شرح أعلام السنة المنشورة  167

شرح أعلام السنة المنشورة 167

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 167، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التوبة النصوح وأهميتها في تكفير الذنوب

التوبة النصوح تكفر جميع الذنوب، وقد أمر الله تعالى بالتوبة إليه ووعدهم بتكفير السيئات ودخول الجنة. التوبة تجعل الله يبدل سيئات التائب إلى حسنات.

تبديل السيئات إلى حسنات وتفسيره

الله يبدل سيئات التائبين إلى حسنات، وهناك اختلاف في تفسير هذه المسألة بين العلماء حول معنى التبديل وتأثيره على سلوك التائبين. يرى البعض أن التبديل يعني تغيير الأحوال والسلوك.

فضل التوبة وأثرها في مغفرة الذنوب والإصرار عليها

التوبة تجب ما قبلها وتكفر الذنوب، والله يفرح بتوبة عبده. الإصرار على الذنب ليس من فعل الصالحين، والتوبة تنفع لكبائر الذنوب ولصغائرها.

ختام الدرس والدعاء والتأكيد على شروط التوبة

يختتم الشيخ الدرس بالتأكيد على أهمية التوبة النصوح ويعد بمتابعة شروطها في الدرس القادم. يدعو الله أن ينفعهم بما تعلموا ويجعلهم من أهل الهداية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: بماذا تكفر جميع الصغائر والكبائر؟ بعدما ذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بصغائر ذنوب، ثم عرج كما مر معنا في درس أمس ما يتعلق بالكبائر والضابط التي تضبط به الكبيرة، ومثل رحمه الله تعالى بعدة أمثلة، ناسب بعد هذا كله أن يأتي لنا بالفعل أو السلوك الذي به تكفر يا عبد الله عما مضى من صغائرك وكبائرك. فقال رحمه الله تعالى: بماذا تكفر جميع الصغائر والكبائر؟ قال رحمه الله تعالى: تكفر جميعها بالتوبة النصوح. والتوبة النصوح سيأتي معنى، وقد تنوعت عبارات السلف بمعرفة ما هي التوبة النصوح، ما تعريفها؟ وسيأتي معنى في سؤال خاص، كما سيذكر ذلك المؤلف رحمه الله تعالى في السؤال الذي بعد هذا. وأكثر العلماء على أن التوبة النصوح هي التوبة الخالصة الصادقة، ولها شروط وسيأتي في حينه. قال رحمه الله تعالى: تكفر جميعها بالتوبة النصوح، إذن من تاب من فعل صغيرة أو من تاب من فعل كبيرة فإنها كفيلة بأن تغفر عنه، وأن يزيلها الله سبحانه وتعالى عنه. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلُكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. قال: «وعسى من الله مُحَقَّقَةٌ». في هذه الآية أمر ربنا جل وعلا من جميع العباد بلا استثناء، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا﴾، وفي ذلك إشارة إخواني في الله أن العبد المسلم بل المؤمن مهما علت درجته في الإيمان وبلغ في الإيمان مبلغا عظيما، فهو عرضة للخطأ والزلل. فما هناك أحد معصوم، فمنا من يقع في هفوة، ومنا من يقع في زلة، ومنا من يقع في موبقة، ومنا من يقع في كبيرة، فالناس دواليك شتى. ولهذا أمر الله جميع خلقه بأن يقبل عليه بالتوبة، والتوبة بمعنى الرجوع. قال: «توبوا إلى الله توبةً نصوحاً»، عسى ربكم... عسى هنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال «وعسى من الله مُحَقِّقَةٌ». وبعضهم يعبر فيقول: «عسى من الله واجبة»، ومنهم من يقول: «عسى من الله نافذة». ما معنى هذه العبارات؟ «عسى نافذة»، «عسى واجبة»؟ يقول علماء: ومنهم من عمَّم هذه القاعدة، والتي مفادها أن «عسى» إذا ذُكِرت في القرآن تأتي بمعنى التحقيق، بخلاف ما نحن درجنا عليه. يقول فلان: «عسى أن آتي»، عسى يمكن على زاوية الاحتمالية، عسى أن يأتي فلان. لكن في حق الله جل وعلا يقول علماء: «عسى من الله واجبة»، أو يقولون: «عسى من الله مُحَقَّقَةٌ»، أو «عسى من الله نافذة». قالوا: لأن الله سبحانه وتعالى إذا أطمع عبدا من عباده فإنه يوصله إليه جل في علاه. وهذا الكريم جل في علاه سبحانه وتعالى إذا أطمع عبده بشيء عسى، فإن الله يوصله لهذا الشيء، وهذا من آلاء أسماء الله وصفاته. قال علامة بن كثير رحمه الله تعالى: «وعسى من الله موجبة»، فإن هذا واقع بفضله ومنته لا محالة. فكلما رأيت آية فيها أن الله سبحانه وتعالى ذكر فيها «عسى»، اعلم أنها محققة نافذة لا محالة. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. الآية الأولى فيها فضيلة التائب أن الله عز وجل يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، هذا من تاب. وفي الآية الثانية كذلك فضيلة للتائب، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. لكن كذلك مما يعطي لهذه الآية النظر والأهمية أن ننظر في الآية التي قبلها، والسياق الذي قبلها في هذه الآية. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. جاءت هذه الآية: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾، وتظهر أهمية هذا السياق، يا عبد الله، أن تنظر إلى هذه الأوزار التي تحملها العبد أو تحملها العباد: إشراك بالله، زنا، قتل النفس... أنظر لهذه العظائم، ومع ذلك فإن الله جل وعلا يتركها ويغفرها لأصحابها متى ما تابوا. قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾، فمن وقع في الشرك الأكبر الأعظم وهو أعظم الظلم، فمن تاب تاب الله عليه. ومن وقع في الفواحش فتاب وأناب تاب الله عليه. ومن افترى ومن ظلم ومن قتل ومن سفك فمتى ما تاب تاب الله عليه. وهذا من سعة رحمة الله، من سعة رحمة الله. كان من كان قبلنا من بني إسرائيل إذا أراد أحدهم أن يتوب ما كانت توبته إلا بقتل نفسه: «فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم»، فتاب عليكم بالقتل. تأمل يا عبد الله أين الفرق؟ أين الفرق في هذه الملة وفي هذه الأمة المحمدية؟ أولئك إذا تاب يقتل نفسه، وأما هذه الأمة ما أمرنا بقتل أنفسنا، وإنما أمرك بالرجوع إليه سبحانه وتعالى، تعترف بذنبك وما اقترفته يدك، ثم تتوب إلى الله سبحانه وتعالى. فقال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾، تاب بمعنى أقلع، وسيأتي معنى شروط التوبة. قال: «وآمن»، أي الإيمان الذي به يكون ترك لمعاصي والمسارع إلى الطاعات، هذا الإيمان الحقيقي العميق، ليس دعوى يدعيها أحدنا، وإنما الإيمان إخواني في الله له أثره في حياة الفرد. قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾، تعمل صالحا. عجبا من بعض الناس إخواني في الله لربما لما كانوا في وقت ضلالهم وبعدهم عن ربهم لربما ما يألون جهدا في اغتنام أوقاتهم وأموالهم في الفساد، وإذا تاب الله عليه بالتوبة النصوح تجده يتقاعس عن الأعمال الصالحة. أما يا عبد الله كما كانت أوقاتك وأموالك بذلت هنا وبذرتها هنا في الصد عن سبيل الله وفي اتباع الشيطان والملذات والشهوات، فإذا من الله عليك بتوبة احرص يا عبد الله على الأعمال الصالحة أكثر من النوافل ومن الطاعات ومن القربات، حتى تكون هذه الأفعال الصالحة تغطي عما فعلت من مساوئ. لأن الأعمال هناك يوم القيامة ستوزن الحسنات والسيئات. ولهذا فإن التائب حريص لمن تاب إلى الله عليه أن يكثر من الأعمال الصالحة. قال: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، مسألة التبديل: تبديل السيئة إلى الحسن، هذه مسألة اختلف فيها العلماء. كيف صورتها؟ كيف تكون؟ من أهل العلم من يرى أن التبديل هنا أن الله عز وجل يبدل أقوالك وأفعالك وأحوالك التي بها عملت السيئات إلى أقوال وأفعال وأحوال ستعمل بها الحسنات، أي أن الله يغير حالك من حال إلى أحسن حال إذا تبت. يبدل الله سيئاتهم حسنات، أي ما كان من أعمالك، ما كان من أفعالك، ما كان من اعتقاداتك، كنت مشركا فبالتوبة أصبحت موحدا، كنت عاصيا فبالتوبة أصبحت طائعا، كنت بلا خلق ولا أدب فبالتوبة أصبحت على أخلاق عالية رفيعة سديدة. هكذا قال جماعة من أهل العلم: إلى أن التبديل هنا تبديل الأقوال والأفعال والأحوال والحياة التي كنت تعيش في تلك الأيام، سيغيرها الله إلى أحسن حال، إلى حال تستطيع أن تغتنم من ورائها الحسنات والطاعات والعبادات. هذا قول. القول الثاني: قول من يقول أن التبديل ليس متعلقا بالأحوال، بل تبديل السيئة بنفسها، السيئة التي كتبت عليك، السيئة فإنها تنقلب حسنة. وهذا من عظيم فضل الله. وهذه بساطة نعم، تم نزاع فيها من أهل العلم لا يرى ذلك، لا يرى أن السيئة تنقلب إلى حسنة، ولهم في ذلك مساءل طويلة لسنا في مقام بذكرها وصددها. لكن هذا قول قال به جماعة من العلماء، وهذا كذلك يؤيده النص، يؤيده النص، وذلك ما جاء من حديث أبي ذر، والحديث أصله في مسلم: أن يؤتى برجل يوم القيامة، فتعرض عليه أعماله، وإن الله جل وعلا يأمر الملائكة بأن يخفيها على عبده، هذا ما فعل من كبائر تخفى عنه الكبائر، وإنما تعرض عليه الصغائر. ثم يذكر يحاسبه ربه: أتذكر يوم كذا وكذا فعلت كذا وكذا؟ أتذكر؟ أتذكر؟ وهذا العبد لا ينكر شيئا، ما ينكر شيئا، مقر بأعماله، وهو مشفق على ماذا؟ مشفق مما هو أعظم من هذا الآن، هذه الصغائر تعرض عليه، وهو الآن يقر بهذا، وهو مشفق على ما سيأتي من ما هو أعظم من الصغائر: الكبائر، الذنوب الذي فعلها. فبينما هو ربنا يحاسب عبده، فيقول الله جل وعلا: إني أبدلت ما كان كل سيئة حسنة. انظر لهذا الفضل، هذا في حق التائب، يبدل الله سيئات حسنات. حتى قال نبيه: وإن هذا الرجل لما يرى هذا التبديل، السيئات تكون حسنات، يقول: يا رب إني قد عملت سيئات ما أراها. لماذا يرد سيئات هنا؟ لأنه يعرف إذا في سيئة ستحول حسنة. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، انظر لهذا العبد كان يخاف من السيئات، لكن لما أرى أن نتيجة السيئة السيئة تبدل إلى حسنة، قال: يا رب هناك سيئة ما أراها، لا أراها ها هنا. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، انظر لطمع العبد من ربه عندما يرى أن السيئات تبدل إلى حسنات. فهذا قول من يقول بأن السيئة هي بنفسها تبدل. ولهذا إخواني في الله هذا فضل عظيم من الله جل وعلا ما يناله إلا أهل التوبة. قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. وهذه الآية كذلك تتَسَكَّمُ عَنْ التَّوْبَةِ، فقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، اختلفت عبارات المفسرين في معرفة ما هو الذي فاحشة؟ وما الذي كان من ظلم النفس؟ على الأقوال. لكن يهمنا أن نأتي بما أراد المؤلف رحمه الله تعالى. فالمؤلف عنون على هذه المسألة بقوله: «بماذا تكفر جميع الصغائر والكبائر؟». ولهذا نقل كما ذكر ذلك البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره: على أن من أقوال المفسرين: والذين إذا فعلوا فاحشة، قال: الكبائر. أو ظلموا أنفسهم، قال: الصغائر. هذا على قول جماعة من المفسرين، وهي تصب على ما أراد المؤلف من أن التوبة تنفع لكبائر الذنوب ولصغائرها. فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، تذكروا ما هم عليه مما ذا من التفريط في جنب الله سبحانه وتعالى، فاستغفروا لذنوبهم. ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فلا أحد يغفر الذنب إلا الله، هل هناك أحد ينازع الرب في هذا؟ لا أحد. وما نسمعه من بعض الجهلة ممن قل دينه وطمست عقيدته وساء ظنه بربه: أن أخطأ يعتقد أن فلانا من الناس بإمكانه أن يغفر الذنب، هل هذا موجود؟ نعم، هذا قد وجد والعياذ بالله. وسؤال: يا عبد الله من يلجأ إلى العتبات وإلى الأضرحة، ومن يترنم بينها، وتجد من يصرح بملء الفم: يا فلان اغفر لي، يا فلان اغفر لي، جئناكم فلا تردون خائبين، ولا عن جنابكم نادمين، يفتخرون بهذا. وأن من أتى إلى القبر الفلاني أو الضريح الفلاني غفر الذنوب، أعوذ بالله. ولا يغفر الذنب إلا الله سبحانه وتعالى، ربنا بيده كشف الغيوب وكشف هذا ومسح الذنوب جل فعلا. قال: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، إياك والإصرار، الزلل وارد، الخطأ وارد من كل أحد، لكن لا تستمر، لا تصر. الإصرار يا عبد الله ليس من فعل الصالحين. قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾، هؤلاء أهل التقوى، ربنا يتحدث عن أهل التقوى، هم القمة في العبادة ومن العبادة، ومع ذلك هم ليسوا على عصمة، بل يأتيهم من التلبيس والنزغات الشيطان ما يأتيهم. فيقول ربنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾، لا يسترسل، لا يتمادى، وإنما يقف، يعلم بعظيم جريرة ما فعل، فيتذكر عظمة ربه سبحانه وتعالى، فإذا استبصر بعدها يستبصر بالطريق الحق الذي ينبغي أن يكون عليه، بالاستقامة على الجادة. فقال سبحانه: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، يغفر الله لك كل ذنبك إذا كنت على هذا الحال من التوبة والإقلاع وعدم الإصرار على الذنب. قال: وغيرها. وقال عليه الصلاة والسلام: «التوبة تجب ما قبلها». وهذا الحديث وإن كان مشهورا إلا أنه ليس له أصل مع شهرته، ليس له أصل. «التوبة تجب ما قبلها»، أو العبارة: الحديث، الأثر الآخر: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». وهذا كذلك على شهرته ليس له أصل، بل قل ضعيف. الثاني ضعيف. أما الأول أو مع شهرته كما ذكر المؤلف: «التوبة تجب ما قبلها»، المعنى صحيح كما دلت عليه أدلة العامة: أن التوبة كفيلة بمسح الذنوب وإبعاد العيوب. لكن أنها بهذا اللفظ قاله نبينا ما قال ذلك عليه الصلاة والسلام. فما يصح: «التوبة تجب ما قبلها»، ولا يصح حديث: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». فهذا كما قال الشيخ الألباني: إسناده مظلم، إسناده مظلم. قال: وقال عليه الصلاة والسلام: «لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نوما فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني فرجع فنام نوما، ثم رفع رأسه فإذا راحلته راحلته عنده». وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود. وهذا الحديث فيه بيان لعظيم فرح الله سبحانه وتعالى بتوبة عبده إذا تاب. فيقول أخبر نبينا على أن توبة العبد إذا تاب يفرح الله لأجله، يفرح الله لأجله. وبهذا إخواني في الله هذه عبادة عظيمة، التوبة أمر الله بها ورغب عليها وحث إليها. فعل إخواني على المسلم والمسلمة على حد سواء: أنه يكثر من توبته، يتوب إلى الله جل وعلا في أعماله وأقواله، فإن ذلك من منازل السائرين إلى الله جل وعلا، وإن الله يحب من عباده التائبين، والله يحب التوابين جل في علاه. هذا ما يتعلق بهذا الباب إخواني في الله من مسألة ما كان من شأن التوبة أنها تكفر به ذنوب العبد من صغائرها وكبائرها. وسيأتي معنا بإذن الله في درس غد ما يتعلق بالتوبة النصوح، ما هي شروطها؟ ما هي شروطها الذي متى التزم بها صاحبه يكون تائبا حقا؟ أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.