الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 94، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الحمد هو أوسع الصفات وأعم المدائح، ويتجلى في أسماء الله وصفاته وأفعاله وأحكامه. العلم بكمال الله هو أساس الحمد العظيم.
معرفة أسماء الله وصفاته مثل القدرة التامة والعلم المحيط والرحمة الواسعة تعزز فهم شمول معنى الحمد. الله وحده لا شريك له في ملكه أو تدبيره.
يجب الإيمان بأن ما يختاره الله خير مما يختاره العبد لنفسه، والإيمان بقضائه وقدره. المعرفة بحقارة المخلوق مقارنة بالخالق تعزز اليقين بخيرية اختيار الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال، فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح، والطرق إلى العلم به في غاية الكثرة، والسبل إلى اعتباره في ذرات العالم وجزئياته وتفاصيل الأمر والنهي واسعة جدًا؛ لأن جميع أسمائه تبارك وتعالى حمدٌ، وصفاته حمدٌ، وأفعاله حمدٌ، وأحكامه حمدٌ، وعدله في انتقامه من أعدائه حمدٌ، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمدٌ، والخلق والأمر إنما قام بحمده، ووجد بحمده، وظهر بحمده، وكان لغايةٍ هي حمده؛ فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله؛ فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيءٍ بحمده، وسريان حمده في الوجودات، وبهور آثاره فيه أمرٌ مشهودٌ بالأبصار والبصائر، ولا يكون هذا الحمد إلا بعلم؛ فمن علم كمال الله عز وجل في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وعظيم إنعامه وإحسانه إلى خلقه، وفي مخلوقاته؛ اجتمعت عنده من معاني الحمد العظيمة ما يكون فوق الموجود، ليس فقط في الموجودات؛ بل فوق الموجودات. وقوله: «أن آثاره ظاهرة ومشهودٌ بها بالأبصار والبصائر» كذلك؛ فأما ما كان في الموجودات فهذا مشاهدٌ بالأبصار، أي الأعين، وما كان من المعاني مما هو أعظم من الموجودات؛ فإنه يشاهد بالبصائر، أي بالقلوب والعقول؛ فالعقول الكاملة السليمة ترى بنور الله عز وجل؛ فالبصائر الكاملة هي التي تبصر معاني الحمد، وأما الناقصة والقاصرة؛ فإنها لا تبصر هذه المعاني العظيمة؛ ولهذا كان أكمل الناس معرفةً بالله هم أهل التوحيد والإيمان والسنة؛ لأنهم رأوا بنور الله عز وجل ما جمع لهم معاني الحمد كلها». قال رحمه الله تعالى: «فمن الطرق الدالة على شمول معنى الحمد وانبصاطه على جميع المعلومات معرفة أسمائه وصفاته، وإقرار العبد بأن للعالم إلها حيا جامعا لكل صفات كمال، واسم حسن، وثناء جميل، وفعل كريم، وأنه سبحانه له القدرة التامة، والمشية النافذة، والعلم المحيط، والسمع الذي وسع الأصوات، والبصر الذي أحاط بجميع المبصرات، والرحمة التي وسعت جميع المخلوقات، والملك الأعلى الذي لا يخرج عنه ذرة من الذرات، والغنى التام المطلق من جميع الجهات، والحكمة البالغة المشهود أثرها في الكائنات، والعزة العالية في جميع الوجوه والاعتبارات، والكلمات التامات النافذات التي لا يجاوزه برٌ ولا فاجرٌ من جميع البريات؛ أي أن كل ذلك في حدود أمر الله عز وجل وملكه وإرادته ومشيئته؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. قال: «واحد لا شريف له في ربوبيته ولا في إلهيته، ولا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وليس له من يشركه في ذرة من ذرات ملكه، أو يخلفه في تدبير خلقه، أو يحجبه عن داعيه ومؤمليه وسائله؛ أو يتوسط بينهم وبينه بتلبيس أو هرج أو كذب كما يكون بين الرعايا وبين الملوك؛ ولو كان كذلك لفسد نظام الوجود وفسد العالم بأسره؛ ﴿فَلَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾؛ فلو كان معه آلهة أخرى كما يقوله أعداؤه المبطلون؛ لوقع من النقص في التدبير وفساد الأمر كله، ما لا يثبت معه حال ولا يصلح معه وجود. ومن أعظم نعمه علينا، وما استوجب به حمد عباده له؛ أن جعلنا عبيدا له خاصة، ولم يجعلنا نهبا منقسمين بين شركاء متشاكسين، ولم يجعلنا عبيدا لإله نحتته الأفكار؛ لا يسمع أصواتنا، ولا يبصر أفعالنا، ولا يعلم أحوالنا، ولا يملك لعابديه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا تكلم قط، ولا يتكلم، ولا يأمر ولا ينهى، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا يصعد إليه الكلم الطيب، ولا يرفع إليه العمل الصالح؛ وهذا كله لا يكون إلا لله عز وجل؛ فهذا من خصائص الرب العظيم سبحانه وتعالى. فمن اجتمعت له أسباب المعاني كلها كاملا في ذاته، كاملا في أسمائه وصفاته، عظيما في عظيم إنعامه وإحسانه وتقديره وأفعاله؛ هذا هو الإله الحق الذي لا يجز أن يلتفت إلى غيره، بل يجب أن يعلم العبد الذي كملت عبوديته؛ أن ما يختاره الله له خير مما يختاره لنفسه؛ وهذا هو المقصود في باب القضاء والقدر؛ إذا كمل الإيمان بالله كمل الإيمان بقضائه وقدره؛ وإذا كمل إثبات المحامد لله كمل كذلك حمده على ما كان من أفعاله في خلقه من خير وشر. وهنا محل النزاع مع المخالفين من أهل البدع والأهواء؛ فإنهم يزعمون إما أن الشر لا يضاف إلى خلقه، وهذا خطأ معارض للقرآن؛ قال الله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، وإما كذلك أن ينفوه من قدره؛ وكل الطائفتين الضالتين -القدرية نفاه من خلقه، والقدرية الغلاة ضلوا في هذا الباب- لضلال علمهم بالله سبحانه وتعالى. وأما من كمل علمه بالله؛ يعلم علم اليقين، وعنده من برد اليقين ما يعلم أن ما اختاره الله له خير مما يختاره لنفسه؛ لعلمه من معاني محامد الله ما يوجب هذا اليقين وهذا البرد؛ ويضرب مثالا -ولله المثل الأعلى-: لو ركبت في سفينة، وكان ربانها باتفاق العقلاء وبتكرار تجارب من ذهب، وسافر معه أنه لا نظير له فضلا أن يكون أفضل منه؛ فإنك ستسلم له أمور قيادة هذه السفينة حتى في وسط الأخطار؛ وتعلم أن كل رأي تختاره لنفسك لن يكون مثل رأي هذا الربان؛ فسترضى أن يختار لك ما هو خير مما تختاره لنفسك؛ ولو رأيت أن الخير فيما تريد أن تختاره؛ ربما إذا اشتدت العواصف، وكذلك عظمة الأمواج؛ تأتي أفكار مع الخوف ومع رؤية قدوم الموت والخطر؛ أن النجاة في غير ما يختاره ذلك الربان؛ لكن العاقل يعلم أن الربان لن يختار لنفسه ولا لمن معه إلا ما هو أفضل وأسلم؛ فعند ذلك سيتراجع عن كل رأي يختاره لنفسه. فإذا كان هذا بحق مخلوق ضعيف؛ فكيف بحق الخالق العظيم الذي يعلم السر وأخفى، والذي سبحانه وتعالى له ملكوت السماوات والأرض؛ وكل شيءٍ عنده بمقدار؛ لا شك أنه عند ذلك سيكون عندك يقين لا يدخله ذرة شك؛ أن ما يختاره الله لك خير مما تختاره لنفسك؛ وعند ذلك يعظم فهم قول الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ وهذا هو الحق؛ وعند ذلك يزول الإشكال في باب القضاء والقدر الذي وقع في نفوس بعض من حرم هذه المعرفة.