الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 240، ألقاها
يبدأ المقطع بتوضيح معنى التعوذ من جهد البلاء وأهمية الالتجاء إلى الله للحماية من الابتلاءات الشديدة. يشير إلى أهمية إضافة الدعاء "إلا بلاء فيه علاء" لطلب الرفعة والدرجات في الآخرة.
يشرح المقطع أن البلاء إذا صبر عليه الإنسان كان سببا في رفع درجاته وتكفير سيئاته، والاستعاذة بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء، والشقاء يكون في الدنيا بالضلال والانحراف وفي الآخرة بدخول النار.
يشرح المقطع بعض الأمور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منها، مثل شقاء الآخرة وشماتة الأعداء وسوء القضاء، ويشير إلى أهمية الاستعاذة من هذه الأمور.
المقطع يتضمن دعاء الله للوقاية من البلاء والشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، ويختم بالصلاة على النبي محمد.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب من تعوذ من جهد البلاء. قال حدثنا عمر بن حفص، ومن غياث قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش وسليمان المهراني، قال: حدثني مجاهد، ومن جبر عن عبد الله بن عمر، وهو عبد الله بن عمر بن العاص، قال: يقول الرجل: اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ثم يسكت، فإذا قال ذلك فليقل: إلا بلاء فيه علاء. وهذا الأثر صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. قال حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي، عن سمي، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبي صالح، وذكوان السمان، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء، وسوء القضاء. والحديث في الصحيحين. فأبواب رحمه الله هذا الباب: باب من تعوذ من جهد البلاء، وذكر فيه أثر عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما، قال: يقول الرجل: اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ثم يسكت، فإذا قال ذلك فليقل: إلا بلاء فيه علاء. يعني أنه يستعيذ الإنسان بالله جل وعلا من جهد البلاء. اللهم إني أعوذ بك، أي ألتجئ بك وأعتصم بك من جهد البلاء، يعني من البلاء والابتلاء الذي فيه مشقة وفيه جهد قد لا يتحمله الإنسان ولا يطيقه. فإنك تستعيذ بالله جل وعلا من مثل حصول هذا الجهد في البلاء. اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، قال: فإذا قال كذلك فليقل: إلا بلاء فيه علاء، يعني إلا بلاء يتحمله الإنسان، يصبر عليه، ويكون له فيه علاء، يعني ارتفاع، يكون له رفعة برفع الدرجات وتكفير السيئات. لأن البلاء إذا صبر عليه الإنسان واحتسب كان سببا في رفع درجاته وفي تكفير سيئاته. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في السنن: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وأهله وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة». فهذا البلاء الذي يدرك الإنسان، وإن كان فيه شيء من المشقة، لكنها مشقة يطيقها الإنسان ويتحملها ويصبر عليها، ويكون له فيها ارتفاع وكذلك علو، فهذا مما يوجر عليه الإنسان إذا صبر واحتسب. وفي حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء، وسوء القضاء. جهد البلاء مر معنا الكلام عليه، أنه هو البلاء الشديد الذي فيه مشقة، وكذلك في تحمله صعوبة، ربما لا يتحمله الإنسان ولا يطيقه، فإنك تستعيذ بالله جل وعلا من مثل ذلك. قال: ودرك الشقاء، والشقاء أي الهلاك، أن يصيبك ويدركك ما فيه هلاكك، سواء كان في الدنيا أو في الآخرة، فإنك تستعيذ بالله جل وعلا من ذلك أن يدركك الشقاء. فالشقاء في الدنيا بالضلال والانحراف عن الصراط المستقيم والبعد عن الحق، فإن هذا من الشقاء، والإعراض عن ذكر الله جل وعلا، فكل ذلك من الشقاء. أو كذلك أيضا الشقاء في الدنيا بما يصيب الإنسان من ضيق العيش، وكذلك ظلمة الحياة، فهذا أيضا من الشقاء. وهكذا الشقاء في الآخرة بدخول النار وحرمان الجنة، وهذا أعظم شقاء يصيب الإنسان، كما قال الله جل وعلا في أهل النار: ﴿أما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾. هذا أعظم شقاء يصيب الإنسان أن يدخل النار، وكذلك لا يدخل الجنة، يكون مصيره إلى النار، عياذا بالله، هذا أعظم. ولو كان في الدنيا في حياته صعوبة ومشقة وقلة ذات يد، لكنه إذا كان على طاعة واستقامة فهو على خير، فهو على خير ونعمة. لكن أعظم الشقاء هو شقاء الآخرة بدخول النار وحرمان الجنة. قال: وشماتة الأعداء، كذلك كان يتعوذ عليه الصلاة والسلام من شماتة الأعداء، يعني أن يشمت الأعداء بأهل الإسلام وبأهل الحق بشيء مما يكون فيه علوهم عليهم وظهورهم عليهم، فيحصل لهم النكال، يحصل على أهل الإسلام النكال بسبب الأعداء، وكذلك يصيبهم ما ينكأ القلب ويبلغ من النفس مبلغا شديدا، فإن ذلك مما يستعاذ منه. فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من شماتة الأعداء. قال: وسوء القضاء، كذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من سوء القضاء، يعني القضاء العام فيما قضاه الله جل وعلا في المال أو في الأهل أو في النفس أو في الولد، أو كذلك في خاتمة الإنسان أو في معاده وآخرته. فإنك تستعيذ بالله جل وعلا من سوء القضاء، وتسأل من الله جل وعلا أن يحسن قضاءك وأن يحسن عاقبتك وأن يدخلك الجنة وينجيك من النار، ويعافيك في أهلك ومالك وولدك إلى آخر ذلك، مما كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام من سؤال العافية، كما مر معنا في الأبواب الماضية، فإن ذلك كله من سؤال حسن القضاء. وهنا كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من سوء القضاء، فهذه الأمور الأربع مما كان يستعيذ منها النبي صلى الله عليه وسلم، فيستحب الاستعاذة منها كما كان يتعوذ منها عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك جواز السجع إذا لم يكن فيه تكلف أو فيه اعتراض على الشرع، كما في هذا الحديث كان يتعوذ من جهد البلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء وسوء القضاء، فيدل على جواز ذلك إذا كان من غير تكلف، أو كذلك أيضا لم يكن فيه مخالفة للشرع. وأما إن كان يتكلف ذلك أو كذلك فيه مخالفة للشرع، فإن ذلك من السجع المذموم، ويتنزل عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن هذا من إخوان الكهان» بسبب سجعه الذي سجع. فنسأل الله جل وعلا أن يعيذنا من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والله تعالى أعلم.