الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  76

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 76

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 76، ألقاها

مقدمة عن الإمام الطبراني ومكانته العلمية

الإمام الطبراني هو مصنف كتاب الدعاء، ولد في سنة 260 هـ ونشأ في طلب العلم وتفوق فيه. نال ثناء العلماء لما له من مكانة علمية رفيعة.

الطبراني ومصنفاته الحديثية

ألف الطبراني معاجمه الثلاثة: الصغير والكبير والأوسط، وهي مصادر هامة في علم الحديث. اشتملت على أحاديث متنوعة وطرق مختلفة للرواية.

دعاء الرياح الشديدة وآداب التعامل معها

ينبغي للمسلم عند هبوب الرياح الشديدة أن يدعو الله خيرها ويتعوذ من شرها. كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أصحابه بأمور الغيب بوحي من الله.

ختام الدرس والتأكيد على علم الله تعالى

تم الانتهاء من الحديث عن كتاب الدعاء للإمام الطبراني. الله تعالى هو الأعلم بكل شيء، وقد أخبرنا بعضًا من علم الغيب من خلال وحيه للنبي صلى الله عليه وسلم.

  • 15 جمادى الآخرة 1440هـ - 20/02/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الطبراني رحمه الله في الدعاء. قال الطبراني في الدعاء في الجزء الذي ألفه في الدعاء. والإمام الطبراني هو أبو القاسم الطبراني، اسمه سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني اللخمي الشامي. ولد في الشام في منطقة عكا المشهورة؛ لأن أمه كانت عكاوية. وجلس في الشام فترة، ثم تحول إلى أصبهان أو إلى خراسان. ودار رحمه الله مع والده على المشايخ حتى أدرك الكبار، وسمعه والده وهو صغير. وأول سماعه للحديث كان وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فسمع مع والده، وكان ذلك سنة ثلاث وسبعين ومائتين؛ لأنه ولد في سنة ستين ومائتين للهجرة. ودار جميع البلدان، ذهب إلى مصر، وكذلك إلى الشام، أو أول ما سمع في الشام، ثم ذهب إلى مصر، ثم أيضًا ذهب إلى الحجاز، وآخر شيء جاء إلى بغداد وسمع بها كثيرًا. وسمع منه المشايخ حتى يقال: إنه له من المشايخ ألفي شيخ. هنا كانت له مشايخ كثيرة، وأدرك أناسًا كبارًا، أدرك أناسًا من الكبار. ولهذا تجد الطبراني مع أنه ولد سنة ستين ومائتين إلا أنه أدرك أناسًا قد أدركوا علماء كبارًا من مشايخ مشايخ أو من مشايخ البخاري ومن مشايخ أحمد. أدرك تلاميذ يزيد بن هارون، وأدرك أيضًا من تلاميذ أبي عاصم الضحاك بن مخلد، وأدرك أيضًا كذلك من تلاميذ عبد الرزاق. وهؤلاء يعتبرون من مشايخ الإمام أحمد، فأدرك تلاميذهم. المقصود أنه أدرك تلاميذهم وهو صغير؛ لأنه لما ولد إنما ولد بعده وفاة الإمام أحمد؛ لأن الإمام أحمد مات في سنة إحدى وأربعين ومائتين، وهو ولد بعده بعشرين سنة. وكذلك علي بن المديني، كذلك هؤلاء. بل عبد الرزاق مات سنة أربع ومائتين، وأدرك أصحابه وسمع منهم، سمع من أصحاب سعيد بن منصور الفرساني وغيرهم من الأئمة أو من أصحاب الأئمة. فلهذا أدرك الكبار، وعمر رحمه الله عمرًا حتى أدركه الأحفاد، وأدرك الأحفاد وروى عنه. ولهذا تجد أكثر أو من أكثر الأجزاء التي فيها علو تكون من جهة الطبراني. وقد كان بعض أصحابه، وهو ابن رزق، كان الناس يسلخمون عليه -هذا ابن رزق هو آخر من أدرك الطبراني وروى عنه كتبه كلها- وكان الناس يسلخمون عليه، وكتب الناس عنه ممن كتب عنه، عن ممن كتب عن ابن رزق، حتى إن السلفي رحمه الله -حافظ أبي طاهر السلفي- كتب عن مئة شخص من أصحاب ابن رزق، أي كتب كتب الطبراني. وكذلك أيضًا آخر من أدركوه من أصحاب ابن رزق المعمرة خاتمة الجردانية، فكانت يستحمون عليها في الغالب؛ بسبب أن معها أعلى الإسناد. فهذا يبين أن هذا الإمام الطبراني كان حافظًا كبيرًا. وأيضًا كان يشهد له الناس بحفظه؛ أنه كان يحفظ، وأيضًا حفظه كثير، وشهد الناس بحفظه. بل كان ما يستطيع أحد أن يغرب عليه لكثرة حفظه رحمه الله. واستقر في أصبهان، استقر في أصبهان، جاءها سنة تسعين ومائتين، وجلس فيها فترة، ثم خرج، ثم جاءها سنة ثلاث وسبعين ومائتين، جاءها بعد ذلك واستقر فيها، وجلس ستين سنة يدرس في هذه البلدة، وهي أصبهان، وهي من بلاد فارس. جلس ستين سنة وهو يدرس فيها ويحفظ الناس. وكان من أهل السنة، ولهذا أول من أدخله ويجعله يجلس في هذه البلاد هو ابن رستم أبو علي بن رستم. وكان له في الولاية، وكان يعطيه من الخراج، فاستقر الطبراني رحمه الله. وكان دائمًا يعطي الطبراني، وأيضًا يطلبه في مجلسه ويهدي له هدايا. ثم إن الطبراني سمعه مرة يغمز في أبي بكر وعمر -أنه كان عنده تشيع- قال الإمام الطبراني رحمه الله: فما أتيته بعد ذلك -أي ما جاءه في مجلسه أبدًا بعدما سمع منه أنه كان يتكلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما-. وأخذ بعض المحدثين على الطبراني بعض الأشياء، لكن أكثرها ليست صحيحة. وقد يكون في بعضها وهم، مثل ما ذكر أبو علي النيسابوري أنه كان يتكلم في الطبراني. فقال له الحاكم: أراك سيئ الرأي في الطبراني. قال: كنا في باب أبي خليفة الجمحي. قال: فأتيت له بأسانيد حديث حديث ابن عباس في السجود على سبعة أعضاء. قال: فقلت: هل تعرف عن شعبة عن عبد الملك الميسرة عن عكرمة عن ابن عباس غير عثمان بن عمر بن فارس يروي عن شعبة؟ قال: نعم، غندر، ابن أبي عدي. قال: وهذا وهم من الطبراني. أن لعله وهم في هذا الحديث؛ فليس أحيانًا الإنسان في المذاكرة قد يأتي بأشياء يظنها صحيحة وهي ليست صحيحة. لكن أخذها عليه أبو علي النيسابوري. والصحيح أن هذا قد يكون وهمًا فيه الإنسان لكثرة حفظه. ولهذا لما ذكر حديث شعبة ألف جزءًا سماه حديث شعبة، لم يذكروا إلا من رواية عثمان بن عمر بن فارس رحمه الله. فالمهم أن هذا الإمام كان حافظًا كبيرًا، وقد تنافس الناس في الأخذ عنه. وقد ألف كتبًا كثيرة، أعظمها المعاجم الثلاثة. أعظمها المعاجم الثلاثة: المعجم الأول المعجم الصغير، وهذا المعجم الصغير ألفه على حديث مشايخه؛ فكل شيخ من شيوخه ذكر له حديثًا واحدًا، ذكر لكل شيخ من شيوخه حديثًا واحدًا. وألف أيضًا المعجم الكبير، ألفه على أسماء الصحابة، ألف المعجم الكبير على أسماء الصحابة، وهو أكبر معجم من معاجم العلماء. وهذا المعجم ذكر فيه حديث الصحابة، إلا أنه لم يذكر حديث أبي هريرة فيه. ولعله أراد أن يضعه أو أن يجمعه فلم يستطع جمعه أو لم يستطع استثمامه فلم يدخله في معجمه. وكذلك أيضًا لم يكمل معجم الخلفاء الأربعة والعشر. كذلك المهم أنه ذكر كتابه كبير جدًا. طبراني هو موسوعة من موسوعات العلم، لكن كما قلنا ترك كثيرًا من أحاديث وخاصة أحاديث المكثرين، فسماه المعجم الكبير. وأما المعجم الأوسط فهذا المعجم كان الإمام الطبراني يقول: هذا روحي. كان يقول على كتاب المعجم الأوسط: هذا روحي. وقد خرج -أو معنى الطبعة المشهورة طبعة الطحان وغيره- أن ثمانية مجلدات، وبعضهم جعله عشرة، وبعضهم نزل بالطبعات أكثر. أما المعجم الكبير فهو يفوق ذلك؛ بعضهم جعله إلى عشرين مجلدًا أو أكثر. فالمعجم الأوسط جعله على أحاديث مشايخه، يذكر أحاديث مشايخه وخاصة غرائبهم. غرائبهم أي: معنى الحديث الذي لم يروه أحد إلا هم، معنى فردوا به روايته، فيذكره رحمه الله في المعجم الأوسط. قال الطبراني رحمه الله: حدثنا معاذ بن المثنى، ومعاذ بن المثنى هو ابن معاذ بن معاذ العنبري الحافظ المتقن. أنا معاذ هذا حافظ وابن حافظ، وأيضًا جده حافظ، وجد جده أيضًا حافظ من أصحاب شعبة، فهؤلاء كلهم حفاظ في السلسلة. معاذ بن المثنى ابن معاذ بن معاذ العنبري رحمه الله من أصحاب شعبة بن الحجاج. أي جده معاذ بن معاذ. قال: حدثنا علي بن المديني، وهو الحسن الإمام الحافظ الكبير، إمام العلل حتى لقب بحية الوادي؛ لمعرفته العلل وخبايا الحديث كما أن الحية تعرف مجاري الوادي. قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، وهو أبو عبد الرحمن الحافظ الكبير ابن الإمام إمام أهل السنة أحمد بن حنبل. قال: حدثني أبي. قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وهو أبو سعيد البصري الإمام، إمام أهل السنة والحديث. قال: معرفتنا للحديث عند الناس كالجهالة، أو قال: كالكهانة. قال: حدثنا المثنى بن سعيد، وهو أيضًا من أصحاب قتادة البصريين. قال: عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا هاجت ريح شديدة قال: «اللهم إني أسألك من خير ما أمرت به، وأعوذ بك من شر ما أمرت به». قال: هذا حديث صحيح. فهذا الحديث في الريح إذا هاجت ريح شديدة يأتي بهذا الدعاء. وقد جاء هذا الحديث في الصحيحين عن أبي هريرة وعن غيره في الدعاء عند اشتداد الريح. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به». فهذا الدعاء الذي ينبغي للمسلم أن يحفظه إذا جاءته هذه الريح، أتى بهذا الدعاء؛ لأن هذه الريح من روح الله. وما تقدم معنا في الحديث الذي تقدم في مسند أبي يعلى أنه قال عليه الصلاة والسلام: «الريح من روح الله»، أي: مما ينفس الله به عز وجل على الناس. لماذا؟ لأن الريح هذه تأتي بالسحب، إذا جاءت الريح جاءت السحب؛ لأنها تطرد السحب فتجمعها، فيأتي بعد ذلك المطر بإذن الله جل وعلا. فكما قال الله عز وجل في آيات كثيرة، أو ذكر ربنا سبحانه وتعالى هذا الأمر: ﴿فَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمْ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾، فأرسلنا الرياح لواقح تلقح السحاب وتجمعها. كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رَكَامًا﴾، يسوقها بالريح، تأتي الريح وتزجي هذه السحاب وتجمعها. فقال: ﴿يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رَكَامًا﴾، فترى الودق يخرجه من خلاله، فيصيب به من يشاء من عباده، ويصرفه عن من يشاء، ﴿يَكَادُ سَنَبْرَقُهُ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾. فهذه الآيات من آيات الله جل وعلا. فيرسل الله عز وجل الرياح على الناس فتفيدهم، وحيانًا الريح هذه تكون عذابًا. وغالبًا وغالبًا كما قال أهل العلم: أن الله عز وجل إذا ذكر الريح فالمراد بها العذاب، وإذا ذكر الرياح فهي رياح الرحمة. الرياح تأتي بالرحمة والريح تأتي بالعذاب. لهذا لما ذكر ربنا سبحانه وتعالى قوم ثمود وقوم عاد فقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾، ريح شديدة تصرعهم. وأيضًا بيّن الله عز وجل أنه أرسل عليهم الريح الشديدة التي دمرتهم، فما رؤي إلا مساكنهم. فلهذا فالرياح تأتي بالعذاب والرياح تأتي لأجل الرحمة والمطر وغيرها. فالمهم أن الإنسان إذا رأى هذا الهواء الشديد فهو لا يعلم هل هذا فيه خير أو فيه شر، فلهذا يسأل الله عز وجل خيرها. لا ينبغي أن يسبها أو أن يقول: ما هذه الريح، فهي ريح عذاب. هذا لابد أن يكون بعلم. لما جاءت ريح في المدينة أو النبي صلى الله عليه وسلم قادم إلى المدينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذه الريح أتدرون ما هذه الريح؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «ريح موت بعض المنافقين»، هذا إخبار من الله عز وجل، ما يستطيع الإنسان أن يأتي مثل هذه الأشياء إلا إذا كان من وحي الله من الغيب. وأما كذلك ما يحصل مثلًا من الإخبار بأن ستكون ريح وتكون كذا، فهذا ليس من علم الغيب، هذا ليس من علم الغيب. وإنما من اشتغل بالهيئة يعرف بعض الأشياء التي تكون في الكون بعلاماتها وبأسباب جعلها الله عز وجل أسبابًا قائمة وثابتة ومستمرة فيعرفونها بذلك. وأيضًا كذلك بالحساب يعرفون هذه الأشياء بالحساب، وهذا من جعل الله عز وجل أمورًا مستقرة. وليس هذا من علم الغيب، وليس هذا من علم الغيب. فلهذا وهل ينبغي أن يخبر لوجود ريح مثلًا شديدة وكذا لا بأس إذا أخبر، لا بأس. وإذا ترك النعسة أيضًا لا شيء في ذلك. إذا كان الإنسان مثلًا عرف بسبب ما عنده من حسابات أو من الهيئة أو من مراقبة الكون ومراقبة مثلًا الرياح التي تكون في البحر فعرف أنها ستكون ريح شديدة فأخبر الناس، ما في شيء. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من تبوك وهو في الطريق أخبر الناس بأنها ستكون اليوم ريح شديدة، فلا يقوم أحد منكم. والحديث في البخاري كما هو معروف. فلهذا فلا بأس أن الإنسان يخبر إذا كان في ضرر على الناس، إذا كان في ضرر على الناس أو أن هذه ريح تكون مضرة. وأما الأشياء العادية هذه فالأفضل أنها يخبر بها الناس حتى مثلًا يروها أو تكون عليهم آية ويعرفون قدرها. وأما إذا كان في ضرر مثلًا مثل السيول التي تأتي يخبرون الناس، يخبرون أهل الوديان حتى لا يأتوا. وأيضًا يكون في الوديان فتأتي السيول فتعقبهم. فخلاصة الأمر أن المهم أن الإنسان يأتي مثل هذه الأذكار ويسأل الله عز وجل خير هذه الأمور. فإذا هاجت ريح شديدة يقول: «اللهم إني أسألك من خير ما أمرت به». وجاء في الصحيح: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به». فهذا خلاصة ما يذكر. والله تعالى أعلم.

شاركنا على