من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت

المحاضرة بعنوان من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الأربعاء ١٣ ربيع أول ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح حديث الإيمان والقول والعمل

يشرح الحديث النبوي الذي يربط بين الإيمان والقول والعمل، ويبين أن الإيمان يشمل الاعتقاد والقول والعمل. كما يشير إلى أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة.

أهمية قول الخير والصمت وإكرام الجار

يتناول أهمية قول الخير أو الصمت لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، ويستدل بحديث نبوي على ذلك. كما يشير إلى خطاب الكافر بفروع الشريعة.

فضل الصمت وآدابه

يُشدد على أهمية الصمت وتركه الكلام في غير حاجة، ويبين أن الصمت منجاة من الفتن والشرور وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتحلى بهذه الخصلة.

خاتمة الدرس والدعاء

يختم الدرس بالدعاء أن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية، ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فاستغلالًا لهذا المقام، نتذاكر وإياكم شيئًا من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره». هذا الحديث، إخواني، من الأحاديث العظيمة التي احتوت واجتمعت على مسائل عديدة، وحسبنا في هذا المقام، إخواني في الله، التركيز على الخصلة الأولى من خصال هذا الحديث، وهي قوله عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». وتلاحظون من فوائد هذا الحديث أن الشرع العظيم علق هذه المسائل وهذه الأعمال والأفعال بالإيمان بالله سبحانه وتعالى، دلالة على عظم هذه الخصال المذكورة في هذا الحديث. وأيضًا فيه بيان على أن الإيمان ليس كما يقول أهل البدع ينحصر في مسائل الاعتقاد، بل إن الإيمان كما عليه عقيدة أهل السنة والجماعة: قول وعمل واعتقاد. فهذا الحديث ذكر أن من خصال الإيمان ما كان من العبادات القولية، ومن خصال الإيمان ما كان من العبادات الفعلية العملية. وأيضًا في هذا الحديث، إخواني في الله، الإيمان له أركان ستة، لكن جاء هنا التنصيص بالإيمان باليوم الآخر، وهذا التنصيص، قال العلماء، لبيان مسألة عظيمة، وهي لبيان أن هذه المعطيات التي إن فعلها المسلم لا يظن أن أجرها ينحصر في أجور الدنيا. فبعض الناس، صحيح، قد يتعامل مع الناس ومع زواره ومع ضيوفه ومع جيرانه ومع أحبابه بالمعاملة الحسنة، ويظن أن هذا هو حسبه من هذه المعاملة، لا يا عبد الله، بل إن أجرك يصل إلى يوم الآخرة. حسن العشرة مع الناس، حسن العشرة مع الضيفان والأضياف والجيران ومع سائر الناس، كأنك تعاشرهم بالحسنة، فإنك كما ستنال هذا الأجر في الدنيا، الجزاء من جنس العمل، كذلك يا عبد الله ستنال هذا الجزاء يوم القيامة. ولهذا قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر»، جاء التنصيص باليوم الآخر لكي تعلم أن هذه الخصال أجرها ستلاقيه يوم القيامة، يأجرك ربك جل وعلا على قول الخير، يأجرك ربك سبحانه وتعالى على ما تبذله من قرى الضيافة، كذلك يأجرك ربنا جل وعلا على حسن عشرتك مع الجيران. وهذا الحديث، إخواني في الله، قوله عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر»، من هو المعني بهذا الحديث؟ لا شك أنهم أهل الإيمان والإسلام، وهم الذين أذعنوا بالإيمان بالله وباليوم الآخر. فهل معنى هذا أن الكافر لا يدخل في هذا الحديث ولا يشمله هذا الحث وهذا الأمر؟ لا، بل إن الكافر مخاطب بما يخاطب به المؤمن، كما أن المؤمن ملزم بقول الخير ملزم بفروع الشريعة، كما يصرح الكثير من العلماء بهذه اللفظة، كذلك الكافر ينبغي عليه أن يقوم بفروع الشريعة. كيف ذاك؟ قد يقول الكافر: وهل الكافر ملزم بأن يؤدي أركان الإسلام؟ نقول: نعم، ملزم بهذا، ملزم ببر الوالدين وبصلة الأرحام وفعل الخيرات وترك المحرمات، ترك الربا والزنا والخمور، نقول: نعم، ملزم بهذا. وهل ترك هذا يؤجر؟ طبعًا لا يؤجر حتى يأتي بالإيمان. فانتبه، إخواني، في هذه المسائل، الكافر مطالب بفروع الشريعة، وإن فعلها فإنه لا يؤجر عليها حتى يأتي بالإيمان، وإن أسلم وآمن فإنه لا يطالب بأدائها بترك ما تركه في حال كفره. لكن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، ودليل ذلك ما جاء من الأدلة العقلية والأدلة الشرعية. وبعد ذلك، الأدلة العقلية، الأدلة الشرعية، في قوله تعالى: ﴿ما سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ ۝٤٢ قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ ۝٤٣ وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ ۝٤٤ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ ۝٤٥ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ۝٤٦﴾ فهم كفروا وهم فجروا، ومع ذلك ذكروا أن من أسباب عذابهم في جهنم أنهم لم يؤدوا الصلاة ولم يطعموا الطعام. وبهذا ذهب جمهور العلماء من أهل الأصول ومن أهل السنة على أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة. وما الذي يستفاد من ذلك؟ أنه إذا بعث يوم القيامة فإنه يعذب أولًا على كفره، ويعذب أيضًا على هذه الأوامر والنواهي التي لم يؤديها، فالعذاب عليه يضاعف. وأيضًا الأدلة العقلية تدل على ذلك، على أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، من تلك الأدلة العقلية، قال العلماء: إذا كان الكافر سيحاسبه ربنا على نعيم الدنيا، يحاسبه ربنا الكافر على هذه النعم: الهوى، الصحة، العافية، يحاسبه ربنا على شربة ماء، سيحاسبه ربنا عليه. قال العلماء: إذا كان الرب جل في علاه سيحاسب الكافر على شربة ماء، وهي من الأمور المباحة، أليس من باب أولى أن يحاسب على العبادات، وهي أعظم رتبة من المباحات؟ بلى، فهذا دليل العقل قوي. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». مفهوم هذا الحديث: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا، مفهوم الحديث: من قال شرًا، وفي قوله: «وليصمت»، مفهومه: من سكت عن خير. فهل من قال شرًا أو صمت عن خير يقال عنه: ما آمن بالله ولا باليوم الآخر؟ هل يستبع عنه الإيمان؟ لا، ليس هذا مفهومه، ليس هذا مفهومه. قال العلماء: هذا الحديث خرج مخرج الزجر، خرج مخرج الزجر والتهديد. قالوا: هذا كقول الأب لابنه: «يا بني، إن فعلت كذا نجحت، حفظت القرآن، فأنت ابني». فهل مفهومه: إذا لم يحفظ القرآن مثلًا أو لم ينجح، هل معنى ذلك قد تبرأ منه؟ وليس من نسله وليس من صلبه؟ ليس هذا مفهومه، وإنما خرج هذا بمخرج ما يسميه العلماء بالزجر. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فليقل خيرًا»، هذه الخصلة الأولى، وهي من الخصال التي حث عليها الشرع أن تقول الخير. فليقل خيرًا، قول الخير، والقول هو ما يتلفظ به اللسان وما ينطق به اللسان، والخيرية في هذا الباب تكون على أمرين اثنين: إما كلام خير متعدي، وإما كلام خير قاصر. ويعبر عنه البعض بلازم وكل هذا من الخيرية التي ينبغي على كل مسلم أن يحرص على هذا الكلام. إما أنك تأتي بخير متعدي، معنى خير متعدي: أي أن نفعه يصل إلى غيرك، وهذا من أعظم شيم أهل الإيمان أنك تحرص على أنك تنفع الغير ولو بقولك. وأبواب الخير المتعدية كثيرة وكثيرة جدًا، ومن أشهرها ومن أعظمها: تعليم الناس الخير، بالإرشاد، بالنصح، بالتوجيه، هذا من أعظم خصال النطق بالخير المتعدية. «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى الحيتان في الماء، وحتى النمل في جحرها، ليصلون على معلم الناس الخير»، كما قال عليه الصلاة والسلام. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أو ليصمت». الصمت، ضابطه عند العلماء: هو السكوت مع إمكان الكلام. السكوت مع إمكان الكلام يسمى صمت. وأما إن كان السكوت مع عدم القدرة على الكلام يسمى خرسًا، يسمى خرسًا. فالصمت، يا عبد الله، هو أنك تسكت مع قدرتك على الكلام. قال نبينا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». إذا ما استطعت، يا عبد الله، حيلة ولا وسيلة، ووجدت ما تعتذر به في أنك تتكلم بالكلام الخيري، فلا أقل، يا عبد الله، أنك تستبدله بالسكوت، أسكت، أصمت، يا عبد الله، فهذا خليق بك، هذه من صفة أهل الإيمان. وقد كان السلف رحمهم الله تعالى يستحبون السكوت، يفضلون السكوت. وكما قال أبو ذر رحمه الله تعالى: «تعلم الصمت كما تتعلم الكلام، فإن كان الكلام يهديك، فإن الصمت يقيك». لا تظن أن الصمت ليس له منفعة، لا، له منافع عظيمة، يقيك من الفتن، يقيك من الشرور، يقيك من البلية. وهذه اللفظة من هذا الإمام: «إن كان الكلام يهديك، فإن الصمت يقيك»، هذا مستوحى من السنة. فقد ثبت في السنن، عند الترمذي، وفي مسند إمام أحمد، وإن كان فيه مقال، لكن له شواهد يحسن بعضها بعضًا، ما جاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من صمت نجا». الصمت فيه من النجاة، تسكت، يا عبد الله، وخاصة في الكلام الذي ليس فيه خيرية، كلام ليس له داع، كلام فيه فتنة، تسكت، إن سكت عنه، فإن ذلك فيه من النجاة. وهذه الخصلة قد تحلى بها نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد جاء عند البيهقي من حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه، ويحسنه الألباني شيخ الألباني رحمه الله تعالى في المشكاة، من حديث جابر بن سمرة قال: «كان عليه الصلاة والسلام طويل الصمت، كان عليه الصلاة والسلام طويل الصمت، يكثر من السكوت عليه الصلاة والسلام». وجاء كذلك في مختصر الشمائل المحمدية لإمام الترمذي، ويحسنه الألباني، من حديث هند بن أبي هالة، عندما وصف نبينا عليه الصلاة والسلام قال: «كان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، كان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة». فليكن هذا، يا عبد الله، ديدنك، فليكن هذا أصلًا فيك، فليكن هذا خلقًا تتحلى به. إن تكلمت، فتكلَّ بما ينفعك في دين ودنيا، فإن لم تجد في كلامك مصلحة ولا فيه منفعة، فلا أقل، يا عبد الله، أنك تسكت. بل كان السلف يعدون ذلك عبادة، كما قال سفيان رحمه الله تعالى: «طول الصمت مفتاح العبادة». تسكت، تنظر، تتأمل، تتدبر، يقيك هذا العجلة، عدم الكلام فيما لا يعنيك أو الخوض فيما ليس مما لا تحسنه. وهكذا كان السلف، نصوص إخواني، في هذا الباب، والنقولات في هذا الباب كثيرة وكثيرة، حتى قام بعض العلماء بتأليف مؤلف بعنوان «الصمت»، وحشر فيه الكثير من نقولات السلف. على المسلم أن يلازم الصمت، وخاصة في الكلام الذي ليس فيه له حاجة، تسكت، يا عبد الله، فإن في ذلك سلامة له. وقد قال العلماء، كما قال يزيد بن أبي حبيب رحمه الله تعالى: «إن المتكلم لينتظر الفتنة، وإن المستمع لينتظر الرحمة». كلمة بديعة. إن المتكلم لينتظر الفتنة، تتكلم، تتكلم، تتكلم، تتكلم، تخوض فيما لا يعنيك، هذا الذي يجعلك تنتظر الفتنة، ستأتيك. وما جرّك للفتنة إلا هذه الفلتات، عدم ضبط اللسان. وبالعكس، وأما الصامت، وإن المستمع الذي يستمع ويسكت لينتظر الرحمة، سرعان ما تنقشع هذا الغبار وتلك المدلهمات، ويبقى على رحمة من الله سبحانه وتعالى. ما خاض في عرض أحد، ما تكلم في ذمة أحد، ما تكلم في أعراض المسلمين، سلمه الله بسكوته في غير حاجة، بسكوته بغير حاجة. وهكذا ما جاء عن عبارات سلفنا الصالح، كما قال عقبة بن أبي عياش رحمه الله تعالى، عندما تكلم عن فضل الصمت قال: «أدنى منفعة السكوت السلامة، وكفى بها عافية، وأدنى مضرة الكلام الشهرة، وكفى بها بلية». وهذا، يا إخواني، عبارات عظيمة، عظيمة، ما جاءت عن خبرة وتقوى وعمل. أدنى مراتب السكوت السلامة، لو تكلمت، تكلمت وأنت سكت، فلا أقل مما يسجل في صحيفة أخلاقك إلا أنك قد سلمت بسكوتك. قال: «وكفى بها عافية»، هذه عافية، أنك نلت السلامة، يا عبد الله، تخرج من هذه الدنيا كفاتًا، لا لك ولا عليك. وأما المتكلم، فلربما أدنى مضرات الكلام الشهرة، تكلم، فلان وتكلم فلان، تشار إليك بأنك قد اشتهرت بهذه الكلمات التي تفوهت بها. قال: «وكفاك بها بلية»، أي الاشتهار، أنك تشار إليك بالبنان من بين سائر الناس بهذه الكلمات التي تلفظت بها. فهذه، إخواني، كلمات سريعة. وإلا فكما قلنا: قد ألف من ألف من العلماء المصنفات المتعلقة بهذا الأدب وبهذا الخلق. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.