الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 56، ألقاها
يتناول المقطع مسألة تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض وأولو العزم من الرسل، حيث اختلف العلماء في تحديد أولي العزم. كما نهى النبي عن تفضيله على الأنبياء الآخرين.
نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التفضيل بين الأنبياء إذا كان يسبب فرقة أو تنقصًا لأحد منهم، ويجب احترام وتقدير جميع الأنبياء.
يشرح المقطع تحريم تفضيل أو تنقيص الأنبياء وتكذيب أحدهم، ويؤكد على أهمية الإيمان بجميع الأنبياء دون تفريق بينهم كما جاء في القرآن.
تشير الآية إلى أهمية الإيمان بجميع الأنبياء، سواء تم ذكرهم بأسمائهم أو لم يتم ذلك، ويشكل هذا جزءًا من أسس إيمان الأمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا الدرس الذي مضى بعض مسائل التي تكون في الاعتقاد في النبيين عليهم الصلاة والسلام. وأيضًا من هذه المسائل التي ينبغي أن يعتقدها أو ما تذكر في مسألة النبوات تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض. الله عز وجل يقول: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾، فهذه الآية وضحت الاتجاه في تفضيل الأنبياء. فهل السنة يعتقدون أن الأنبياء بينهم تفاضل كما صرح بذلك القرآن؟ وكذلك فضل الله عز وجل الأنبياء بعضهم على بعض، ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾. وذهب كثير من أهل العلم أن أفضل الرسل هم أولو العزم. أفضل الرسل هم أولو العزم من الرسل، وهذا على خلاف بين أهل العلم: هل أولو العزم جماعة من الرسل أم أن أولي العزم كل الرسل؟ كل رسول يعتبر من أولي العزم. فبعضهم قال: إن أولي العزم هم رسل مخصوصون. أولي العزم الذين أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أمر الله عز وجل نبينا أن يقتدي بهم، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. فهنا قال: «من الرسل» دل على أن منهم أولي العزم ومنهم من ليس كذلك. وهؤلاء أولي العزم الذين صبروا صبرًا كثيرًا فاجعلهم الله عز وجل من أولي العزم. ولهذا قال الله عز وجل في أبينا آدم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. وهذه الآية استدل بها أن أولي العزم رسل مخصوصون. وذهب كثير من العلم، منهم شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، أن أولي العزم هم الخمسة الذين ذكروا في آية الشورى وآية الأحزاب، من قول عز وجل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. فهؤلاء خمسة ذكرهم الله عز وجل: نوح ونبينا عليه الصلاة والسلام، وكذلك إبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام. فهؤلاء خمسة ذكرهم في آية الشورى وأيضًا في الأحزاب، فلهذا قالوا: إن الخمسة أولاهم أولو العزم، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في تعيين هذا. لكن ليس هناك دليل صريح يدل على أن أولاهم أولو العزم فقط الذين قصدهم الله عز وجل في الآية: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، لأنه لم يأتِ آية صريحة تدل على ذلك. والمسألة الثانية التي في التفضيل، معناها الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عنه في الصحيحين حديث أبي هريرة وغيره، أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا تفضلوني على الأنبياء». وجاء أيضًا في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقول أحدكم: أنا خير من يونس بن متى». فهنا قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تفضلوني على الأنبياء»، فهل معنى ذلك أنه نهي أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين؟ فقال العلماء: لا، لأن الله عز وجل قد ذكر التفضيل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فهذه الآية فيها التفضيل. فنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التفضيل ليس المراد التفضيل العام، وإنما أراد تفضيلًا خاصًا في شيء من الأمور التي لا ينبغي أن يفضل فيها بين الأنبياء، والتي تسبب الفرقة بين أهل الإسلام. أو بين أهل الإيمان، أو أقصد بين ما ينتسبون إلى الأنبياء. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا القول لما اختصم إليه يهودي ومسلم، أنه ضرب أو لطم لما قال: «والذي فضل موسى على البشر»، فلطمه وقال: «وعلى محمد»، فاستكى اليهودي عند النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على الأنبياء». إذا كان التفضيل من هذا الجانب، وهو أن نبينا خير من نبيكم، وكذا، فهذا التفضيل من ناحية العصبية، فهذا الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه. فلا بد أن يحفظ كل ما قام به نبي، ما دام أنه نبي، لا بد أن يحفظ مقامه، وتحفظ كرامته، ويحفظ أيضًا جلالته، فلا يمس بشيء من التنقص عما يكون فيه تنقص على الأنبياء. فهذا باب خطير، فلهذا لا يكون التفضيل من هذا الباب الذي يكون فيه شيء من التنقص على النبي الآخر. مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقول أحدكم: أنا خير من يونس بن متى». هنا قوله: «أنا»، هل المقصود به النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، أو المقصود به الشخص نفسه؟ فهو خلاف بين العلماء. لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقول أحدكم: أنا»، هل يقصد نبيه صلى الله عليه وسلم نفسه، أو يقصد به المتكلم الذي قال أو الذي يقول: «أنا خير من يونس بن متى»؟ فكل الأمرين وارد. أنه أراد نفسه عليه الصلاة والسلام، أي: لا تفضلوني على يونس بن متى لأنه نبي أرسله الله عز وجل. أو يراد أنه لا يقول أحدكم: «أنا خير من يونس بن متى»، لأجل أن الله عز وجل عاتبه، فيظن الشخص إذا عبد الله وكذا يقول: «أنا خير من يونس»، أو إذا دعا الناس فتغره نفسه فيقول: «أنا خير من يونس بن متى»، فهذا باطل. فيونس رسول ونبي، وقد أجمع العلماء وأجمعت الأمة على أن الأنبياء هم خير الناس. وإنما عاتب الله عز وجل نبي الله يونس لما خرج وترك قومه، فقال: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فهذا ابتلاء ابتلى الله عز وجل به هذا النبي الصالح عليه الصلاة والسلام. فلهذا لا يقول أحد: «أنا خير من يونس بن متى»، بل هو رسول. وقد يكون كما قلنا أراد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، أي: لا تفضلوني على يونس بن متى لأنه عاتبه الله، لا ليس لا ينبغي أن يقال هذا للأنبياء. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»، «نحن أحق بالشك من إبراهيم»، ولو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي. وهذا تواضعه عليه الصلاة والسلام. وحتى يبين أنه لا ينبغي أن الإنسان يذكر عيوب الأنبياء، يذكر عيوب الأنبياء التي مثلًا عاتبهم الله عز وجل عليها فيلمزهم بها لا. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»، لو كان إبراهيم مثلًا على سبيل المتعة وعلى سبيل الجدل أنه شك، فنحن أحق بالشك منه، لأنه إمام موحدين وإمام الذين كسروا الأصنام. وكذلك أيضًا قال: «ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي»، أراد أن يبين صبر يوسف عليه السلام، أراد أن يبين صبره وأنه صبر لله، ابتلي بالسجن فصبر واحتسب أجره عند الله، فرفعه الله سبحانه وتعالى. فقال: «ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي». فهذه المسألة من المسائل المهمة. وقد ألف بعض المعاصرين كتابًا في هذه المسألة في مسألة التفضيل بين الأنبياء. وخلاصة مذهب السنة أنه لا يفضل بين الأنبياء من ناحية العصبية، أو من ناحية يكون فيها عيب أو تنقص بعض الأنبياء، أو أيضًا من ناحية إظهار عيوب الأنبياء. هذا الذي ثبت. فكيف الذي لم يثبت؟ أن بعض الكتاب الآن وبعض الذين يقرؤون في كتب الشيعة ويأخذوا منها، على سبيل المثال مثل سيد قطب، يأخذ من كتب بعض الشيعة فيذكر عيوب الأنبياء التي لم يذكرها الله، يعني يذكر أشياء يعيبهم بها. مثل ما قال في نبي الله موسى: «الرجل الطائش»، عن طائش في تصرفاته، هكذا يقول على نبي الله موسى. وهذا ظلم وأيضًا عظيم قد يؤدي كما قال بعض العلماء إلى الردة والعياذ بالله، لأنه طعن في نبي الله الذي أرسله الله عز وجل واستعمله في رسالته. فهذا يقول: إنه طائش، فهذا خطر عظيم. فلهذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يمنع هذا الباب، هو الكلام في الأنبياء أو التنقص لهم أو أن يعيبهم أحد بما حصل منهم. فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال ما قال في إبراهيم ويوسف وغيرهم. وقال أيضًا: «لا تفضلوني على الأنبياء». وقال أيضًا: «لا يقول أحدكم: أنا خير من يونس بن متى». وأيضًا كذلك من هذه المسائل -إن شاء الله- تكون مسألة أخيرة من المسائل في الاعتقاد في الأنبياء، مسألة تكذيب من كذب نبيًا من الأنبياء فقد كذب الأنبياء جميعًا. هذه القاعدة ذكرها الحافظ ابن كثير في عدة مواضع في تفسيره، وذكر أيضًا شيخ الإسلام قبله، وكذلك ابن القيم وغيرهم من الأئمة. فمن كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل، كما قال الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾. وأيضًا كذلك قال في عاد وفي هود: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾، يذكرهم بالجمع. ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهم إنما كذبوا نبيًا واحدًا وهو هود نبيهم، لكن تكذيبهم لنبي واحد يدل على تكذيبهم لجميع الأنبياء. ولهذا كانت من عقائد هذه الأمة العقائد العظيمة التي أمر الله عز وجل بها هذه الأمة هو الإيمان بالأنبياء، وهو من أسس هذا الدين. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، هنا قول: «لا نفرق بين أحد من رسله»، أي: لا نؤمن برسول ونكذب رسولًا آخر، بل لا نفرق بين أحد من رسله في الإيمان بهم، بل نؤمن بهم كلهم. ولهذا فهذه الآية العظيمة تبين أن من أسس إيمان هذه الأمة الإيمان بالأنبياء كلهم، ممن ذكرهم الله عز وجل بأسمائهم في القرآن، أو ذكرهم نبي الله عليه الصلاة والسلام، أو ممن لم يذكروا بأسمائهم، فكلهم نؤمن بهم كما أخبر الله عز وجل عنهم. فهذا ما يذكر في مسائل الأنبياء وعقيدة أهل السنة فيهم. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.