التعليق على العقيدة الطحاوية 72

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 72، ألقاها

مفهوم أصل الإيمان وتساوي الناس فيه

المحور يتناول شرح مفهوم أصل الإيمان عند الإمام الطحاوي وتفسير قول 'وأهله في أصله سواء'، حيث يختلف العلماء في تعريف أصل الإيمان. الحنفية يرون أن أعمال القلوب هي الأصل وأن الناس يتساوون فيها.

تفاوت الناس في الإيمان والتقوى

الناس متفاوتون في التصديق والإيمان والتقوى، حيث تتفاضل الولاية لله حسب درجة التقوى واتباع القرآن، مما يجعل الأتقى والأتبع للقرآن هم أكرم الناس عند الله.

أثر التقوى على الإيمان وتفاوت المسلمين

التقوى تؤثر على الإيمان وتزيد منه وتثمره، وهذا يدل على أن الإيمان يختلف من شخص لآخر بناءً على درجة تقواه، وأن الأنبياء هم أكرم الناس عند الله لخشيتهم لله واتباعهم للقرآن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى: "والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء". وتكلمنا عن قول المؤلف "الإيمان واحد"، وذكرنا أن هذه العبارة ليست صحيحة؛ فليس الإيمان واحدًا، بل الأدلة دلت على أن الإيمان يتفاضل وأنه يزيد وينقص، فلهذا الإيمان يتفاضل بين أهل الإيمان. قالوا: قوله "وأهله في أصله سواء" والتفاضل بينهم بالخشية والتقوى ومخالفة الهوى وملازمة الطاعة. فقوله هنا "وأهله في أصله سواء" ما المقصود بأصل الإيمان حتى يكون أهله سواء؟ فإن كان قصده الإيمان الواجب الذي يكون فيه أعمال القلوب، كما يعتقد الحنفية أن أعمال القلوب التي هي أصل الإيمان الناس بها سواء، مثل الرضا، ومثل الخوف، ومثل الرجاء. لكن تجد أن الأدلة لا تسعفهم في ذلك، بل الناس يختلفون في مثل هذه الأشياء أيضًا. فإن كان أراده أصل الإيمان، هذه الأشياء وهي أعمال أو قول القلوب، وليس عمل الجوارح، فإن قول القلوب مثل الإخلاص والتصديق، وكذلك أيضًا الإيمان، أقول: أن أقصد به التصديق وغيره من هذه المعاني التي تكون هي قول القلوب. وأما عمل القلوب فهي مثل المحبة والخوف والرضا والرجاء وغيرها. فهم يرون أن هذه الأشياء أصل، الناس في أصلها سواء، إلا أن قصد في أن قول القلوب الناس في أصل سواء، وأما عمل القلوب فهم يختلفون فيه. وهذا التفريق يرجع إلى تأويل، بل الأدلة تبين أنه كله أو كل أعمال القلوب الناس يختلفون فيها، حتى الإخلاص، حتى الإخلاص الناس يختلفون فيه. فهذه الكلمة فيها شيء، و"أهله في أصل سواء" قالوا: التفاضل بينهم بالخشية والتقوى ومخالفة الهوى وملازمة الطاعة أيضًا، هذه الأشياء. صحيح أن الناس يختلفون فيها ويتفاضلون، لكن ليس هذه فقط، ليس فقط الخشية والتقوى ومخالفة الهوى وملازمة الطاعة، بل حتى يختلفون في الإيمان نفسه، يختلفون أيضًا كذلك في الصدق والتصديق. ليس الناس تصديقهم واحدًا، بل يختلفون، حتى في تصديقهم، وهذا واقع وواضح بين الناس. فمن الناس من عنده تصديق قوي، يصدق كل ما جاء به الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن الناس من تجد تصديقه فيه شك، ومن الناس من تصديقه قليل جدًا وشكه أكثر، وهم أهل النفاق. فلهذا تبين لنا أن أتباع السنة يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم ويسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما جاء به من شريعة الله جل وعلا، ولا ولا يستكبرون في شيء. قال: "والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أتقاهم وأتبعهم للقرآن". المؤمنون كلهم أولياء الرحمن؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾، فالولاية بقدر الإيمان والخشية والتقوى، كلما كان العبد متقيا لله جل وعلا كان أكثر ولاية لله سبحانه. وإلا المؤمنون كلهم أولياء الرحمن، لكن الولاية أيضًا تتفاضل، ليست ولاية كلهم سواء. فالآن قال الله عز وجل: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾، فما دام أن التقوى تختلف من شخص إلى آخر ومن قلب إلى آخر، فلا شك أن الولاية تختلف. فلهذا فأولياء الله عز وجل الذين حققوا هذه الولاية هم أهل التقوى الذين يلازمون تقوى الله جل وعلا. قالوا: "أكرمهم عند الله أتقاهم وأتبعهم للقرآن"، أقوى أي أتقى؛ لأن التقوى تجمع معنى الطاعة، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. وسئل كما جاء في صحيح مسلم: أي الناس أكرم عند الله؟ أي الناس أكرم عند الله؟ فكلما كان العبد تقيا كان أقرب إلى الله، وكانت ولايته أعظم من غيره. فالناس متفاوتون في التقوى، بين أولياء الله عز وجل ورفعتهم عند الله سبحانه. فقد يكون الولي ليس إلا رجل ضعيف، ورجل آخر خطير في هذه الحياة، لكن عنده التقوى، فهذا أكرم عند الله عز وجل من رجل قد يكون له وجاهة في الدنيا ويقبله الناس، وكذلك كلمات مصنوعة، لكنه عند الله عز وجل ليس بذي قيمة. وهذا قد جاء في حديث سهل بن سعد الذي جاء في الصحيحين، وقال مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا الذي هو غريق في رحمة الله، فعنده من وجه الناس دخل المسجد، فقال: ما تؤدون هذا الرجل فيكم؟ قالوا: هذا حري إن تكلم يسمع له، وإن شفع يشفع، وإن خطب يخطب". قال: "هذا حري أن يكون كذلك". ثم إنه دخل رجل من فقراء المسلمين وفقراء المهاجرين، فقال: ماذا تؤدون هذا فيكم؟ قالوا: هذا حري إن تكلم لا يسمع له، وإن خطب لا يخطب، وإن شفع لا يشفع، إذا كان موضعًا لا تقبل شفاعته. فقال عليه الصلاة والسلام: "إن هذا لا مثله ملء الأرض من مثل الأول عند الله عز وجل، نفعه عند الله من مثله ملء الأرض مثل ذلك". فهذا الضعيف المسكين الفقير الذي لا عنده جاه، لكنه عنده تقوى الله وعنده خوف من الله، فهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم خير من ملء الأرض من مثل ذلك. فلهذا فالتفاوت بين المسلمين وبين أهل الإيمان أيضًا ينبغي أن ينظر فيه إلى الإيمان، وينظر كذلك إلى التقوى وغيرها. وأكرمهم عند الله يقع كلما كان الرجل متقيا كان أكرم عند الله جل وعلا. ولهذا أكرم الناس الأنبياء، هم أكثر الناس عند الله سبحانه وتعالى، كما قال نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام: "أنا أكثر الناس خشية لله وأعلمهم بالحلال والحرام". فلهذا الأنبياء أكثر الناس بجامعة الإسلامية. ومن ادعى أن هناك من هو أكثر منهم خشية لله فهو قد كذب وأتى بشيء لم يثبت عن السلف. فالبعض من أهل العلم صرح بكفر الذين من طائفة التصوف، وغلاة التصوف يقولون: أن الولاية خير من النبوة، وأن وليًا واحدًا خير من جميع الأنبياء. وهذا مخالف لقول الله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، فالأنبياء خير الناس وأكرم الناس عند الله. وبعد الأنبياء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس كذلك، أي أنتم أعلى الأمة، وهكذا. فلهذا فقوله: "وأكرمهم عند الله أتقاهم وأتبعهم للقرآن" على الجادة الصحيحة، وهو فيه رد أيضًا على من خالف ذلك. فإذا قلنا: إن أكرم الناس هو أتقاهم عند الله، فمعنى ذلك أن التقوى تختلف، ومعنى أن التقوى تختلف فمعنى ذلك أن الإيمان أيضًا يختلف؛ لأن التقوى هي التي تزيد الإيمان وتثمره، فهذا ما يقتضيه هذا المقام. والله تعالى أعلم.

شاركنا على