الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشبه الله تعالى المشركين بمن يمد يديه إلى سراب الماء فلا يصل إلى فمه، مبيناً أن دعاءهم للأصنام لا يستجاب ولا ينفعهم. فعبادة غير الله كسعي وراء خيال لا يروي ظمأً ولا يحقق نفعاً.
يفسر المقطع آيات سورة الرعد حول الأرض المتجاورات وتنوع الثمار رغم وحدة الماء، مشيراً إلى تفضيل بعضها في الأكل كنعمة إلهية. كما يوضح معاني المثُلات والقدر والمعقبات والمحال، ويختم بمثل الكافر والمؤمن.
يضرب الله مثل الماء الذي يحمل زبداً يذهب جفاءً وما ينفع الناس يمكث في الأرض، ومثل النار التي تخرج خبث المعادن. يمثل بهما الحق والباطل، والمؤمن الذي يبقى نفعه، والمنافق الذي يزول كزبد الماء وخبث النار.
يختتم المتحدث الدرس الحالي معلناً عن استكماله في درس قادم. ويشير إلى مواصلة الشرح في الجلسة التالية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الخازن رحمه الله تعالى: قال: ﴿ كَالَّذِي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾. وقال ابن عباس: «كالباسط كفيه». قال: مثل المشرك الذي عبد مع الله إلهاً آخر، كمثل العطشان الذي ينظر إلى ظل خياله في الماء من بعيد، وهو يريد أن يتناوله ولا يقدر. وقال غيره: شبهنا على كالباسط كفيه إلى الماء، يريد أن يضع هذا الماء في فيه، في ظل فيه، يريد أن يبلغ هذا الماء فاه، وليس ببالغه؛ لأنه ليس حقيقة وإنما خياله. كالباسط كفيه إلى الماء، فيريد أن يبلغ هذا الماء إلى فيه، إلى فيه. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾. وهذا يدل على أنهم يعبدون وهماً خيالاً. وجاء عن مجاهد في رواية: «أنه مثل الأوثان التي تعبد من دون الله، كمثل رجل قد بلغه العطش حتى كربه الموت، وكفاه في الماء، قد وضعته، وقد وضعه ماء لا يكون غالطاً، فيقول الله عز وجل: لا يستقيم له لو كان، ولا تنفعه حتى تبلغ كفه فاه، وما هو ببالغه». مثل الذي يضع يده في الماء ويريد الماء أن يبلغ إلى فيه. وهذا الذي يعبد الأصنام يريد أن تستجيب له الأصنام أو تنفعه، ولا تنفعه في شيء، كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ﴾ أبداً من نفع أو ضر، حتى يأتيهم الموت. مثله كمثل الذي بسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، ولا يصل ذلك إليه، فيموت عطشاً. أن هذا مثال ضربه الله عز وجل لهؤلاء أهل الأوثان وعبادة غير الله عز وجل، فهم يريدون نفعها من هذه الآلهة ولا تنفعهم، مثل الذي يضع يده في الماء ويريد الماء أن يبلغ فاه، ولا شك أن الماء لا يبلغ فاه. وهكذا الآلهة، بأنهم ليس عندهم قدرة على فعل شيء، لا ينفعون هذا الداعي ولا يستجيبون له. قال: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ ﴾. أي: متداخلات، متجاورات، قطع متجاورات. قال: ﴿ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾. معنى هذه: أراد متجاورات، متداخلات، متقاربات، وكلها تسقى بماء واحد. الماء الذي يسقى به هذه المزارع ماء واحد، يسقى هذه المزارع كما ينتقل إلى الأخرى. وقد أيضاً يسقي بعض الزراعة، مثلاً تكون الأرض لها زرع من النخيل والأعناب وغيرها من الفواكه، وكلها تسقى بماء واحد، وتجد أن طعمها يختلف. ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾، هذا من نعمة الله تعالى على العباد. قال: ﴿ الْمَثُلَاتُ ﴾، واحدها مَثَلَة أو مَثَل، وهي الأشباح والأمثال. وقال: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمُ الْمَثُلَاتُ ﴾، أي: الأيام التي تشبهها، تشبه هذه الأيام. وقال بعض: كما جاء عن مجاهد: «المثُلات: خَلَفُ الأمثال». وبعض أوجع هذا: أنه العقوبات، والمراد به ما مثل الله عز وجل به من العذاب على الأمم السابقة. إن الله عز وجل قد عذب من سبق لهذا، ينذر هذه الأمم، وحتى تعتبر، الأمم التي من قبلكم. المثُلات: أي المعتبرات التي تعتبر من تلك الأمم التي عاقبها الله عز وجل. مثل ما قال: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ﴾، أي: بما عذبهم الله عز وجل. قال في قول جل وعلا: ﴿ بِقَدَرٍ ﴾، أي: بقدر. أن جعل الله عز وجل أجلاً معيناً، مقدراً معيناً، أجلاً معلوماً. قال: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾، قال: ملائكة حفظة، تعقب الأولى منها الأخرى، أن يتعاقبوا، كما قال النبي ﷺ: «سيكون ملائكة بالليل والنهار، يعقب بعضهم بعضاً». قال: ﴿ الْمِحَالُ ﴾، شديد المحال، أي: شديد العقوبة. شديد المحال: شديد العقوبة. وقوله: ﴿ كَالَّذِي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ ﴾، وهذا قول آخر، وهذا كلام ابن عباس كما ذكرنا سابقاً. وقوله: ﴿ رَابِيًا ﴾، والربوة: أو متاع، الزبد المتاع، ما تمت غثاء. وهذا مثال ضربه الله عز وجل، ضربه الله عز وجل للكافر والمؤمن. وهذا مثال أو مثالان: مثال نار، ومثال ماء. وقد ضرب الله عز وجل في سورة البقرة أيضاً مثالاً، مثال الماء ومثال النار، وأراد بهما تمثيل المؤمن والكافر. فهنا ضرب أول مثال لأهل الماء، لأهل الإيمان: ﴿ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ﴾. ومما يوقدون عليه في النار، ﴿ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ﴾. كذلك يضرب الله الحق والباطل. ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾. هذا مثال ضربه الله عز وجل للخير والشر، ولأهل الإيمان ولأهل النفاق. فقال: ﴿ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾، هذا الماء الذي أنزله هو الخير، والوحي، والرزق، والعلم الذي أنزله الله عز وجل. ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾، أي: بقدر كل وادٍ، أخذ ما كان بقدره من هذا السيل. أن السيل يأتي كبيراً، ويتفرع في الأودية والشعاب. ﴿ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ﴾، أن السيل ما كان صافياً، بل جاء زبداً. والزبد: هذه الأوساخ التي تجتمع في الماء، فتعلو زبداً. الأوساخ التي تقع في هذه المياه وفي هذه السيول. وهذا بمعنى: أنه تكدر بالمعاصي، تكدر بالمخالفات، صار هذا الزبد فوق هذا الماء. ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ﴾، هذا الزبد يذهب، وإما أن يخرج خارج الشعاب، وإما أن يأتي الماء الصافي ويخرجه. فالمهم أن هذا الزبد لا يبقى، وما يبقى إلا ماء صافياً، يختلط معه ماء آخر. ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾. وهكذا أيضاً النار، أو ما يوقدون عليه في النار، في حديد أو متاع، الزبد مثلهم. كذلك أيضاً إذا أدخل الكير الحديد وغيره، يخرج خبثه، ويخرج الصافي من المكان الآخر. فأما الخبث فيرمى ويخرج، وأما الصافي فهو الذي أراده الناس وأرادوا نفعه. كذلك المؤمن والمنافق: المؤمن مهما أصيب من شيء، فإنه يجلى عنه ويذهب، ويبقى إيمانه. وأما المنافق، فإنه لا ينتفع به الناس، فيبقى كذباً ووسخاً. فهذا كما قلنا، أو كما ذكر الإمام الخازن، أنه ضرب الله عز وجل مثالين: مائياً ونارياً. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في درس قادم.