الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  101

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 101

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 101، ألقاها

مفهوم الغيرة وحدودها في الإسلام

يتناول شرح حديث النبي حول عدم زواجه من نساء الأنصار بسبب غيرة الرجال الأنصار، ويوضح مفهوم الغيرة ومحدوديتها وفق الشريعة الإسلامية. يشرح أيضًا كيف أن الغيرة قد تكون محمودة أو مذمومة بناءً على سياقها.

الغيرة وأنواعها في الإسلام

الغيرة في الإسلام تنقسم إلى قسمين: غيرة محبوبة وغيرة مذمومة. الغيرة المحبوبة تكون في حالة ريبة أو شك في تصرفات الزوجة، بينما الغيرة المذمومة تكون بدون ريبة أو في أمور أباحها الشرع.

ضبط الغيرة عند النساء وأثرها

تحدث عن الغيرة عند النساء وأثرها على العلاقات، مستشهدًا بقصة سارة زوجة إبراهيم وأزواج النبي، موضحًا أن الغيرة لها حدود وإذا زادت تضر بالشخص، ودافع عن أهمية ضبط الغيرة في النفس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل الإمام الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام النسائي رحمه الله: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، وهو الإمام الحافظ إسحاق بن إبراهيم بن راهويه رحمه الله، قال: أنبأنا النضر -وهو ابن شميل البصري، وهو محدث ولغوي، كان من أهل اللغة- قال: حدثنا حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله -وهو ابن أبي طلحة- عن أنس رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله، ألا تتزوج من نساء الأنصار؟ قال: «إن فيهم لغيرة شديدة». قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. فهذا الحديث يخبر أنس رضي الله عنه عن السبب الذي جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتزوج من الأنصار، فقالوا: يا رسول الله، ألا تتزوج من نساء الأنصار؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إن فيهم لغيرة شديدة». فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه عاش في المدينة عشر سنين، لكنه لم يتزوج من الأنصار. وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم من نساء قريش تسع نساء من قريش، وتزوج أيضًا في بني المصطلق جويرية بنت الحارث، بل تزوج أيضًا عند اليهود صفية بنت حيي رضي الله عنها، وأيضًا كذلك تزوج من بعض القبائل العرب. وأما الأنصار فلم يتزوج منهم. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن فيهم لغيرة شديدة». وهذه الغيرة هي التي منعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتزوج منهم. والغيرة إذا زادت عن حدها تنقلب ضد الشخص. ولهذا فالغيرة المراد بها الحمية والأنفة، وقد تكون محمودة، وقد تكون مذمومة. وقد تكون الغيرة للشخص أو للشيء أو للمحبوب، وقد تكون على المحبوب، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم في «روضة المحبين» الذي ألفه في هذا الباب -أي في المحبة ولوازمها-. فالغيرة قد تكون للمحبوب. وهذه الغيرة التي تكون لله جل وعلا قد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عمر وجماعة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وإن غيرة الله جل وعلا أن تنتهك محارمه». فهنا ذكر أن الله عز وجل يغار، وأيضًا المؤمن يغار. المؤمن يغار إذا انتهكت حرمات الله؛ لأن الله عز وجل يغار. لذلك فالمؤمن كلما كملت عنده الغيرة في هذا الباب كلما كمل إيمانه؛ فهو يغار على محارم الله جل وعلا أن تنتهك المحارم، يجد هذا في قلبه. إن استطاع أن يغيره غيره. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال سعد بن عبادة -كما في الصحيحين- لما قال: «إني وجدت رجلًا مع امرأتي لأصفحنه بهذا السيف» -أي إذا قتلته-، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أتعجبون من غيرة سعد؟ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سأله سعد: الرجل يجد مع امرأته رجلًا آخر، قال: يأتي بأربعة شهداء وإلا حد في ظهره». فقال سعد: «أأتي بأربعة شهداء وإلا لأصفحنه بهذا السيف؛ فأنا سأقتله ولا أأتي بشهود». فقال عليه الصلاة والسلام: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فإني أغير منه، والله أغير مني». فهذه الغيرة إذا كانت تعارض شرع الله جل وعلا فهذه الغيرة غير صحيحة، وهي من الغيرة المذمومة. وأراد -كما هو صحيح في تفسير هذا الحديث- أراد أن يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سعد أن هذه الغيرة وإن كانت الغيرة صحيحة، لكن جعلها في هذا المكان معارضة لشرع الله هي غير صحيحة. فلو كانت هذه الغيرة صحيحة لشرعها الله جل وعلا، لشرعها الله سبحانه وتعالى وأجاز أن يقتل الرجل بذلك. لكن لم يجز الله عز وجل أن يقتل هذا الرجل أو أن يقتل هذا الرجل إذا وجد رجلًا آخر مع امرأته، وإنما شرع الله بعد ذلك أمرًا آخر وهو الملاعنة؛ أن يلاعن الرجل زوجته. وأما أنه يقتله فهذا لا يجوز، لا يجوز أن يقتله؛ لأن القتل أعظم. لكن إن كان ذلك مثلًا في معارضة وخصومة، مثلًا جاء رجل يريد أن ينتهك عرض زوجته فقاومه حتى قتله، فهذا جائز. فقاومه حتى قتله فهذا جائز. أما أنه معنى يجد رجلًا مع امرأته وهي راضية فيأتي فيقتله، فهذا الذي لا يجوز، بل عليه أن يلاعنها. هذا الذي شرعه الله عز وجل. وأيضًا كذلك الغيرة التي هي على الشخص أو على المحبوب تنقسم لقسمين: غيرة محبوبة وغيرة مذمومة. وقد جاء في ذلك أو في هذا التقسيم حديثان عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجهما أحمد. فحديث الأول حديث جابر بن عتيك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الغيرة ما يحبها الله، ومن الغيرة ما يكرهها الله». أما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة. وأما الغيرة التي يكرهها الله -وجاء في رواية: يبغضها الله- فالغيرة في غير ريبة، في غير ريبة. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث -جابر بن عتيك- إلا أنه جاء عن ابن له يقال له: عبد الرحمن، ويقال له: أبو جعثم. المهم أن هذا ابنه فيه جهالة. لكن قد جاء أيضًا من حديث عقبة بن عامر، جاء الحديث أيضًا من حديث عقبة بن عامر، وهو شاهد لهذا الحديث، فالحديث صحيح. ففيه أن الغيرة المحبوبة هي التي تكون في ريبة؛ يعني النساء يجد ريبة في الأمر، فتأتيه الغيرة، إما مثلًا هذه المرأة تكلم الرجال، هذه المرأة زوجته مثلًا تفعل أفعالًا خطأ تتبرج أو كذا، فإذا كان وجد شيئًا فهذه ريبة، أو هذه غيرة محمودة. أيضًا من أعظم ذلك أنه يخاف على عرض امرأته، هذه ضمن الغيرة الممدوحة والمحمودة. لكن لا تزيد هذه الغيرة حتى تكون سوء ظن، كما جاء عن علي رضي الله عنه: «لا تكثر الغيرة حتى تسيء الظن بأزواجك». أن أحيانًا كثرة الغيرة تخرج الشخص إلى سوء ظن بزوجته، فيأتي فيتابعها في بعض الأمور أو يترقبها وتجسس عليها، فهذا لا يجوز، وهذه غيرة تخرج عن الغيرة المحبوبة. لكن إن رأى ريبة فهذا هنا تكون الغيرة. وأما الغيرة على غير ريبة فهي يبغضها الله. والغيرة على غير ريبة معنى في الأشياء الشرعية التي قد أجازها الشرع، فهو يغار في مكان أجازه الشرع، فهذا من الغيرة التي يبغضها الله. ومثل لها بعض العلماء كالإمام الشوكاني وغيره: من يغار على نكاح مثلًا أن يتزوج رجل أمته على أمته -أبوه يموت فيتزوج رجل أمته فينكحها لذلك فيغار على ذلك- أو يغار على إخوته مثلًا -لا أخوات أقصد- لا يزوجهن لأجل الغيرة، فهذه غيرة مذمومة ويبغضها الله؛ لأنها ليست في محلها. فلهذا فالغيرة التي يحبها الله عز وجل التي تكون موافقة لشرع الله، ويكون فيها شيء واضح ليس سوء ظن أو وساوس. كثير من الأزواج يحصل لهم شيء من الوساوس في مثل هذه الأمور، لا يجعل الإنسان وساوسه تتبع نفسه حتى يشك في كل فعل تفعله المرأة. وهذا قطعًا لا ينبغي أن يزاد منه حتى يخرج عن حده، ولا ينبغي أيضًا كذلك أن يفرط فيه. فهذا الغيرة مثل الميزان ينبغي أن يضبطه الشخص خاصة -أقصد الغيرة على المحبوب- معناه على زوجته. فهذا الغيرة زوجة على زوجها. كذلك أيضًا ينبغي أن توزن المرأة هذه الغيرة. فإن كانت هذه الغيرة سديدة فغالبًا معناه يتعب الرجل هذا الأمر، فتجد المرأة تغار على كل شيء. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذا الحديث: «نفروا لغيرة شديدة» أن النساء الأنصار غرن. ولما قالت أم سلمة رضي الله عنها: «إني امرأة غيور» -وما جاء في الصحيح صحيح مسلم- قالت: «إني امرأة غيور»، فقال عليه الصلاة والسلام: «وأما غيرتك فأدعو الله عز وجل أن يذهبها». يريد ليس يذهب الغيرة كلها، وإنما يريد شدة الغيرة. معناه بعض النساء تغار مثل أن تكون لها ضرة، أن تكون لها امرأة أخرى، وهذه غالبًا ليست في محلها، هذه غيرة ليست في محلها؛ لأن هذا أمر قد شرعه الله. لكن قد تحصل المرأة لأن هذه أحيانًا تكون مثل الطبيعة في النساء. فالنساء -فالنساء- فلهذا كُنَّ نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعضهن يغرن أيضًا. عائشة رضي الله عنها كما جاء في الصحيحين قالت: «كنت أغار على التي يهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم». قالت: «كنت أغار على التي يهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم»، وأقول: «وهل تهب المرأة نفسها للرجل؟» معناها كانت تقول لهن: معناها كأنها تغريهن حتى لا -حتى يبتعدن عن هذا- أن تقول للنساء: «كيف المرأة تهب نفسها؟» قالت: «حتى أنزل الله عز وجل: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾» قالت: «فعلمت أن الله عز وجل يسارع في مرضاته عليه الصلاة والسلام»، أي أنها كفت عن ذلك ما دام أنه قد جاء من الله عز وجل هذا الأمر، فكفت عما كانت تقوله رضي الله عنها. وهذا هو الذي ينبغي على كل امرأة، فإن جاء شرع الله جل وعلا ينبغي أن تحجم غيرتها. فالغيرة لها حدود، إذا زادت فإنها تضر بالشخص. فكذلك الزوج على زوجته، وكذلك المرأة على زوجها. لكن أحيانًا تحصل ولو كان من امرأة كاملة أو امرأة لها شأن ولها فقه وعل يحصل منها أحيانًا غيرة بطبيعتها، مثل ما حصل لسارة زوجة إبراهيم نبي الله عليه الصلاة والسلام، فإنها غارت من هاجر أم إسماعيل حتى أخرجها نبي الله إبراهيم أن يخرج هاجر وابنها ووضعهما حيث أمره الله عز وجل في واد غير ذي زرع، وهو في مكة حرسها الله. فكذلك أيضًا حصل لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك، مثل ما جاء في الصحيحين لما جاء خادم لامرأة من نسائه بصحفة فيها طعام، فغضبت عائشة رضي الله عنها وكسرت الصحفة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «قد غارت أمكم». ثم قال: «طعام بطعام، صحفة بصحفة». يعني هذه الصحفة المكسورة خلاص تجلس هنا، والصحفة التي ليست مكسورة تذهب إلى تلك المرأة؛ لأنها كسرت. فقلنا أن هذا الغير تحصل، تحصل هذه الغيرة. وقصص الغيرة في السنة النبوية كثيرة، خاصة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هذا بطبيعة المرأة. لكن إذا زادت هذه الغيرة -كما قلنا- تضر بالشخص. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم -كما قلنا في هذا الحديث- لم يتزوج في الأنصار لأجل هذه الغيرة الشديدة؛ لأنها قد قد تطلق المرأة بسبب هذا بسبب غيرتها الشديدة. فلهذا ينبغي للرجل أن يعدل ويزن في غيرته، كذلك المرأة تزن في غيرتها. فإن هذه الغيرة -كما قلنا- مثل الوعاء، إن زاد على حده معنى خرج من هذا الوعاء، وإن عدمت أو قلت قل ما يكون في هذا الوعاء. فلهذا لا ينبغي للشخص أنه يفرط كذلك بالغيرة. الآن نعاني في هذه المجتمعات الآن قلة الغيرة، قلت غيرة المسلم سواء كان في الله عز وجل أو كانت في مسألة الأزواج؛ بسبب قلة الحياء وبسبب أيضًا اتباع الغربيين وكذا، قلَّت الغيرة حتى أنه انتشر في الناس الدياثة، انتشرت في بعض الناس الدياثة وهو قلة الغيرة وعدمها، مثل ما يكون عند اليهود وكذلك الكفار، فتجد ما عندهم غيرة في أزواجهم ولا في نسائهم، وتقل الغيرة فيهم حتى أنها تنعدم، يصيرون مثل البهائم أو أضل من ذلك. فلهذا فهذه الغيرة مهمة جدًا أن الإنسان يضبطها في نفسه. وهذا وإن كان هي من أصعب الأمور، لكن الإنسان يجاهد نفسه فلا يجعل الغيرة ترديه إلى أشياء تخالف الشرع، ولا أيضًا يفرط في ذلك حتى يضيع أهله. كثير من الناس الآن ذهب خلف القات وخلف كذا ويضيع أهله، ما يدري أهله أي شيء يفعلون، ما عنده يرى مثلًا بعض الحركات وبعض الأفعال من زوجته أو من أخواته أو من كذا وهو لا يغار بذلك ولا يبالي بمثل هذه الأمور. وهذا كله بسبب قلة الغيرة في الناس. وأيضًا كذلك النساء قلَّ الحياء عند كثير منهن حتى تجد أنها تتبرج أو تكلم الرجال ولا تبالي، وغيرها من هذه الأمور التي لا ينبغي أن تفعلها النساء. فالمهم أن مثل هذه الأمور ينبغي أن تضبط. والكلام في هذا كثير، لكن معنا وجه هذا الحديث -كما قلنا- أردنا أن نفسر وجه هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك الزواج من الأنصار لأجل الغيرة الشديدة عند النساء الأنصار. وهل هذا ثناء أو ذم؟ فهو ثناء، لكنه لشدة فيها تكون ذم. معنى الغيرة صحيح هي مما يمدح فيه الإنسان، لكن شدتها وزيادتها هذه تكون فيها الذم. نسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والإعانة. والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على