الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  80

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 80

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 80، ألقاها

مقدمة في شرح حديث أذى النبي

يبدأ الشرح بتوضيح حديث رواه الإمام ابن ماجه عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم في الله. يشير إلى أن النبي أوذي أكثر من أي أحد في سبيل الدعوة.

مواقف من أذية النبي صلى الله عليه وسلم

يتناول المقطع بعض المواقف التي تعرض فيها النبي للأذى، مثل ما حدث في الكعبة والطائف، ويوضح شدة الأذى الذي تعرض له في سبيل الدعوة.

تحمل الأذى والزهد في سبيل الله

يشرح كيف تحمل النبي صلى الله عليه وسلم الأذى والفقر، وكان يعيش على القليل، ويشجع على الصبر والاستمرار في طريق الحق. كما يشير إلى نصر الله لمن يسير على نهج النبي.

درس الزهد من اختيار رسول الله

يروي كيف رُزق رسول الله صلى الله عليه وسلم البطحة الذهبية واختار الكفاية بدلاً منها، موضحًا تفضيله لما أراده الله له، ويعتبر هذا درسًا في الزهد والرضا بقضاء الله.

  • 15 جمادى الآخرة 1440هـ - 20/02/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل رحمه الله: قال الإمام أبو عبدالله بن ماجه، وهو محمد بن يزيد القزويني، ومحمد بن يزيد بن ماجه القزويني، وقزوين هي منطقة من مناطق خراسان. قال رحمه الله: حدثنا علي بن محمد، وأشياخه من كلام الشريف أنهم اثنان، ورجحنا كأن الشيخ يرجح أنه التنافسي، علي بن محمد التنافسي، وهو حافظ من حفاظ الحديث. قال رحمه الله: حدثنا وكيع، وقد تابعه كما سيأتي ابن أبي شيبة وغيره، أن وكيعًا قال: حدثنا وكيع، وهو ابن الجراح الرؤاسي، حافظ من حفاظ الحديث، كان حفظه طبعًا، كان ابن العيين يقول: حفظه وكيعًا طبع، حفظنا تكلف، حفظه وكيعًا طبع، أي يطبع إذا حفظ شيئًا طبعًا ما يحتاج إلى أن يتحفظ، وكان حافظًا كبيرًا من حفاظ الكوفة، ولم يرتض لأحد أن يجلس بعد سفيان الثوري إلا لوكيع، فجلس وكيعًا في مكان سفيان الثوري في جامع الكوفة. قال عن حماد بن سلمة، وهو أبو أسامة حماد بن سلمة البصري، وقد ذكرنا ما له وما عليه، وهو إمام من أئمة السنة، إلا أنه أخذت عليه بعض الأشياء في الحديث كما قد ذكرنا قبل، لكنه من أثبت الناس في ثابت البناني، وقد خرج الإمام مسلم روايته عن ثابت، وقال الإمام مسلم رحمه الله: أجمع العلماء على أن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت. قال عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثالثة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما وارى إبط بلال». قال رحمه الله: هذا حديث صحيح، رجاله رجال صحيح إلا علي بن محمد شيخ ابن ماجه، وابن ماجه شيخان كلاهما اسمه علي بن محمد، ولكن ابن ماجه بالرواية عن التنافسي أشهر، وأيضًا رواية التنافسي أكثر وأشهر عن وكيع، قال: فيعمل عليه عندما يهمله، والله أعلم. قال: والحديث أخرجه الترمذي، فقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه الإمام أحمد، فقال: حدثنا وكيع به، وأخرجه الإمام أحمد، فقال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة به، قال: أخرجه أبو يعلى، فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة به، وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، فقال رحمه الله: حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة به. وقد رواه جماعة عن حماد بن سلمة، أكثر من عشرة من الرواة، رواه عن حماد بن سلمة، فتفرد حماد بهذا، وهو حديث صحيح، وجاءت له شواهد أيضًا من حديث أبي هريرة ومن حديث غيره. فقوله هنا في هذا الحديث: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد»، وجاء في رواية: «وما أوذي أحد»، فعلى هذه الرواية يكون المعنى: لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، يكون معنى الحديث أنه أوذي عليه الصلاة والسلام قبل أن يؤذى أحد، إما يحمل على أمته، على هذه الأمة أنه أول من أوذي عليه الصلاة والسلام في هذه الأمة. لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد قبل أن يؤذى أحد، لأنه هو الذي أول من جاء بهذه الرسالة، فلقي أن الأذى قد يكون هذا الأذى بالكلام، لأنه أعرض نفسه على الناس، وقد يكون ذاك يرده، وهذا يسبه، وهذا كذا، فلهذا قال: «لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد». وأما العبارة الثانية: «لقد أوذيت في الله وما أوذي أحد»، أي مثل ما أوذيت، فلعله المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم أوذي وإن كان أذاه قد يكون هناك من الصحابة من أوذي أكثر منه من ناحية العذاب، لكن من ناحية الكثرة من العذاب كان بالنبي صلى الله عليه وسلم أكثر. أولًا: أذية المشركين له، أذية المشركين له عليه الصلاة والسلام، حتى وضعوا السلاء -سلء الجزور- على رقبته الشريف، بل أرادوا أن يقتلوه، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في البخاري أنه قيل لعبد الله بن عمر: هل رأيت أعظم منظرًا أوذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو كما سئل، فقال: نعم، فذكر لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الكعبة، جاءه ابن أبي معيط وأخذ بردائه وشده على رقبته الشريف عليه الصلاة والسلام حتى أثر على رقبته، ثم جاء الصديق رضي الله عنه وقد ازدحم الناس يضربون النبي صلى الله عليه وسلم وهو يفرقهم عنه ويقول: «تقتلون رجلًا أن يقول ربي الله»، فهذا ذكره عبد الله بن عمر أنه أعظم موقف للنبي صلى الله عليه وسلم أوذي فيه. وجاء عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أنها سألت نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل مر بك موقف أشد عليك وأغلظ عليك في الأذية أشد عليك من يوم أحد؟ فمعلوم أن يوم أحد كثرت رزية النبي صلى الله عليه وسلم، كسرت رباعيته، فقال: نعم، ثم ذكر حديث الطائف، قال: قد عرضت نفسي على عبدي ياليل بن كلاب، لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وقد رأى الإعراب منهم خرجًا إلى الطائف، فعرض نفسه، أي عرض جواره وعرض أن يسلم، أي هؤلاء أهل الطائف، وكان سادات أهل الطائف في ذلك الوقت ابن عبد ياليل بن كلاب، فعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه عليهم فرفضوا وعاندوا وعارضوا، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف مغمومًا مهمومًا، فلم يفق قال: ولم أفق إلا بقرن الثعالب، هكذا بقرن الثعالب، ثم جاءه جبريل وإلى آخر الحديث. وجاء في الطبراني أنه دعا وشكا إلى الله عز وجل ضعف حالته وهوانه على الناس، لكن لم يثبت إسناده، وإن كان كما قال بعض العلماء الكلام كلام العظيم ويخرج من مشكاة النبوة، لكنه لم يثبت من ناحية الإسناد، ولم يثبت أيضًا من ناحية الإسناد أن أهل الطائف غروا عليه الصبيان حتى رموه بالحجارة وحتى أدموا عقبيه، هذا جاء في السيرة في سيرة المسعودي وفي سيرة عقبة موسى بن عقبة، لكنه لم يثبت أسانيدها، فكلها معضلات. والثابت هذا الحديث أن عائشة رضي الله عنها ذكرت موقفًا من المواقف التي أذي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعظم أذية عليه الصلاة والسلام أنه كان يعارض بدعوته إلى الناس، أن الناس يعارضونه ويشددون في الإعراض، ولا شك أن عرض دعوة الإنسان إلى الناس هو شديد على الإنسان، لا يريد أن يهون نفسه عند الناس، لكن لله عز وجل حانت نفسه في الله، فكان يعرض عليه الصلاة والسلام دعوته للناس في المواسم، في عكاظ ومجنة، ومعنى كانت هذه أسواقًا في الجاهلية، كان نبي صلى الله عليه وسلم يأتي إليها ويعرض نفسه على الناس، فيلقى الأذية من ذلك، ولقي أيضًا بعض الأذى من قريش. فقوله عليه الصلاة والسلام: «لقد أوذيت في الله وما أوذي أحد»، فقال بعضهم: لعل النبي صلى الله عليه وسلم أراد أذاه في هذه الأمة، أو أنه أراد أنه عليه الصلاة والسلام لم يعرض لم يتعرض له مثلها، أو لم يتعرض لمثل ما تعرض له عليه الصلاة والسلام. وأيضًا أشكل عليه ما جاء أن كثيرًا من الصحابة قد قتلوا، مثل سمية أم عمار، وكذلك ياسر والد عمار بن ياسر، وبعض الصحابة قتلوا، وبعضهم عذبوا كبلال وغيره، فقيل: إن المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم أذاه كان أذى له، لأنه هو صاحب الدعوة، أذى هؤلاء لما كان يؤذى أصحابه رضي الله عنهم، كان يتعلم الشدة والألم من أذية الكفار لصحابة الكرام عليه الصلاة والسلام رضي الله عنهم، لصحابته رضي الله عنه، فلهذا فهو أذى له. وبعض صحح هذه العبارة: «لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد»، لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع أن يؤذى حتى مات عمه أبو طالب، لما مات أبو طالب أوذي عليه الصلاة والسلام، وإلا قبلًا ولما كان في حياته لم يستطع أحد أن يؤذيه عليه الصلاة والسلام إلا بالإعراض، إلا بالإعراض أو الشتم أو السباب أو كذا، أما أذية في جسمه فلم يؤذ إلا بعد موت أبي طالب. قال: «ولقد خفت في الله وما يخاف أحد»، خفت في الله، إما يراد بها خوفوني في الله، فمعنى خوفوني، جاء مثل ما جاء في السيرة أنهم أرادوا قتله عليه الصلاة والسلام وهددوه بالقتل وهددوه بالقتل. وقد يراد أيضًا أنه: «وما يخاف أحد»، أي في ذلك الوقت، في ذلك الوقت الذي خوفت فيه، خوفني بعض الناس بقتلي أو بأذية أو بكذا، ولم يكن أحد هناك يخوف غيره عليه الصلاة والسلام، ولم يخوف في ذلك الوقت غيره عليه الصلاة والسلام. وهذه الأشياء يأتي بها النبي صلى الله عليه وعلى وسلم من باب التسلية، ومن باب أن الإنسان أو من باب التسلية لهذه الأمة وليأصحابه، فمن أوذي في الله عز وجل يتذكر أذية أولئك الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خوف في الله خوف أنك إن بقيت على هذا الطريق سنفعل بك كذا وكذا، سنقتلك، سنفعل وسنفعل، فهذا التخويف، فما دام أنه يرضي الله عز وجل وهو على طريق طريق النبي صلى الله عليه وسلم، فليتعز برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخاف، لأنه على طريق صحيح. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾، فلا يخافون من كلام الناس، وهكذا يكون الداعي إلى الله عز وجل لا يخاف من كلام الله، أقصر من كلام الناس، ولا أيضًا يخاف من تهديدهم له، بل يستمر في طريقه، فإن الله عز وجل ناصره، والله عز وجل معه ما دام أنه مع الله، فلهذا ما إذا حفظ الله حفظه الله جل وعلا. قال: «ولقد أتت علي ثالثة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما وارى إبط بلال»، ثالثة إما المرأة ثالثة، أي شهر ثلاثة أشهر، أو ثالثة أي ثلاثة ليالي، وجاء في أكثر روايات أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ولقد أتت علي ثلاثون ما بين يوم وليلة»، ولقد أتت علي ثلاثون ما بين يوم وليلة، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما وارى إبط بلال. فسره الإمام الترمذي لما كانوا في الهجرة أو بعدما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، وفسره بعضهم على أن هذا الأمر قد حدث في مكة، قد حدث في مكة أنه عليه الصلاة والسلام لم يجد عامًا شهرًا كاملًا إلا شيئًا يسيرًا يواريه إبط بلال، والمراد يواريه إبط بلال، أي قد يجعله تحت يده على شيء يسير جدًا، ومعنى قد يجعله حتى تحت يده إذا وضعه في ذلك، معنى أنه شيء يسير الذي كان معه ومع بلال، فكان عليه الصلاة والسلام يأكل من هذا الشيء اليسير إن وجده، وإلا بقي بدون طعام. وقد كان عليه الصلاة والسلام لا توجد في بيته شيء من الطعام، ويمر عليه ثلاثة أشهر متوالية ولا توقد في بيته نار، عليه الصلاة والسلام، كما ذكر ذلك عائشة رضي الله عنها، فالمراد أنه عليه الصلاة والسلام عاش فقيرًا، وقد أتت عليه أيام لم يجد طعامًا قط، لم يجد طعامًا قط، حتى عصب على بطنه الحجر، كما كان يفعل في بداية ما جاء إلى المدينة، وحتى قال بعض الصحابة رضي الله عنهم: ما شبعنا من التمر حتى فتحنا خيبر، قال: ما شبعنا من التمر حتى فتحنا خيبر، ما كانت عندهم تمور، بل كانت قليلة، ولما أخذوا أشجار بني النضير التي كانت في المدينة جاء لهم تمر، لكنه لم يكفيهم كلهم لكثرة الصحابة رضي الله عنهم، لكن لما فتحت خيبر جاءهم تمر كثير. لكن هذا التمر أيضًا ليس كثيرًا إلا كثيرًا كما ذكر، وإنما لما بعث به معاوية أخذوا تمرًا وأكلوا من هذه التمر، لأن أكلهم كان أكثرهم تمر، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس معه شيء مما يأكله إلا ما وارى إبط بلال. ثم إنه حتى لما فتحت عليهم بعض المناطق، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش على هذه العيشة. قال بعض السلف أو قال بعض الأئمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي اختار هذه العيشة، اختار أن يكون مسكينًا، اختار أن يكون فقيرًا، ليس عنده ذلك الطعام والشراب الكثير، وإنما عنده ما يكفيه، وكان عليه الصلاة والسلام من الصحيحين، كان يدعو يقول: «اللهم اجعل قوت آل محمد كفاية»، اللهم اجعل قوت آل محمد كفاية، أي ما يكفيهم وما يريد عليه الصلاة والسلام شيء يكون زائدًا على الكفاية. وجاء في رواية: «مُجمل رزق آل محمد كفافًا»، أي ما يقوتهم ويكفيهم في قوتهم، فهذا شيء من معنى هذا الحديث العظيم الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم يعرض ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من خوف، وكذلك أذية وفقر، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو أراد الله عز وجل أن يصب عليه الدنيا صبًا، لو أراد الله عز وجل أن يصب عليه الدنيا صبًا، بل جاء في حديث أنس عند الطبراني وبهذا الإسناد، أن الله عز وجل أوحى إلى نبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل له البطحة ذهبًا، أن يجعل له البطالة ذهبًا، فقال: لا يا رب، إنما أريد الكفاية أو أريد الستر والكفاية، فكان هذا اختيار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان على ما أراده الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.

شاركنا على