الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 60، ألقاها
يناقش أهمية التفكر في مخلوقات الله وآياته الكونية والشرعية، وكيف يحيي القلب ويبعث فيه الخوف والخشية. التفكر يورث التذكر والتقوى ويعظم الله سبحانه وتعالى في القلوب.
التفكر في آيات الله يحيي القلب ويبعث فيه الخوف والخشية، ويورث التذكر والتقوى. التفكر يميز بين حياة القلب وموتها، حيث يكون القلب حيًا باستمرار التفكر والتذكر.
أهل السنة يثبتون أسماء الله وصفاته كما جاءت في القرآن والسنة دون تعطيل أو تشبيه، ويحذرون من الجدال والمراء في دين الله لأنه قد يؤدي إلى الكفر والشك. الجدال الحق هو الذي يهدف إلى إظهار الحق ودفع الباطل.
السلف كانوا يتحاشون الجدال إلا عند الضرورة، وعندما يضطرون إليه يفعلون ذلك لإظهار الحق ودفن الباطل. من الأمثلة على ذلك مواقف الإمام محمد بن عبد الوهاب وشيخ الإسلام ابن تيمية.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لما بعد، قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في العقيدة التي ألفها رحمه الله، فقال: ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله. فقولُه هنا: ولا نخوض في الله، أي: لا نكون مثل أهل الكلام الذين خاضوا في الله عز وجل، وفي ذاته سبحانه وتعالى، وفي أسمائه وصفاته خاضوا بالباطل، إذ الخوض غالبا ما يُراد به تجاوز الحد في الشيء، فخاضوا، أي: أنهم تجاوزوا حده، حتى أنهم خاضوا في ذات الله جل وعلا، فلهذا كان مذهبهم مذموما. فلهذا لا ينبغي لنا أن نخوض في ذات الله، وإنما إن تفكرنا، تفكرنا في مخلوقات الله سبحانه وتعالى، يتفكر في مخلوقات. قد جاء عن ابن عباس مرفوعا، موقوفا، والموقوف صح، أي: من كلام ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تفكروا في مخلوقات الله، ولا تتفكروا في ذات الله فتهلكوا». ولا تتفكروا في ذات الله فتهلك، ولهذا قدم المؤلف في بداية هذه العقيدة أنه لا ينبغي لشخص أن يأتي بأوهام في نفسه، فكل هذه الأوهام باطلة، والله عز وجل أكبر من كل شيء سبحانه وتعالى، ومهما تخيلت في نفسك وتوهمت فيها في الله عز وجل، فالله أعظم، أجل سبحانه جل وعلا. فقالوا: لا نخوض في الله، بل نتفكر في آيات الله جل وعلا، سواء كانت الآيات المرئية أو الآيات الشرعية. الآيات المرئية هي التي نراها، وهي الكونية، كالشمس والقمر، والآيات الشرعية هي آيات القرآن. نتفكر في هذا وفي هذا. ولهذا الله عز وجل دائما في القرآن يدعو إلى التفكر: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. فذكر: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾، أي: هذه الأشياء الإنسان يتفكر فيها، كيف خلقها الله عز وجل. فالتفكر في آيات الله جل وعلا سبب لتعظيم الله سبحانه وتعالى، سبب لتعظيم الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان بعض السلف يقول، ويؤثر عن الحسن البصري رحمه الله قال: «عملنا القلوب بالتفكر، فأورثتنا التذكر، فرجعنا بالتذكر إلى التفكر، فحركنا بهما القلوب، فكانت للقلوب سمعا وبصرا». عن التفكر والتذكر، كانت للقلوب سمعا وبصرا، كانت قلوب حية. لأن القلب الحي هو الذي ينبض، وهو الذي يحس بما حوله، لينذر من كان حيا، أي: قلبه حي. فهذا الحي هو الذي يتعظ بهذه الندارة، يرى الأشياء حوله يتفكر، يتذكر. فلهذا الله عز وجل دائما في القرآن يأمرنا بالتفكر في آيات الله جل وعلا. وقد جاء عن بعض السلف أنه كان يقول: «تفكر ساعة خير من عبادة سنة». تفكر ساعة خير من عبادة سنة. وجاء عن أم الدرداء كما في الحلية أنها قالت: «كان أبو الدرداء أكثر عبادته التفكر». كانت أكثر عبادته التفكر. ولهذا من بداية عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يذهب لغار حراء يتحنث الليالي ذوات العدد يتعبد، وبماذا يتعبد؟ أي: بالتفكر في مخلوقات الله، في هذه الأشياء. كذلك أيضا التفكر في آيات الله عز وجل الشرعية فإنه أيضا عظيم: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، وقال الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. فالتدبر والتفكر لآيات الله جل وعلا مهم جدا في فهم القرآن، وفي حياة القلوب، في حياة القلوب. لهذا كما قلنا، قال الحسن: «فرجعنا بالتذكر إلى التفكر»، لما عملنا القلوب بالتفكر أورثتنا التذكر، لما تفكروا في مخلوقات الله، في آيات الله، صار عندهم تذكر، خوف وخشية، يتذكر الله عز وجل، عظمة الله سبحانه وتعالى، وأيضا الخوف من الله، فهذا التذكر. قال: «رجعنا به إلى التفكر»، معنا بعد التذكر، ثم التذكر هذا يرجعنا إلى التفكر مرة أخرى، فالتذكر يولد التذكر، والتذكر يولد التفكر، ثم بعد ذلك يحرك بهما القلوب، أي: بالتذكر والتفكر، تذكر ما أعده الله عز وجل لأهل الإيمان، تذكر ما أعده الله عز وجل لأهل المعاصي، والخوف الذين كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. فتذكر وتفكر يحيي القلب بهذين الأمرين. فالقلب يكون بين التفكر والتذكر حي لا يموت ولا يمرض، لأن القلب يمرض ويموت، فالمرض هو النفاق، وغيرها مما يكون من هذه الأشياء، والموت هو الكفر والعياذ بالله. فلكن بالتفكر والتذكر يكون القلب حي لا يموت أبدا، ولا يضعف. حيانا القلب أيضا يضعف إذا ضعف إيمانه، لكن إذا استدام الرجل على التفكر والتذكر فإنه أحيا قلبه. فهذا نبي الله عليه الصلاة والسلام، وهو خير البشر عليه الصلاة والسلام، كان دائما يتفكر يتذكر. جاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل مسح عن وجهه النوم، مسح بيده عن وجهه النوم، ثم نظر في السماء، وكان يقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فهذا إلى أن ينتهي من هذه الآيات العشر. فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يتفكر في مخلوقات الله جل وعلا. وإذا نظر الإنسان إلى مثل هذه المخلوقات، جاءت في قلبه العظمة لله، فخاف وأحب الله عز وجل وتقرب إليه. وأيضا صغرت الدنيا في قلبه، الإنسان إذا صغرت الدنيا في قلبه على الإيمان في قلبه، وعظمت الله سبحانه وتعالى، وعظمت الخوف من الآخرة، عما يرقبه في الآخرة، كلما ضعفت الدنيا في القلب، علت الآخرة عليه وعظمت. وهذا هو حياة القلب، هذا هو حياة القلب. لهذا جاء في حديث ابن عمر: «أي الناس أكيس؟» سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الناس أكيس؟» قال: «أكثرهم استعدادا للموت». فهو قلب حي دائما يذكر الموت، يذكر الآخرة. فبالتفكر والتذكر يكون القلب حي. قال: ولا نخوض في الله، وإنما نخوض في آيات الله جل وعلا، سواء كانت المرئية أو الشرعية. وكان هذا لا يسمى خوضا، لكنه تفكر، تفكر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى. وأما ما جاء عن الله عز وجل، فأهل السنة بحمد الله يثبتون ما ثبت عن الله جل وعلا، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ثبت عن الله من أسمائه وصفاته، وكذلك ما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يعطلون، ولا أيضا كذلك يشبهون، ولا يمثلون، ولا يغفلون، ولا أيضا يكيفون، ولا يضربون الأمثال بصفات الله جل وعلا، بل يثبتونها كما جاءت، ويثبتون لله عز وجل، أو يثبتونها كما تليق بالله وجلالته سبحانه وتعالى. قال: ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله. الممارة هي الجدل الذي يكون فيه انتصار للنفس، أو لأجل الغلبة، يسمى ممارة. الممارة هي الجدل والنقاش، لكن هذا النقاش أو الجدل إذا كان لأجل انتصار النفس وغلبتها، فهذا يسمى ممارة. فلهذا لا ينبغي الإنسان أن يماري في دين الله جل وعلا، لا يماري الإنسان في دين الله، لأن الممارة من الباطل، وتشكيك في دين الله جل وعلا، تشكيك في دين الله. لهذا قال: جاء في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المراء في القرآن كفر». المراء في القرآن كفر، أن الذي يشكك ويجادل في آيات الله عز وجل، فهذا إنما هو كفر. وأيضا كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب، وجاء أيضا عن غيره، عن أبيه عن جده، وجاء عن غيره كذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقا». لمن ترك المراء ولو كان محقا، لأن المراء غالبا هو انتصار النفس، انتصار النفس. لهذا كان يقول إمام مالك رحمه الله: «أعرض السنة على الناس، ولا تمارِ فيها». أعرض السنة على الناس، ولا تمارِ، يعني: إذا جاء مجادل وجادلك في شيء من هذا، فإذا رأيت أن كلامك انتصار للنفس، أو لأجل أنك تغلبه أمام الناس، فإن هذا مماراة ليست صحيحة، فاترك المماراة. لكن إن كان همك إظهار الحق للناس، وتبيين ما على هذا الرجل من الباطل، فهذه مناقشة حق، وجدال حق لأجل إظهار الحق، وكذلك أيضا دفع الباطل، دفع الباطل. أما إن كان كما قلنا لأجل انتصار النفس، وغلبة من كان عندك، لأجل بعض الناس مثلا يكون عنده جدل، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولعل بعضكم ألحن بحجتي من بعض». فيكون عنده بيان، فيأتي بأشياء، وكذا، فيغتر بنفسه، كلما جادل إنسان خصمه فيغتر بنفسه. فتجد أحيانا يجادل لأجل أن يغلب، وليس لأجل إظهار الحق. فلهذا لما جاء ذلك الرجل إلى الإمام مالك رحمه الله، وقال له: أتجادلني؟ قال: فإن غلبتك؟ قال: أتبعك. قال: فإن غلبتني؟ قال: تتبعني. قال: فإن جاء آخر فغلبني؟ قال: أتبعك. قال: إذن نجعل ديننا عربة للتقلب وللتلون. وهذا كله بسبب الجدال، يعني: يقول الإنسان شاك في دينه. ولهذا قال له الإمام مالك: «اذهب إلى شاك مثلك، فإني على يقين من ديني، أنا على يقين من أمري، من عقيدتي، من ديني، فلا أماري فيه». وأما أنت فشاك، فاذهب إلى شاك مثلك. فلهذا كان السلف لا يجادلون إلا إذا اضطروا إلى الجدال، لا يجادلون إلا إذا اضطروا إلى الجدال، إذا اضطر أحدهم إلى الجدال، جادل لأجل إظهار الحق، كما فعل الإمام محمد رحمه الله في الفتنة، فهو ما كان يريد الجدال، لكن لما اضطر إليه، وكان الجهمية يأتون بشبههم، كان يرد عليهم رحمه الله. كذلك شيخ الإسلام رحمه الله صلب هؤلاء، وكان بعض الملوك معهم، وجاء في بعض مجالس الملوك، فكان شيخ الإسلام رحمه الله أظهر الحق فيها، وبيّن من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ما جاء في تلك المسائل. طيب هذا ما يذكر في هذا الباب إن شاء الله وتعالى، نكمل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.