الدرس في كتاب الأطعمة والذبائح والصيد 4، ألقاها
يُعرَّف الصيد لغة وشرعا، ويشمل التعريف الشرعي اقتناص حيوان حلال متوحش غير مملوك. يُستثنى من الصيد الحيوان المستأنس والمملوك والمقدور عليه.
الصيد مباح إذا كان لحاجة الإنسان، ويحرم في حالات مثل صيد الحرم للمحرم. هناك أدلة من القرآن والسنة تثبت مشروعية الصيد وتحريم بعض أنواعه.
يحرم على المحرم الأكل من الصيد إذا شارك في صيده أو أعان عليه. يجوز له الأكل إذا لم يشارك أو يعن، كما في حالة صيد أبو قتادة.
جمع العلماء بين حديث الصعب بن جثامة وحديث أبي قتادة بأن النبي رده في حديث الصعب لأنه صيد لأجله، بينما أباحه في حديث أبي قتادة لأنه لم يكن لأجل الإحرام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال باب الخلف أحكام الصيد، وفيه مسائل. المسألة الأولى في تعريف الصيد وحكمه ودليل مشروعيته. قال: تعريف الصيد: الصيد لغة مصدر، صاد يصيد صيدا، أي قنصه وأخذه حيلة وخصلة، وهذا إذا أريد به الفعل. وقد يراد به المفعول، كما في قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ يعني مصيده. قال: سواء كان ما أكون أم غير ما أكون، أطلق على المصيد تسمية للمفعول باسم المصدر، يعني الصيد الفعل، ومصيد المفعول هو المصدر، المصدر صيدا صاد يصيد صيدا. يقال: الحيوان المصيد صيد، يعني يطلق الصيد على الفعل وعلى المصدر، يقال: صيد ومصيد، الصيد الفعل، فعل الصيد، الاستياد والمصيد، أي ما حصل عليه، ما وقع عليه الصيد أو الاستياد. قال: وشرعا: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعا، غير مملوك ولا مقدور عليه. والوحش هو كل حيوان غير مستأنس من دواب البر. وقوله: اقتناص خرج به غير الاقتناص، وهو الذبح، وهذا فيه الحيوان المستأنس كالبهيمة، الأنعام وغيرها. وقوله: اقتناص حيوان حلال خرج به الحرام، فلا يسمى صيدا ما يصيد الإنسان شيئا محرما، ويقول: هذا صيد، فلابد أن يكون حيوانا حلالا. وقوله: حلال متوحش طبعا، يعني طبعه أنه متوحش مما يعيش في البر ويهرب. فلو صار مستأنسا، وأمكن تذكيته، فهذا هو الواجب في حقه التذكية. في الأصل فيه أنه متوحش ويعيش في البر، فيكون حكمه الاستياد والاقتناص. غير مملوك يعني لأحد مما يعيش في البر، ولا مقدور عليه يعني لذبحه وتذكيته. قال: ثانيا مشروعية الصيد: الصيد مشروع مباح لقوله تعالى: ﴿وحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾، وقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾، ولحديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل». قال: هذا إن كان الصيد لحاجة الإنسان، أما إن كان لمجرد اللعب واللهو، فمكروه لكونه من العبث، ولنهيه صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم، أي تتخذ غرضا للرمي. قال: المسألة الثانية: الصيد المباح وغير المباح. قال: الصيد كله مباح، بحريه وبرية، إلا في حالات. الحالة الأولى: يحرم صيد الحرم للمحرم وغيره، وذلك بالمجمع، لقوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض»، إلى قوله: «لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده». والحديث في الصحيحين، حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قال الحافظ: من حجر قتله، وكناية عن الاصطياد، يعني قوله: «لا ينفر صيده»، هذا نهي عن صيد الحرم، عن اصطياد صيد الحرم. قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى، يعني إذا كان مجرد تنفيره وتشويشه وتنفيره من محله لا يجوز، فاصطياده من باب أولى، استياده من باب أولى أنه لا يجوز. فصيد الحرم لا يجوز للإنسان أن يصيده، سواء كان محرما أو غير محرم، فهذا مما يستثنى من أصل حل الصيد. قال: الحالة الثانية: يحرم على المحرم صيد البر أو استياده، أو الإعانة على صيده بدلالة أو إشارة أو نحو ذلك، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، وقوله: ﴿وأنتم حرم﴾ هذه الجملة الاسمية في محل نصب على الحال، أي حالة كونكم محرمين. وكذلك يحرم عليه الأكل مما صاد، قوله: يحرم على المحرم صيد البر أو استياده، للآية: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، وقوله جل وعلا: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامكم متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾. وقوله: أو الإعانة على صيده بدلالة أو إشارة، لحديث أبي قتادة لما صاد حمارا وحشيا فأكلوا وهم محرمون إلا أبا قتادة لم يحرم، فصاد أبا حمارا وحشيا، لما أتوا النبي عليه الصلاة والسلام سألوه عن ذلك، قال: «هل أحد منكم أعانه أو أشار إليه؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا». فدل ذلك على أنهم إذا أعانوه أو أشاروا إليه للصيد أو أعانوه كأن أعطوه الرمح أو السلاح فهذا لا يجوز، لا يجوز للمحرم أن يأكل من هذا الصيد. أما إذا لم يعنه ولم يشر له بشيء جاز له أن يأكل من هذا الصيد، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على أكلهم من الصيد الذي صاده أبو قتادة لأنهم لم يشيروا إليه ولم يعينوه. قال: وكذلك يحرم عليه الأكل مما صاده أو صيد لأجله أو أعان على صيده، لقول تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾. وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا أهداه إليه الصعب بن حثامة، وقال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». يعني من أجل أنا حرم. فإذا صاد الإنسان وهو حلال صيدا من أجل فلان المحرم، هنا لا يجوز للمحرم أن يأكل منه، لا يجوز أن يأكل مما صيد لأجله، أو كذلك مما صاده بنفسه. لهذا الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». استشكل بعض العلماء هذا الحديث مع حديث أبي قتادة، حيث أقر النبي صلى الله عليه وسلم على أكلهم من الحمار الوحشي وهم محرمون، وهنا قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». فجمع العلماء بين الحديثين، أن حديث الصعب رده النبي عليه الصلاة والسلام لأنه صيد لأجله، لأنه صيد لأجله. وفي حديث أبي قتادة لم يصد لهم، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يأكلوا. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. صلى الله عليه وسلم.