كلمة الأستاذ الفاضل أبو عبدالودود سامي باعشن

المحاضرة بعنوان كلمة الأستاذ الفاضل أبو عبدالودود سامي باعشن، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الخميس ١٠ شوال ١٤٤٠هـ ألقاها

فضل مجالس العلم وإصلاح القلوب

تتميز مجالس الذكر والعلم بفضيلة عظيمة حيث تغفر الذنوب للحاضرين، وينظر الله فيها إلى صلاح القلوب لا إلى مظاهر الأجساد. لذا وجب على المسلم تعاهد قلبه وتنقيته من أمراض الحسد والغل والبغضاء ليكون أهلاً لقبول الحق والنجاة يوم القيامة.

موانع قبول الحق: الكبر والضغط الاجتماعي

يمثل الكبر برد الحق وغمط الناس والضغط الاجتماعي حاجزين رئيسيين يمنعان القلب من الانقياد للحق. وقد ضرب المحاضر مثلاً بقصة امرأة هلال بن أمية التي مكابرت الحق خوفاً من فضيحة قومها، مما يوضح تأثير الضغط الاجتماعي في رد الحق.

خطر التقليد الأعمى والعادات المخالفة للشرع

حذر المحاضر من اتباع العادات الفاسدة المخالفة للشرع والتقليد الأعمى للآباء اللذين يورثان العمى عن الهدى. واستشهد بقصة ابن عباس مع الخوارج التي انتهت برجوع ألفي منهم للحق، مؤكداً أن سمة أهل السنة هي الرجوع للحق والانقياد له.

دعاء ختامي لتطهير القلوب وتحسين الأخلاق

اختتم المحاضر بدعاء جامع يسأل الله فيه تطهير القلوب من الغش والكذب والخداع والخيانة. كما طلب الهداية لأحسن الأخلاق والصرف عن سيئها، مختتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فجزى الله خيراً إخواننا الأفاضل والمشايخ الأكارم على هذه الكلمات والتوجيهات والنصائح المكللة بالنصح والإخلاص فيما نحسبهم، والله حسيبهم، ولا نزكي على الله أحداً. وهذه الاجتماعات فيها من الخير ما تعلمونه جميعاً، حيث يخرج الإنسان منها بفائدة، أو بمسألة، أو بسماع حديث، أو بضبط لفظ، أو غيرها من الفوائد. وإن لم يكن قد استفاد شيئاً، فلا أقل من أن يخرج بمغفرة من الله جل وعلا، كما جاء في الحديث الطويل، حديث أبي هريرة رضي الله عنه، لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن لله ملائكة سياحين في الأرض يلتمسون حلق الذكر ومجالس العلم. وفي آخر الحديث تقول الملائكة لله جل وعلا: يا رب، إن فيهم فلاناً ما أتى إلا لحاجة، فقال الله جل وعلا: وله قد غفرت، ما جاء إلا لحاجة، ما جاء يطلب العلم، ما جاء يستمع الذكرى، ما جاء لينتفع بغرض جاء من أجله هؤلاء الجالسون. لكن الله عز وجل رحيم، غفور، ودود، حليم. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَهُ قَدْ غَفَرْتُ هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ﴾. أقل فائدة، وإن كان ما ذكر إخواننا في هذا الباب أن أكثر الكلمات تدور على أمراض تصيب القلوب، على أمراض تصيب القلوب، كالحسد والغل والحقد والبغضاء والهجر والجفاء والتدابر والتهاجر. إن لم تكن بالصراحة فهي بالمعنى، والقلب كما تكررت هذه الكلمة في أكثر من متكلم، محل نظر الله جل وعلا. فالله سبحانه لا ينظر إلى أجسامكم وإن طالت وإن ضخمت، ولا ينظر إلى صوركم وإن جملت وإن كانت على غير ذلك، ولكن ينظر إلى قلوبكم. فإذا كان الإنسان بكله وكلكله وجوهره وظاهره لا يساوي عند الله عز وجل شيئاً، لأنه يأتي الرجل السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، إنما محل نظر الله جل وعلا القلب. إذن فالنتيجة: لا بد من إعماره، ولا بد من تعاهده، ولا بد من تنظيفه، ولا بد من تصفيته، حتى يسلم لك قلبك. وإلا فكيف يعالج الإنسان قلوب العباد وهو بحاجة، وهو أحوج ما يكون إلى علاج قلبه، إلى علاج قلبه؟ ولذلك ذم الهوى والمتبع له، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. ولذلك انظر إلى أشياء تعني تمنع الإنسان من قبول الحق، من قبول الحق، فيزداد قلبه سواداً إلى سواده، فلا يعرف البياض إلى قلبه طريقاً. ولهذا لما ذكر أهل العلم، رأوا ونظروا في هذه الأسباب التي يظل القلب على ما هو عليه، لا يتطور ولا يتنظف ولا يتنور ولا يبيض، لماذا؟ لأسباب يقع فيها فلا يقبل حقاً يقال له أو يدل عليه. ولذلك جاء أن الله... جاء في الأحاديث المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنها تبين كيف يظل الإنسان على هذه الحال الذي لا يقبل الحق من أي أحد جاء به. جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صحيح الإمام مسلم، حديث ابن مسعود، قال عليه الصلاة والسلام: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». فأهل السنة، أيها الإخوة، لا يردون الحق ممن جاء به، بل يخضع الإنسان للحق ويقول: سمعاً وطاعة، مهما كان الآتي بالحق كبيراً صغيراً، فإن الحق لا بد أن يخضع له إذا أراد الإنسان أن يسلم له قلبه وأن ينور بصره وبصيرته. الرجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أحدنا يحب أن يكون نعله حسناً وثوبه حسناً، أهذا من الكبر؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». من أسباب عدم قبول الحق وبقاء القلب على ما هو عليه: الضغط الاجتماعي، الضغط الاجتماعي، والضغط الاجتماعي يعني سيطرة الناس على الواقع. واستدلوا لذلك بما جاء في صحيح الإمام البخاري من حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية، أحد الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك: هلال بن أمية، كعب بن مالك، ومرار بن الربيع. أحدهم هلال بن أمية من أهل بدر، رجل صالح، رجل فاضل. حصل بينه وبين امرأته ما ابتلاه الله سبحانه وتعالى به، فكانت هذه الحادثة سبباً لنزول آيات من السماء، وهي قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ويدرأ عنها العذاب الآيات. هلال بن أمية قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا هلال، اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، إن كنت ألممت بذنب فاعترف. قال: لا والله لا أتراجع يا رسول الله، ولينزلن الله عز وجل في آيات أو قرآناً، أو كما قال رضي الله تعالى عنه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة: اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، يعني إن كنت ألممت بذنب فاعترفي. وانتهت القضية: عذاب في الدنيا أهون من أن تعذبي في الآخرة. فقال ابن عباس: فتلكأت المرأة، يعني قال: وقد كنا نظن نرجو أنها ستعترف، كنا خلاص ستعترف هذه المرأة، لكن قالت: لا أفضح قومي. فبسبب الضغط الاجتماعي كابرت وردت الحق، وردت الحق. كذلك العادات والتقاليد الفاشية بين الناس، من مثل يعني ما جرى من عادات بعض الناس الدخول على النساء، ويعني غير ذلك، فإن هذا قد يظن أن هذا الأمر طبيعي، وأن هذا الأمر مشروع، والأصل أن الشرع حرم ذلك، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدخول على النساء». قال: ردنا يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت، الحمو الموت». فهذه من الأسباب التي يجب على الإنسان بصفة عامة، ومن ينتسب إلى أهل السنة بصفة خاصة، أن يتجرد وأن يتجنب مثل هذه الأحوال. كذلك من الأسباب التي تبقي القلب على ما هو عليه، من أسباب عدم قبول الحق ورد الحق: التقليد، تقليد الآباء والأجداد ومن سلف. وقد قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوْلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. كيف لهم إذا كان آباؤهم على ضلال وعلى عمى، فما يزدادون بالتقليد إلا عمى إلى عماهم؟ فهل أنتم سائرون على خطاهم؟ هذا إنكار. وهذا الأمر يعني لا يحسن بهم أن يكون الإنسان مقلداً، والمقلد كما قيل مأخوذ من العمى لأنه بيد من يقوده. وهذا في باب الذم، هذا في باب الذم. فيبقى القلب على ما هو عليه، لا ينور البصر ولا تنور البصيرة، فيبقى الإنسان يعني إذا دل على الحق لا بد أن يرجع إليه. ولا يخفى كثيراً منكم خبر الخوارج الذين ذهب إليهم ابن عباس، ذهب إليهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فقال علي بن أبي طالب: لا أريدك أن تذهب إليهم. قال: بل سأذهب إليهم، لا تخف. قال علي: لا تذهب. قال ابن عباس: سأذهب حتى أقنع... ابن عباس علي أن يذهب إليهم. وبالفعل ذهب وناظرهم، فرجع من الخوارج ألفان. رجع ألفان، وبقي الباقي على ما هم عليه. الذين رجعوا هم الذين رجعوا إلى الحق، خضعوا له، خضعوا له، فرجعوا. لما ناظرهم في الأولى وفي الثانية وفي الثالثة: أخرجنا من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. أخرجنا من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. أخرجنا من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. لأن الإنسان لا بد أن يسلم وأن يخضع لما يأتيه من الحق، ومن اليقين الذي جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فهذه السمة لا بد أن يتحلى بها أهل السنة، وهي الرجوع إلى الحق. وتلكم السمات المتقدم ذكرها لا بد أن يهجرها أهل السنة، وأن يتجردوا منها، وأن يبتعد الإنسان منها، لمن يروم صلاح قلبه. فنسأل الله العلي القدير بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يطهر قلوبنا من الغش والكذب والخداع والخيانة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بنواصينا إلى البر والتقوى. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وجزاكم الله خيراً.

شاركنا على