الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 49، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يبرز المقطع مكانة القراءة والكتابة في صيانة العلم الشرعي ونقله عبر الأجيال مستنداً إلى نصوص الوحي وعمل السلف الصالح. ثم ينتقل إلى وجوب اتباع آثار الصحابة والتابعين بوصفه الصراط المستقيم الموصل إلى رضا الله تعالى.
يقرر المقطع أن سبيل المؤمنين هو منهج الخلفاء الأربعة الراشدين مستدلاً بحديث العرباض بن سارية الآمر بالتمسك بسنته وسنتهم. ويعدد مناقبهم العظيمة في تثبيت أركان الدين من جمع القرآن وقتال المرتدين وفتح الأمصار.
يسرد المقطع فتوحات عمر بن الخطاب وتحقيق بشارة النبي لسراقة، ثم يركز على وصية عمر بتجنب أهل الرأي لكونهم أعداء السنن. ويؤيد ذلك بأقوال علي وابن مسعود والأوزاعي أن الدين مبني على الاتباع لا على القياس والرأي.
يحذر المقطع من الاغترار بالخطباء المفوهين الذين يزينون الباطل بحسن العبارة وهم بعيدون عن الهدي النبوي. ويختم بالتأكيد على لزوم ما علم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء بالفقه في الدين.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد أخذنا في كتاب «لم نتدارس المنثور من القول المأثور» طائفة من الأبواب المهمة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم في التمسك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، واتباع آثار القوم. وآخر ما أخذنا في هذا الباب هو أهمية القراءة والكتابة، وكيف كان السلف رحمهم الله يوصون بالنظر في الكتب. وقد جاءت الأدلة من الكتاب والسنة على أهمية القراءة والكتابة. وقد ذكر المؤلف حفظه الله في هذا الباب مجموعة من الأدلة، منها قوله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. وهكذا أيضًا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتنون بالكتابة، فمنهم كاتب الوحي معاوية، وهكذا أيضًا زيد بن ثابت، وغيرهم من الصحابة الذين كانوا يكتبون، كعبد الله بن عمرو بن العاص، قد كانوا يكتبون عن النبي عليه الصلاة والسلام. وما جاء من نهي النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن»، ذكرنا كلام العلماء، وأن ذلك في الأمر الأول، لما خيف اختلاط القرآن بالحديث، فلما أمن من ذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك بأن يكتبوا عنه كل شيء، حتى في الغضب، في الرضا والغضب أيضًا، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يقول إلا حقًا، ولا يخرج منه إلا حق. والصحابة أوصوا بتقييد العلم، كابن عباس وعلي وغيرهم. الصحابة أوصوا بتقييد العلم: «قيد صيودك بالحبال الواثقة، فمن الحماقة أن تصيد غزالة ثم تتركها بين الخلائق طليقة، إذا معك صيد فلا شك أنك ستقيده لأجل أن لا يهرب، وهكذا العلم، حتى لا يذهب منك، عليك أن تقيده لكي تحتاج إليه في المستقبل». فأنت عندما تقيد الفائدة قد لا تحتاجها الآن ثم تنساها، لكنها إذا كانت في دفترك وكتاب فوائدك فإنه سيأتي زمان وتحتاج إلى هذه الفائدة، إذا كنت مدرسًا أو كنت واعظًا، فإنك تحتاج إلى مثل هذه الفوائد المقيدة من الدروس. فالسلف كانوا يعتنون بالكتابة، فيكتبون ما يلقي المتحدث لأجل أن لا يذهب العلم. ولولا الكتاب لذهب العلم، كما قال العلماء: «لو لم يكتبوا...» انظر، لو لم يكتبوا العلم، هل سيصل إلينا هذا العلم؟ ما سيصل، لأنهم ماتوا. الرجل إذا لم يكتب يموت العلم في صدره، لكن إذا كتب بقي علمه محفوظًا. هذا كتاب فلان، فنحن الآن نقرأ صحيح البخاري المسمى بالبخاري، من الذي ألفه؟ ألفه الإمام البخاري، ولو لم يكتب هذا الصحيح لما ذكر البخاري، وهكذا مسلم، وهكذا قول أصحاب المسانيد والسنن والآثار، وهكذا العلماء الذين ألفوا في العقائد، والذين ألفوا في الفقه. هذا كتاب شيخ الإسلام، جمع بما يسمى «مجموع الفتاوى»، وغيره من كتبه، ابن القيم، الخطيب البغدادي، ابن عساكر، وهكذا ابن قدامة، والنووي، والحافظ ابن حجر. يقولون: لو لم يكتبوا، كتبوا العلم فبقي العلم محفوظًا. وهذه خصيصة هذه الأمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حفظ الله برجالها الدين، أنهم حفظوا وكتبوا ما حفظوه وما سمعوه. فاعتناء طالب العلم بالكتابة أمر مهم، أكتب كل شيء، أكتب كل شيء، فقد أوصى العلماء بالكتابة. ثم الباب الذي يليه، قال المؤلف حفظه الله: وهو الباب الثالث والعشرون، قال: «اتباع آثار السلف وعدم الابتداء»، وهو باب مهم، فيه من الأدلة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلام الصحابة والتابعين الشيء الكثير. اتباع الآثار، والآثار جمع أثر، والأثر يأتي بمعنى الخطى والعلامة، بمعنى أنك تسير على خطى القوم، تتتبع آثارهم، أقوالهم، أعمالهم التي عملوها بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا معنى اتباع الآثار: اتباع آثار السلف، وعدم الخروج عنها، لأن الله عز وجل أثنى عليهم في كتابه الكريم، ورضي عنهم. والسلف إذا ذكروا فهم الصحابة من باب أولى. النبي عليه الصلاة والسلام يقول لفاطمة: «نعم السلف وأنا لك». فالذي جاء بهذا الشرع الحكيم وهو الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فيعتبر النبي عليه الصلاة والسلام هو إمام السلف، إمام السلف، ثم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم بعد ذلك التابعون، ثم أتباع التابعين إلى زماننا هذا، خلف عن سلف. فالسلف هم من كانوا على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ننظر في ماذا؟ في أقوالهم وفي أعمالهم، فنتبعها، حتى لا نضل ولا نزيغ، ونبقى على الصراط المستقيم الموصل إلى الله سبحانه وتعالى، فلا طريق غيره. لهذا قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. «سبيل المؤمنين» يعني الصحابة، كما في السيرة، العلماء، لأن الآية نزلت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لمن بعدهم: عليكم باتباع هذا السبيل الذي كانوا عليه، في العقائد، في الأعمال، في الأقوال، في المعاملات، في كل شيء، اتبعوا سبيل محمد صلى الله عليه وسلم ومعه صحابته الكرام. قال المؤلف: قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». فهذا الحديث العظيم، حديث العرباض بن سارية، عند أبي داود والترمذي، فيه إشارة منه عليه الصلاة والسلام باتباع آثار الصحابة، ومنهم الأئمة الأربعة الكبار: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. سماهم النبي عليه الصلاة والسلام أئمة مهديين، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء، خلفاء راشدون مهديون، أي هداهم الله عز وجل إلى الحق، فما يقولون ويجتمعون عليه هو الحق، خاصة إذا كان من هؤلاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، لأنهم مسددون وموفقون. فأبو بكر فضائله كثيرة، وشهد له الصحابة بأنه أعلمهم، كما قال عمر وغير واحد. فإذا أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ملازم له في حله وترحاله، ملازم للنبي عليه الصلاة والسلام، فهو عالم بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، شديد التحري، وكذلك قوي الاستنباط من الكتاب والسنة. وهكذا عمر، محدث ملهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فهو ينطق بالحق. وهكذا عثمان رضي الله عنه، مسدد موفق من الله سبحانه وتعالى. وهكذا علي بن أبي طالب. فأولئك هم الخلفاء الراشدون المهديون، بشهادة المصطفى صلى الله عليه وسلم، مجتمعون عليه، وما قالوا يكون من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فأمور كثيرة جرت بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، ووفق لها هؤلاء الصحابة، في حروب الردة، وفي جمع المصاحف، وفي الأذان، وفي نحو ذلك، أمور كثيرة جمعوا الناس عليها، فكان هذا من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فنحن نتبع سنتهم، نتبع سنة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. ودعك من الذين يقولون كذا وكذا، يأتون بأشياء، ما بلغتم علم المتقدمين حتى تبلغوا علم المتقدمين، فمن أنتم حتى تردوا سنة أبي بكر، أو سنة عمر، أو سنة عثمان، أو سنة علي رضي الله عنهم أجمعين؟ صحابة عاشروا النبي عليه الصلاة والسلام منذ بداية البعثة، منذ أن بعثه الله، صدقوه وآمنوا به، ونزل الوحي وهم مع النبي عليه الصلاة والسلام، وجاهدوا سنين، ثم يأتي واحد متشدق يظن نفسه حبر العلم، ويقول: هذه سنة عثمان، هذا قول عثمان، يا سبحان الله! بعد 1400 سنة يظن نفسه أعلم من المتقدمين، يهدر هذا القول بكل وقاحة. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء»، يعني ما قالوه وما عملوه فهو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، هذا لمن يعقل، لمن يعرف معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين». هل عارضوا الصحابة؟ هذا الصحابي ما عارضوا الصحابة رضوان الله تعالى، ساروا على ما سار عليه كبارهم، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم أجمعين. اجتمعوا معهم. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، ما تجتمع الأمة على ضلالة، أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فهم موفقون ومسددون، وأمته يدخل فيهم الصحابة دخولاً أولياً، ما يجتمعون على ضلالة ولا على باطل، فما اجتمعوا عليه كان هو الحق، وما وافقوا فيه كبار الصحابة الخلفاء كان هو الحق. فهذا الحديث يقتضي أننا نتبع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، نتبع آثارهم وأقوالهم، ونضعها نصب أعيننا إن أردنا النجاة. فهم الذين نشروا هذا الدين بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، وهم الذين دافعوا عنه بكل ما أوتوا من قوة، حموا حوزة الدين، ودافعوا عن هذا الدين كأن النبي عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم، فقاموا، وأعز الله عز وجل بهم الدين حتى انتشر في مشارق الأرض ومغاربها، فكان انتشارًا عظيمًا. في عهد عمر، أبو بكر لما ارتد من ارتد من العرب، قام وقاتلهم، وقام معه صحابة النبي عليه الصلاة والسلام، وجيش الجيوش، حتى أول يرجع أهل الجزيرة عما كانوا عليه من الارتداد، أو من منع الزكاة، فبعث الجيوش، وقاتل مسيلمة، وقاتل الأسود العنسي، وسجاح التميمية، وغيرهم ممن ادعى النبوة، أو كان من القبائل الذين منعوا حق الله عز وجل، وقاتل الروم، وبعث أسامة الجيش الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام لما مات، قال: «أنفذوا بعث أسامة»، مع أن العرب تكالبت كلها، ولكن أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان أعلم بما يفعل، جعل أسامة الشاب أميرًا على جيش فيه كبار الصحابة، لأن هذا هو أمر النبي عليه الصلاة والسلام، فما كان ليخالفه. ونصر الله عز وجل بهم هذا الدين، يبعثه إلى الروم، ويذهب إلى مشارف الروم، ثم يرجع منتصرًا، ثم بعد ذلك جعل الجيوش تخرج من المدينة، فمنهم من ذهب إلى البحرين ونجد، ومنهم من أرسله إلى اليمن، وهكذا فعل أبو بكر حتى توفاه الله في سنتين من خلافته، أعز الله عز وجل به الدين. وهكذا عمر بعده عشر سنوات، وانظر انتشار الإسلام، هزم الله به الروم، أكبر دولة وأعظم دولة في ذلك الزمان، وفارس، فحطم كسرى وقيصر، وأتى بكنوزهما، أتى بالكنوز وأنفقها في المسلمين، وسوار كسرى الذي قال النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيعطيه سراقة بن مالك، وجئ بالسوار، وأعطي لسراقة بن مالك. سراقة بن مالك قصته معروفة في قصة الهجرة، لما لحق بالنبي عليه الصلاة والسلام، وساخت فرسه في الأرض، فطلب الأمان من النبي عليه الصلاة والسلام، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمان، ثم وعده بسواري كسرى، وتحقق الوعد في عهد عمر رضي الله عنه، وأتي بالسوارين. هذا وعد النبي عليه الصلاة والسلام لسراقة بن مالك. تنظر كيف الآثار، لما يتبعون الخطى ويسيرون عليها يأتي النصر، وما يأتي الخذلان إلا من ترك اتباع الآثار والخطى الذي كان عليه سلف هذه الأمة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا». حديث عظيم، فهو في سنن الدارقطني، وأيضًا ذكره البيهقي، واللالكائي، وغير واحد، وهو أثر صحيح. «إياكم وأصحاب الرأي»، أي الرأي الفاسد، أصحاب العقول، أصحاب الأقيسة، الذين ما يتبعون السنن، تقول له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول لك: قال كذا وكذا، يعارضه برأيه، «أرأيت» ونحو ذلك. قال: «فإنهم أعداء السنن»، لأن السنن تبطل الآراء الفاسدة، فلا رأي مع السنن. لو كان الدين بالرأي، كما قال علي: «لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلى». لماذا نحن نمسح على الخف؟ أين الذي يتسخ؟ يتسخ الأسفل ولا الأعلى؟ ندعس نحن بأرجلنا بالأسفل، طيب، الوسخ يأتي بالأسفل، إذن نحن لما نصلي ونحن على خفاف، إذن نمسح الأسفل، هذا هو العقل الذي يقول كذا، لأن الاتساخ يكون في الأسفل. لكن الدين ليس بالرأي، أي ليس بالعقول، في أشياء هناك فيها اتباع، فيها نصوص. فقال علي: «لو كان الدين بالرأي، أي بالعقل تقيسه، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من الأعلى، ولكني رأيت رسول الله يمسح ظاهر خفيه، أي يمسح أعلاهما». فأنت تمسح الأعلى مع أن الأعلى نظيف، هذا هو الدين، الدين اتباع، وليس الدين يؤخذ بالرأي. هذا قاله علي، وسهل بن حنيف كذلك، كما في البخاري: «وقد رأيتنا يوم أبي جندل، لو استطعنا أن نضع سيوفنا» يريدون يقاتلوا، لو كان فيه رأي لقلنا: نحن في تلك الساعة أقوياء، نستطيع أن نهزم الكفار ونوقع فيهم القتل، لكن النبي عليه الصلاة والسلام سوى الصلح، صلح الحديبية، مع قوته عليه الصلاة والسلام، لأجل حقن دماء المسلمين. «ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم، ليدخل الله في رحمته من يشاء، لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا». كان هناك مؤمنون في مكة، نساء ورجال، لا نعلمهم، ما أحد يعلمه إلا الله، مستخفين بإسلامهم، لو دخلوا والمسلمون لا يعلمونهم، لربما قتلوا بعضهم بعضًا، يعني قتلوا إخوانهم المسلمين. لكن الله عز وجل سمى فتحًا مبينًا، فتحًا مبينًا، هذا صلح الحديبية. فلذلك يقول عمر: «لما نعطي الدنيا يا رسول الله في ديننا؟ أليس نحن على الحق وهم على الباطل؟ ألست كذا وكذا؟» والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بلى، بلى، ولكني رسول الله». فإذن الدين ليس بالعقل، الدين بالاتباع، النبي عليه الصلاة والسلام، لأن الخير كل الخير فيما جاء به صلى الله عليه وسلم. فيقول: «أعيتهم الأحاديث يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا، أعداء السنن، لا يهتمون بالأحاديث، وإنما يهتمون بالكلام، فهؤلاء أصحاب سفسطة، أصحاب كلام، أصحاب جدال، ما عندهم شيء من الآثار، ما عندهم شيء من الأحاديث النبوية، فهي تتعبهم، تتعبهم، فهم أهل كلام». قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر». قال الأوزاعي رحمه الله: «عليك بآثار من سلف، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوها لك بالقول، فإن الأمر ينجلي، حين ينجلي، وأنت منه على طريق المستقيم». هذا من آثار السلف. ابن مسعود أيضًا يقول: «اقتدوا»، الأمر فيه اقتداء، النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل أبدًا ما تمسكنا بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا إن شاء الله في الدرس القادم فيه آثار كثيرة عن السلف الصالح. فهذا الأثر الآن بين أظهرنا، أثر الأوزاعي، أننا نتمسك بآثار من سلف، ونترك آراء الرجال، وإن زخرفوها لنا بالأقوال، نتركها، ونتبع آثار السلف الصالح، فإن الفتن حينما تأتي، الشخص لا يعلمها إلا إذا كان على أساس متين من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف تعامل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومن تبعهم بإحسان، مع هذه الفتن. فقد يأتيك أولئك الخطباء، وأولئك الفصحاء والبلغاء، ونحوهم، ممن عندهم شبه، فأنت تترك هؤلاء، وتتمسك بما علمت، وما عرفت من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وإن زخرفوا أولئك لك الأقوال، بالكلام الطيب، أو الكلام الحسن، أو نحو ذلك، وهم ليسوا على هدى، ولا على طريق مستقيم. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في ديننا، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، الحمد لله رب العالمين.