟ فلينظر أولئك، كيف ما كانوا يخشون أحداً، ما كانوا يخافون في الله لومة لائم. إذا عرفوا بدعة الشخص تكلموا فيه وحذروا منه. طبعاً إذا استطاعوا أنهم يجلسون معه ويناصحونه ويردون عن بدعته فعلوا، لا يألون في ذلك جهداً. وأما ولاة الأمور الذين أخذوا بعض البدع وقالوا بها، فإن أئمة السنة كانوا يناصحونهم، كانوا يناصحونهم فيما بينهم وبينهم، فسبيلهم إلى ذلك معلوم: يذهبون إليهم ويناصحونهم، ولا يقلبون عليهم العامة. لكن غيرهم ممن أظهر البدع من أئمة الضلال، كانوا يحذرون منهم. قال أبو قلابة، وهو الجرمي رحمه الله: "لا تجالس أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون". وهذا الأثر مشهور عن هذا الإمام، صحيح: "لا تجالس أهل الأهواء، ولا تجادلوهم"، لأنه ما من فائدة من جدالهم، فهم قد اشربوا قلوبهم بالبدعة، فتأتي له من هذا الباب، يأتيك من باب آخر، فيتعبك. وكما جاء رجل إلى الإمام مالك، وأراد أن يجادله، قال: "فإن غلبتني؟" قال: "اتبعتني". قال: "فإن غلبتك؟" قال: "اتبعتك". قال: "فإن جاء ثالث وغلبنا؟" قال: "اتبعناه". وهكذا. قال له: "إذن يصير ديننا عرضاً للتنقل، اذهب إلى شاك مثلك، فإني على ثبات من ديني". فرده الإمام مالك رحمه الله. لا يأمن الشخص على نفسه، مهما أوتي من العلم، فربما شبهة تنطلي عليك، وقلبك يرتاح لها، وتذهب مذهب هؤلاء. فكم من أناس كانوا على خير، وكانوا يعرفون بأنهم على سنة، وعلى اعتقاد صحيح، وأنهم على علم، وأنهم مبرزون، وغير ذلك، ثم بعد ذلك انحرفوا، والله أعلم بسبب ذلك، يعني سبب الانحراف الذي جعلهم يخرجون عن منهج أهل السنة والجماعة، وينابذون العلماء، ويطعنون في العلماء. فيسأل العبد ربه الثبات، إذا كان على خير، عليه أن يبتعد عن أهل الأهواء وأهل الشبهات. قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "لا تجلس مع صاحب بدعة، فإني أخاف أن ينزل، أو تنزل عليك، عليه اللعنة"، يعني ربما عليك أو عليه اللعنة. تجلس مع هؤلاء فتنزل عليك اللعنة. وسيأتي أيضاً حديث آخر في هذا الباب، فيها أن الله عز وجل لا يقبل من صاحب بدعة توبة حتى يدع البدعة. فهؤلاء يحذر منهم، يخاف أن تنزل عليك، أو تنزل عليه، أو تنزل عليه اللعنة من الله عز وجل، لأن هؤلاء ليسوا على سنة، لهذا يحذر الشخص من مجالستهم. فالبدعة أشد من المعصية، كما قال سفيان: "هي بعد الشرك في الإثم، أشد من المعصية"، فإن المعصية يتاب منها، وصاحبه إذا فعلها يعتقد أنه فعل محرماً، لكن صاحب البدعة يعتقد أنه على دين، وعلى خير، وأنها من الشرع، لهذا كان أخطر من صاحب المعصية. وقال أيضاً الفضيل: "احذروا الدخول على أصحاب البدع، فإنهم يصدون عن الحق". قال محمد بن مسلم رحمه الله: "حُيل إلى موسى بن عمران عليه السلام: لا تجالس أهل الأهواء، فتسمع منهم كلمة، فترديك، فتضلك، فتدخلك النار". والله أعلم، هذا أثر من إسرائيليات. قال إبراهيم النخعي رحمه الله: "لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين". هي والله، صدق، كم كنا مع إخوان لنا في هذا الباب، وهو باب السنة والاستقامة، فانظروا كيف الأهواء تفعل بأصحابها. لما خرجوا عن العلماء، وصاروا يطعنون في العلماء، تنافرت القلوب. فمجالسة أهل الأهواء تسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين، فكل واحد يبغض الثاني، لأن هذا يرى نفسه على حق، وذاك يرى نفسه على حق، ويحصل التهاجر، ويحصل التقاطع والتدابر. فإذا رأى هذا في طريق، وذاك في طريق، فإذا التقوا في الطريق، فكل واحد يكلح بوجهه، ويكشر عن أنيابه. فلذلك صارت هذه الأهواء مضلة، لأنها تفرق بين الأحبة. كانوا على سنة، كانوا على خير، كانوا على هدى، كانوا على استقامة، كانوا متحابين، متآلفين، متعاونين، متكاتفين، متزاورين، متجالسين. فما أن انحرف هذا، وصار من أهل الأهواء، إلا وشذ عن الطريق، فإذا رأى أخاه كلح بوجهه، فلا يسلم، ولا يرد السلام إذا سلم عليه. فوجدت البغضة في القلوب، والتنافر في القلوب، عياذاً بالله، بسبب إيش؟ بسبب الهوى. هذا اتبع هواه، خرج عن هذا المضمار الذي كان يسير عليه، فرأى نفسه ما أحد مثله، أنه على الحق، وأنه على الاستقامة، وأن غيره على ضلال وباطل. فلذلك حدث ما حدث. نعوذ بالله من هذه الأهواء. ليس في الأهواء خير، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار". هو سائق، هذا قائد، يقول: ماذا؟ الإنسان يتبع رأسه، كما يقول: إن هذا الإنسان يريد الذي في رأسه يسويه، يعني لا يبالي بأحد، يتبع رأسه، ما يتبع الدليل، ما يتبع الحق، ما يكون عنده لين، يكون عنده دائماً شدة، عنده قسوة وغلظة، والعياذ بالله. هؤلاء ينبغي الحذر منهم. شاء الله السلام والعافية. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.