شرح لامية ابن الوردي 19

الدرس في شرح لامية ابن الوردي 19، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أسباب النقد الباطل والظلم الموجه لأهل الحق

يبيّن المتكلم أن النقد الباطل ينبع من فهم سقيم أو رغبة في الشهرة أو حسد لأهل الحق. ويضرب المثل بطيب الورد الذي يجذب الأذى، فكذلك الداعي إلى الحق يُؤذى بغير حق.

شرح تشبيه العائب بالجعل وتحذير من سهام اللفظ

يفسر الناظم تشبيه العائب بالجعلة التي تتأذى بالطيب وتأنس بالقذر، مبيناً نفور العاقد من المواعظ الحسنة. ويحذر من سهام اللفظ الحادة المشبهة بسهام ثعل، فمن يعرض نفسه لها يصيبه الهلاك المعنوي.

تحذير الناظم من الاستخفاف به وتشبيه نفسه بالحية والماء

يفسر المقطع بيتين يحذر فيهما الناظم من اغترار الخصوم بلينه، مشبهاً نفسه بالحية اللينة الملمس ذات السم القاتل. ويشبّه هدوءه بالماء العذب الذي إذا سخن صار مهلكاً، مؤكداً أن حلمه يتحول إلى حجة قاطعة تنتصر على المعتدين.

تحذير من الاغترار بالسهولة والاستخفاف بالنظم الإلهية

يحذر المتحدث من الانخداع بهدوء الأمور وسهولة الوصول إليها، وينبه إلى خطورة الاستخفاف بها. ويؤكد أن هذا التحذير هو مقصود النظم الإلهية، مختتماً الجلسة بدعوة المؤذن للصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال ابن الورد رحمه الله تعالى في منظومته اللامية: «أيها العائف قولي عابثاً إن طيب الورد مؤذن بالجعل». أيها هنا نداء ينادي العائب، والعائب يعني من العيب، والعائب اسمه فاعل من الفعل عاب، فهو يقول: أيها العائب قولي. ولكن هذا العيب ليس في موضعه وليس بحق، بل هو عبثاً. وإذا قال عابثاً، والعبث هو الشيء الذي لا فائدة فيه ولا حكمة، كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾، يعني من غير غاية ولا حكمة ولا فائدة، فتعالى الله الملك الحق. ف هنا قوله: «أيها العائب قولي عابثاً» ليس محقاً، وإنما عابثاً. وهذا العيب من ذاك العابث له أسباب، له أسباب من ينتقدك في أقوالك وفي نصحك بالعبث والظلم ونحو ذلك، هذا له أسباب. فمن ذا من تلكم الأسباب؟ من تلكم الأسباب الفهم السقيم، أنه يفهم فهماً سقيماً خاطئاً لضعف عقله ولهوى نفسه ونحو ذلك، كما قال القائل: «وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم». يأتي ينتقد عليك: أنت أخطأت، وأنت فعلت كذا وكذا، وأنت انحرفت، وأنت كذا. فإذا طالبته بالحجة والبرهان، فإذا هو في واد وأنت في واد آخر. أنت قصدت شيئاً وهو قصد شيئاً آخر، وهو قصد شيئاً آخر. فهذا من أسباب، هذا من أسباب الانتقاد بالعبث والظلم. وكذلك من الأسباب الشهرة والظهور، الشهرة والظهور. فكما يقال: خالف تعرف. من أراد أن يشتهر يخالف الحق الواضح المبين. كما يقولون: أحدهم أراد أن يعرف فدخل المسجد فبال في المسجد، حتى يقال: فلان بال في المسجد، فلان بال في المسجد. خالف شيء عظيم هذا في شرع الله، لكن فعل هذا من أجل أن يعرف وأن يذكر. واضح هذا، هذا كذلك من الانتقاد بالعبث. وكذلك منها الحسد، الحسد أيضاً سبب لعيب القول بالعبث لا بالحق، لأنه قد أعلن العداوة على هذا المحسود، فهو يحاربه بالأقوال والأفعال، ومن ذلك تخطئة أقوال ذلك المحسود. وكما قال القائل: «حسد الفتاة إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها سفهاً وتيهاً إنه لذميم». فهمتم هذا البيت؟ حسدوا الفتاة إذ لم ينالوا سعيه، رأوه قد صار له القبول وصارت له المحبة بين الناس وتوالت عليه النعم، فحسدوه لأنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه، لأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه، لم ينالوا سعيه، فالقوم أعداء له وخصومه بسبب هذا الحسد. كضرائر الحسناء، الضريرة هي الزوجة التي تشارك المرأة في زوجها تسمى ضريرة، وضرائر جمع ضريرة. كضرائر الحسناء يعني رجل تزوج أربع نساء، ها واحدة من هذه الأربع ما شاء الله غاية في الجمال، أجمل النساء الأربع، فماذا تتوقع من الثلاث؟ ها سيحسدن هذه الجميلة، فيأتين عن زوجها ويقولون له: وإيش هذه المرأة التي تزوجت عليها؟ هذه امرأة ذميمة، امرأة يعني ما فيها جمال. كضرائر الحسناء قلن لزوجها سفهاً وتيهاً إنه لذميم. وهكذا من يقول بالحق ويدعو إلى الحق، ومن أنعم الله عز وجل عليه وظهر نفعه وظهر إخلاصه، سيقول عنه الحساد: هذا ما عنده شيء، هذا ما عنده علم، هذا يدور ويحوص في الدرار المضيئة، وهذا ما عنده إلا زفة هيلوكس، والمركز مليان والعلم موجود. وكضرائر الحسناء قلن لزوجها سفهاً وتيهاً إنه لذميم. الناس سيضحكون عليه، يقولون: اتق الله، هذا نرى، نحن نرى أثر دعوته ونرى محبة الناس له ونرى استقامته على الدين وعلى السنة، كيف أنت تقول هذا؟ سينكر عليه الناس. ف هنا يقول: «أيها العائب قولي عابثاً إن طيب الورد مؤذن بالجعل». والمعنى: إن طيب الورد يعني رائحة الورد الطيبة الحسنة، مؤذن من الإيذاء يعني وصول الضرر بالغير. إن طيب الورد مؤذن بالجعل، الجعل جمعه جعلان، وهي دويبة صغيرة سوداء لا يعيش، لا يعيش إلا في الزبالة وبين العذرة. فهذه الدويبة إذا شمت رائحة، أو إذا شمت رائحة طيبة، تتأذى بتلك الرائحة، تتأذى بتلك الرائحة. فهمتم المعنى الآن؟ فهو يقول لهذا الذي يعيبه بالعبث: ما مثلك إلا كمثل هذه الدويبة، ما تشم إلا الروائح الكريهة، فإذا شمت رائحة طيبة تأذت من هذه الرائحة، تأذت من هذه الرائحة. فيكون المعنى: أيها العائب قولي حسداً، والعابث له بغضاً وعناداً، فما مثلك وما منزلتك إلا كمنزلة الجعل في كونك إذا سمعت المواعظ والنافعة والنصائح الطيبة أعرضت عنها وتأذيت من سماعها، وتأذيت من سماعها. وأما إذا جلست في مجلس جهل ومجلس كذلك مرض للقلوب، رتعت فيه وجلست فيه، فما مثلك إلا كمثل الجعل. عرفتم الدويبة يعني مثل كأنها موجودة عندنا، أحياناً هناك حشرة إذا لمستها هكذا تشم منها رائحة كريهة، أشتم عندكم صغيرة سوداء، يعني إذا مسكتها هكذا ثم تشم أصبعك تشم رائحة كريهة، هذا موجود أحياناً تظهر، صح كأنها شبيهة به. الجعل هذا تحب، تحب الروائح الكريهة، ولذلك رائحتها كريهة، وتتأذى من الروائح الطيبة. فالذي ينتقد أهل الخير وأهل الصلاح وأهل المصح بالعبث، هذا ما مثله إلا كمثل هذا الجعل، ما يحب إلا مواطن القاذورات، وهنا القاذورات تكون معنوية: الجهل والطيش والكلام البذيء. أما إذا سمع الكلام الطيب فإنه ينفر منه ويتأذى منه. هذا هو المعنى، هذا هو المعنى الذي أراده الناظم في هذا البيت، والله تعالى أعلم. ثم قال: «عدي عن أسهم لفظي لا يصيبنك كسهم من ثعل». عدي، بخفض العين وتشديد الدال، فعل أمر من التعدية بمعنى المجانبة، كأنه من عدّى يعدي بمعنى يجانب. طيب، طيب يجانب، يجانب. فهو يقول: عدي عن أسهم لفظي، أسهم جمع سهم، أسهم جمع سهم. فهو يجانب، فهو يقول لهذا العائب باللعبث: جانب عن الألفاظ التي هي كالسهام في الإصابة والتأثير، يعني تجنبها ولا تتعرض لها، استتر عنها. عرفتم المعنى؟ عدي عن أسهم لفظي واستتر، يعني اجتنب عن ألفاظي، يعني عن أبياتي هذه وأقوالي التي أقولها، لا تتعرض لها بشيء، واستتر عنها يعني يكون بينك وبينها ساتر، لا تقترف منها بالطعن والعيب ونحو ذلك. ولذلك قال: «لا يصيبنك سهم من ثعل»، يعني إن تعرضت لها سيصيبك سهم من ثعل. وثعل بطن من قبيلة طي، بطن يعني فخذ من قبيلة طي، وهذا الفخذ أو البطن مشهور بجودة الرمي، مشهور بجودة الرمي وإصابة السهام، وإصابة السهام. فهو يقول له: إن ألفاظي مثل سهام قبيلة ثعل في الإصابة وعدم الخطأ، فلا تستطيع أن تنتقدها ولا تستطيع أن تطعن فيها. فإمتم هذا المعنى الآن، فكأنه يقول: احذرها حتى لا يصيبنك شيء منها، حتى لا يصيبنك شيء منها فتصير مصروعاً وتصير مقتولاً. ويريد هنا الشيء المعنوي، وتعلمون أن المبطل سهام أهل الحق إليه في الجرح وكشف عورته أشد عليه من السهام الحسية، أشد عليه من السهام الحسية. ولذلك يتألم المبتدعة والمبطلون من سهام أهل الحق، من سهام أهل الحق. فهو يقول له: تجنب أيها العائب والعابث، واستتر عن تعييب الفاضي التي قلتها في هذه الأبيات على وجه النصح لمن ينتصر، فإنك إن جعلت نفسك غرضاً لها يعني بالتعرض لها بمجرد الحسد، فلا تخطئها بل تصيبها، يعني تصيبك هذه الأبيات وتهلكك مثل إهلاك سهام قبيلة ثعل المشهور بإصابة السهام وقلة خطف الرمي. هذا هو المعنى الذي أراده الناظم من هذا البيت، والله تعالى أعلم. ثم قال: «لا يغرنك لين من فتى إن للحيات لينا يعتزل». لا يغرنك، من الغرور وهو المخادعة. لين، من الملاينة وهو ضد الخشونة، ضد الخشونة. وقوله: من فتى، يعني أي شخص، أو كأن الناظم في هذا يريد نفسه، يعني يقول له: لا يغرنك ولا يخدعنك ليني، أو كذلك لطفي معك في الظاهر، لطفي معك في الظاهر. لا تغتر بهذا، بعض الناس تجده هادئاً ليّناً يتكلم عليه وهو ساكت، فيظن الخصم أن هذا ضعيف، يظن أن الخصم المتكلم فيه أن هذا ضعيف، ما يهش كما يقال ولا ينش، ما يستطيع أن يفعل شيء، أنا سأتكلم عليه وسأكتب عليه. قال له: لا تغتر بسكوتي، لا تغتر بسكوتي، أو بليني معك، أيها الناقد وأيها العابد وأيها العائب، لا تغتر بسكوتي، لا تغتر، إن للحيات لينا يعتزل. إن للحيات لينا يعتزل، الحية معروفة تلك المخلوقة التي خلقها الله، وفيها من السم الزعاف يملأ جوفها، يملأ جوفها. ولكن ظاهرها لين، الحية إذا مسكت فيها تجدها لينة جداً، رطبة، تجدها ماذا؟ رطبة زي الماء، زي الماء كما قلت. فهو يقول: إن للحيات لينا، لكن هذا اللين يعتزل، ومعنى يعتزل يعني يجتنب، لأنك إذا قربت إليها ربما لدغتك. فهو يقول: إن الحية لينة الملمس وسهلة الحركة، لكن في جوفها السم الزعاف والحتف المؤكد، يعني ربما تلدغك فتقتلك، صح، أو تلدغك فتمرضك مرضاً شديداً. واضح. فكأن الشاعر في هذا البيت يعني نفسه، يحذر من استضعافه، يحذر من استضعافه. يقول: لا تستضعفني يا من ينتقد علي بالعبث ويتعرض لي بالباطل، لا يغرك أنني هادئ وأنني ساكت وأنني لين معك، لكن انتبه، انتبه، فربما إذا غضبت تضررت مني ضرراً بالغاً، ورميتك رمياً شديداً. كما يقولون: السكوتي نكوتي، عندنا مثل هنا يقولون: السكوتي نكوتي، يعني لا تقول هذا الساكت ما فيه خوف منه، لا، ربما يكون خوفه، الخوف منه يكون أشد من ذاك المثرثر أو ذاك المتكلم أو نحو ذلك. فهو هنا يحذر من ماذا؟ يحذر الناظم رحمه الله من الاستخفاف به ومن استضعافه. يقول: لو أنا شوف مثل الحية، تجدني ليّناً، لكن إذا قربت مني وكثر لطمك، سترى ماذا سيصدر مني، سترى ماذا سيصدر مني، سأستلمك استلاماً وأصرعك صرعاً ونحو ذلك من هذه المعاني. فهو يحذر من الاستضعاف والاستخفاف به. ثم قال: «أنا مثل الماء سهل سائغ ومتى سخن آذى وقتل». لا يزال يبين للعائب العابث أنه ليس بضعيف، وأنه ليس بكذلك مستسلم لما يقال عنه بالباطل، فما مثله إلا مثل الماء، وكأنه يريد بالماء هنا الماء الكثير أو الجاري، فهو ماء عذب لا يتغير بطول مكث أو بوضع نجاسة فيه لأنه كثير وجاري، الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث. ويقول: أنا لا أتغير ولا أتأثر بما تقول وبما تطعن، لأن قولك باطل. أنا مثل الماء سهل سائغ، يشرب وتسد به حاجة العطشان، تسد به حاجة العطشان. طيب، فلا أتأثر بقولك ولا أتأثر بانتقاداتك، بل أنا سهل وأنفع الناس يستفيدون من علمي. لكن الماء متى سخن آذى وقتل، سخن يعني غلي بالنار وصار حاراً، صار حاراً شديد الغليان، إذا شربه الشارب إما أن يؤذيه ويمرضه وإما أن يقتله. رأيته أن إنساناً أخذ ماء غاية في الغليان ثم شربه مباشرة، لا شك أنه ربما يموت الآن. ربما واحد منا إذا شرب الشاي وهو حار يعمل له لدغة في لسانه، لدغة، أو الأكل الحار يؤثر، فكيف لو ماء غالٍ تشربه؟ إما يؤذيك وإما يقتلك. فهو يقول: انتبه، أنا مثل الماء السائغ، لكن إذا غضبت وإذا عزمت على الانتصار، فإنني سأؤذيك وأقتلك بما أرد به من الحق ومن العلم ومن الحجة والبيان. فهمتم هذا الآن؟ فكأنه يقول: لا تغتر بأنني مثل الماء سهل وسائغ، مثل البيت الأول لا تغتر أنني لين وهين، وكذلك ساكت وهادي. فهذا مثل الحية، لين لكنها إذا لدغت، الله يستر عليك. وهكذا أنا مثل الماء سهل، ويستطيع كل أحد أن يشرب هذا الماء، لكن إذا سخن وشربه الإنسان آذاه أو قتله. لا تغتر بهدوء وسهولة الوصول إلي أو نحو ذلك، ويحذر من الاستخفاف به ومن استضعافه. فهمتم هذا الآن؟ هذا هو الذي أراده النظم، ونكتفي بهذا في هذا اليوم، وإلى هنا والله تعالى أعلم، يؤذن المؤذن.