الدرس في الدروس المستفادة من رمضان 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يجب على المسلم أن يفرح بالعبادات بعد أدائها، والفرح بالنعم الدينية من علامات الإيمان. أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته، أي بدينه وشريعته.
يُناقش أهمية الفرح بالعبادة في رمضان، ويستدل بحديث النبي عن فرح الصائم عند فطره ولقاء ربه. كما يبرز دور العيد في إظهار الفرح بعد أداء العبادات.
ينبغي للمسلم أن يتمسك بالسنة النبوية ويكره البدع والمحدثات، والفرح بالعبادة والتمسك بالسنة من أعظم النعم. كما يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازمنا في مثل هذه المقامات، إخواني في الله، نستطرد في ذكر أهم المقامات والعبادات التي يستفيدها المسلم والمسلمة من الصائمين والصائمات من رمضان، من خلال ما جعله الله جل وعلا فيه من تشريع. ألا وإن من أعظم ما يستفاد من رمضان، يا عبد الله، الفرح بالعبادات، وأعني به الفرح بعد أدائها وإتمامها. الإنسان، بشكل عام، من خلال فطرته وطبيعته، يفرح إذا من الله عز وجل عليه بنعمة دنيوية، يفرح بذلك، يظهر الفرح حتى يظهر في أسارير وجهه، وربما نطق ذلك بلسانه، كالفرح بالمال والرزق وهكذا، الفرح بالصحة والعافية. وهذا الذي يفرح إذا رزقه الله جل وعلا بمولود وإنجاب وتكاثر. وهل مجرد الناس يفرحون فرحا عظيما إذا تحصل الواحد منهم على هذه النعم الدنيوية؟ إلا أن المؤمن، إخواني في الله، يفرح أيضا بالنعم الدينية، يفرح بدين الله، يفرح بشرع الله، يفرح بما أنزله الله جل وعلا عليه من دين وشريعة. قال ربنا جل وعلا: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾. ففي قوله تعالى: ﴿قل بفضل الله﴾، فسر الفضل هنا بالقرآن والوحي، وبرحمته، أي بدينه وشريعته، وسميت الدين والشريعة رحمة؛ لأنها مبنية على الرحمة، الشريعة من أولها وآخرها مبنية على الرحمة في أصولها وفروعها، كما عبر العلماء. فلما كانت الشريعة قائمة على الرحمة، سميت هذه شريعة النبوية رحمة. فقال ربنا جل وعلا: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾، أمرنا ربنا جل وعلا بالفرح في هذه المسائل، إلى ما يمت إلى الله جل وعلا بصلة. وعبر الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره، عند هذه الآية: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾، قال: الفرح بالعلم النافع والعمل الصالح. ذكر ابن أبي حاتم في تفسيره أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أتي له بخراج أهل العراق، فخرج ومعه غلام له، فإذا أنواع من الإبل معدودة كثيرة، فقام عمر يعد الإبل، فإذا بها أكثر مما كان يظن، أكثر، فحمد الله، قال الحمد لله، إلى أن هذا الغلام الذي معه قال: يا أمير المؤمنين، هذا فضل الله ورحمته. هذا أشار إلى النعم الدنيوية. قال: هذا فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت، كذبت. فأشار رحمه الله تعالى أن هذه الآية: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾، أي بالدين والشريعة، كما جاء ذلك عنه في عدة روايات ثابتة عنه، رضي الله تعالى عنه. فهذا الذي ينبغي أن نفرح به، يا عبد الله. وإن هذا الأمر، وهذا الفرح، ومنه كذلك يدخل فيه قول ربنا جل وعلا: ﴿ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله﴾، يفرح المؤمنون بنصر الله. فالمؤمن يفرح بما يكون في هدايته، بما جعله الله ربنا وجل في أمر من دين وشريعة ومسائل وأحكام. وإن هذا الفرح، وهذا المقام، لا يعتبر هو الفيصل أو من الفواصل الذي يتميز أهل الإيمان عن أهل النفاق والشقاق. أسأل الله الفرح، المنافق ما عنده فرح، بل بالعكس، عنده الكره، عنده السخط، عنده المقت من شرع الله. قال ربنا جل وعلا، حاكيا عن أهل النفاق: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾، أحبط أعمالهم؛ لما كان هذا الموقف منهم هو الكره والبغض لشرع الله جل وعلا، ما كان لهم من عمل يصل إلى الله، فأحبط الله أعمالهم. وإن الفرح، يا عبد الله، بدين الله وشرعه، الناس فيه يتفاوتون، بل حتى بين أهل الإيمان، الناس يتفاوتون في هذا المضمار تفاوتا عظيما، بين مقل ومستكثر. وهذا على حسب الإيمان الذي يقر، والذي وقر في قلوبنا. حتى أن من أهل الصلاح من بلغ به الاعتزاز بهذا المقام، وهو الفرح بدين الله وشرعه، إلى درجة أنه يفرح بكل ما جاء عن الله، ولو قدر الله عليه المصائب والآلام، يفرح بالأقدار المؤلمة، يفرح بها. قال عليه الصلاة والسلام: «وإن كان أحدهم - أي من السابقين - لا يفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء». سبحان الله، إن كان أحدهم لا يفرح بالبلاء، بالبلوى، يصاب بفقر، يفرح، يصاب بضيق، بمخمصة، بشدة، بنكبة، يفرح، يصاب بمرض، بآفات، بمصائب، بأوجاع، بآلام، بآفات، بعاهات، يفرح بها. يفرح، ليس فقط يرضى أو يسكت أو يلزم الصمت عن هذه الأمور. جاز لك، يا عبد الله، أنك تتوجع منها، جاز أخذها مؤلما، تؤلم، لكن لا تصل لحد التسخط. لكن هؤلاء ليس فقط تألموا، وليس فقط سكتوا، وإنما فرحوا. لما علموا أن هذه الأقدار من عند الله، وإن كان أحدهم لا يفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء. إخواني في الله، لست بصدد الاستقرار في مسألة الفرح بدين الله وشريعته، إنما هنا أود أن أذكر أن مما يهدف له رمضان، من خلال أحكامه وتشريعاته، هذه المسألة، مسألة الفرح بالعبادة، وخاصة الفرح بعد أدائها. ويمكن أن نستلهم هذا من موطنين اثنين، من مساء رمضان. المسألة الأولى والجهة الأولى في قوله عليه الصلاة والسلام: «للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه». فقوله عليه الصلاة والسلام: «لصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره». عند فطره، يقول العلماء شراح الحديث: أن الصائم عندما يفطر، يأتيه نشوة الفرح، وإن هذه النشوة من الفرح عندما تأتيه وتكتسب من جهتين: من جهة الفطرة البشرية؛ لأن الإنسان إذا منع من الطعام والشراب، ثم أتيح له المجال بعد فترة أن يأكل وأن يشرب، انشرح صدره وطرب قلبه؛ لأن به الحياة، قوام الحياة، السداد والمعيشة، تكمن في الأكل والشرب. فعندما يتاح للصائم أن يأكل ويشرب بعدما منع تلكم الساعات الطوال من ساعات النهار، يفرح أن الله أعطى لهذا الجسد الذي يريده، فطرة الجسد ما يعيش إلا على الطعام والشراب والزاد. فهذا نوع من أنواع الفرح عند الفطر، فرح كسبي، فرح فطري. لكن كذلك الصائم يفرح عند فطره؛ لأن الله يسر له إتمام العبادة، وهذا أعظم، وهذا يستشعر به أهل الصوم الذين ينظرون إلى هذه النظرة بروية. إذا أراد أن يأكل، يجد انشراح الصدر، لما لما هذا الانشراح؟ عند فطرك ينشرح صدره؛ لما علم أن الله يسر له وأعان ووفق إلى إتمام الصوم، عبادة شاقة، عبادة شاقة، فأعانه الله من عنده، حملك الساعات الطوال، ساعة بعد ساعة، فلا زال الله بك يرعاك ويعينه حتى أتممت هذه ساعة عند غروب الشمس، فأكلت، فحمدت الله، وتفرح، تفرح أن الله جل وعلا وفقك. فوالله لو لله ما صلينا ولا صمنا ولا قمنا ولا اهتدينا، فالفضل لله وحده. فهذا الفرح شرعي يحبه الله. «لصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره». هذا الشاهد، الموطن، يا عبد الله، المسلم يفرح إذا يسر الله له بأداء عبادة على أكمل الوجوه، على أحسن الأحوال، احمد الله، افرح، يا عبد الله، جعلك الله ربي مصليا، احمد الله، أنت قضيت صلاة من صلوات الخمس، تحمد الله وتفرح أن الله يسّر لك هذه الصلاة، أو أديت زكاة مالك، أو صمت هذا اليوم، وهكذا جرّ في كل عبادة تظهر، يا عبد الله، من فرحك الذي تظهر، فإنك تؤجر؛ لأن هذا من الفرح الذي يحبه الله جل وعلا. الموطن الثاني من المواطن الذي فيه دلالة على أن رمضان يربينا على أنك تفرح، يا عبد الله، بعد أداء العبادات والطاعات، هو ما جاء في شريعة الله جل وعلا من تشريع موسم العيد، موسم العيد، العيد موسم يظهر الناس فيه الفرح والسرور والبهجة والخير. فبعد انقضاء رمضان، وقد مررت، يا عبد الله، بهذا الشهر الطويل، بما كان فيه من عبادات وطاعات، وما كان فيه من مكابدة في صوم النهار وفي قيام الليل، زد على ذلك ما كان منك من تعب من الصبر والمصابرة والمجاهدة في استمرار على الطاعة، من قراءة القرآن، ومن صلة الأرحام، ومن النفقة على العيال. زد على ذلك ما كان من ذكرك لله أطراف الليل وأطراف النهار وآناء الليل، كل ذلك بعد من تذوق عبد من هذا الموسم الشاق، كان من منة الله لعباده الصائمين والصائمات أن أعطاه هذا الموسم، موسم فرح، موسم بهجة، فيه تسلية للنفوس، تسلية للنفوس. وانظر، يا عبد الله، تأمل في أعياد الإسلام، وأعني به عيد الفطر والأضحى، تجد أنهما ما جعلهما الله، ولا شرعهما الله، إلا بعد أداء أركان الإسلام. عيد الفطر بعد صوم رمضان، وعيد الأضحى بعد موسم الحج. بعد رمضان عيد، وبعد الحج عيد، بمعنى بعد العبادات يأتي فرح. إذا وفقك الله، يا عبد الله، فانظر في عيد الفطر، سبق بماذا؟ بالعشر الأواخر من رمضان، جد واجتهاد وقيام، وما كان من رمضان من المسابقة إلى مغفرة الذنوب. «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، «من قام رمضان غفر له ما تقدم من ذنبه»، «من قام ليلة القدر غفر له ما تقدم من ذنبه». فبعد ذلك تخلصت من الذنوب، لأتيك الفرح الذي ينشح له الصدر. كلنا رجاء وطمع أن الله قد تقبل من التوبة. وهكذا في أمر الحج، الذي حج، «فمن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». فاضي من الذنوب، خالي الوفاض من السيئات. والذي لم يتسن له الحج، فعنده في بلده عنده أيام العشر من ذي الحجة، «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله». فلا زال المسلمون يشمرون عن الطاعات، يشمرون عن الطاعات حتى يأتي موسم العيد، عيد الأضحى، فتبهج القلوب وتنشرح. هذه الفائدة العظيمة، يا عبد الله، مما نستفيده من رمضان، من خلال تفريعاته وتشريعاته، بأن المسلم إذا وفق لأداء طاعة ولأداء عبادة، فعليه أن يفرح بذلك. إياك والتضييق، إياك، يا عبد الله، أن يفعل ذلك بعض الناس، لربما إن أدى العبادة أدىها على ثقل، أو يراها جبلا ثقيلا، ويكون في خلده هو إبراء الذمة فقط لا غير. لا، يا عبد الله، أقبل على العبادة وأنت منشرح الصدر، فإن يسر لك الإتمام، ويسر لك الإقامة لهذه العبادة، احمد الله حمدا كثيرا، أن جعلك الله مصليا، أن جعلك الله صائما، أن جعلك الله قائما، أن جعلك الله واصلا لأرحامك، أن جعلك الله خلوقا أدوبا، احمد الله على أي نعمة دينية، افرح بهذا. وإن كان هذا الزمن لا يعين على الفرح، ربما الواحد منا يكون على مضض؛ لأنه على خلاف التيار، على العكس التيار، لربما يتعبد له هو منتكس الرأس. لا، يا عبد الله، ارفع رأسك، احمد الله، وأن هذا من الفرح المحمود الذي ينبغي أن نفرح به جميعا. والفرح، يا عبد الله، بكل عبادة، احمد الله، وافرح أن جعلك الله مسلما متشبثا بدينه. وأعظم فرح، والذي ينبغي أن يفرح به كل مسلم، من وفقه الله للسنة. السنة عزيزة، السنة عزيزة في هذه الأزمان، نحن في زمن الغربة، والغربة هم القلة من عباد الله الأخيار، تمسكوا بالسنة النبوية، ابتعد الناس، الواحد منهم لربما رجاء أن يمسك بالإسلام وبأركان الإسلام، ولا يدري عن السنة، وما يدري ما هي السنة؟ فلم يرفع لها رأسا، ولم يلقي لها بالا. فانتدب أناس من خيار الله، اصطفاهم الله واجتباهم إلى السير على هذا المنهاج النبوي، على سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، فتأسوا برسول الله في أقواله، في أفعاله، في أحواله، في كل شيء، في ملبسه، في مسكنه، في كلامه، في عبارته، في تعامله مع خلطة الله، يسير على ما تسير به السنة، وهو لهم الخلص من عباد الله. فهذا، يا عبد الله، إن وفقك الله للسنة، فاحمد الله حمدا كثيرا، طيبا، مباركا فيه، احمد الله أن الله اصطفاك واجتباك. ولا أعني بالسنة، يا عبد الله، هي كلمة تلوك بالألسن، السنة واقع، السنة ليست شعارا يرفع، وراية تلوح بها. السنة، يا عبد الله، واقع يظهر هذا في حالك، وفي طريقتك، وفي أسلوبك مع ربك، مع نفسك، مع الناس، مع أهلك، مع سائر خلق الله. هذه السنة أن تعاشر الناس كما عاشرهم نبينا عليه الصلاة والسلام. وأعظم ما يكون عليه السنة، يا عبد الله، الكره للبدع، الكره للمحدثات، والكره لأهلها. هذا من أعظم ما يتميز به أهل السنة، مبغضا للبدع، ومبغضا لأهلها، تكره البدع؛ لأنه يعين المشاقة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وأعني بالبدع، يا عبد الله، ما يكون من بدع في العبادات، من إضافة العبادات، كمن يأتي بطقوس، يأتي بمواسم، يأتي بزيارات، يأتي بأفعال، بحركات، ما أنزل الله بها من سلطان، هذه بدعة. إياك، يا عبد الله، أن تقترفها. وخذلك من البدع ما يكون في الدعوة إلى الله، كمن يأتي بتنظيمات، يأتي بفرق وجماعات، يأتي بتحزبات، وما يكون فيها من بدع من بيع وإمارة وسرية وتشكيل جماعات تمزق الأمة، هذه بدع، كرهها، يا عبد الله، بغضها. فإن رأيت من نفسك، يا عبد الله، الكره لهذه البدع على أي صورة كانت، فأحمد الله. زد على ذلك الكره لأهلها، ولمن أتى بها. ما يكون أحد أبغض سني ومعظم أهل البدع في قلبه، كائنا من كان. دخل الإمام أحمد رحمه الله تعالى على رجل، فإذا به منكسر، قال: ما شأنك؟ قال: يا إمام، مات لي قريب. فقال له الإمام أحمد رحمه الله: «أمات على السنة؟» قال: نعم. قال: «لا تحزن عليه، الله أكبر». «من مات على السنة مات على الخير كله». فما، إخواني في الله، فمن وفقه الله إلى السنة، فهذه نعمة، عبادة، التي ينبغي أن يعتصم بها كل مسلم أو مسلمة، فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.