الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  173

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 173

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 173، ألقاها

مقدمة في سند الحديث وترجمة الإمام النسائي

يتحدث هذا الفصل عن الإمام النسائي وفضله في علم الحديث، مع ذكر سند الحديث الذي رواه عن شيوخه وتوضيح لتراجم بعض الرواة وأحوالهم.

شرح حديث المؤمن يموت بعرق الجبين

يفسر هذا الفصل حديث المؤمن يموت بعرق الجبين ويبين معانيه المختلفة، حيث يختلف العلماء في تفسيره بين كونه بسبب شدة الأهوال أو فرح المؤمن بملائكة الرحمة.

علامات حسن الخاتمة وأهمية الخوف من سوء الخاتمة

يناقش هذا الفصل علامات حسن الخاتمة مثل الموت على طاعة أو في سبيل الله، ويبرز أهمية الخوف من سوء الخاتمة لدى العلماء وكيف دفعهم هذا الخوف للتقوى والاستعاذة بالله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا أبو عبد الله نهاد الوادي رحمه الله تعالى: قال الإمام النسائي رحمه الله تعالى، وهو أحمد بن شعيب بن بشير النسائي، رحمه الله، أبو عبد الرحمن، كان إماما في علم الحديث. كان يقول الإمام الدارقطني: النسائي أعلم من مسلم في علم الحديث. قال: أخبرنا محمد بن معمر، ومحمد بن معمر هو أبو عبد الله القيسي التميمي البصري، وهو ثقة. قال: حدثنا يوسف بن عقوب، وهو أيضا تميمي نمري، أو يقال نمري، وقيل أنه تميم. قال: حدثنا كهمس، وهو ابن الحسن البصري الضبعي، قيل أنه ضبعي أصل، وقيل إنما كان ينزل عندهم، أي ينزل إلى قبيلة ضبعان. قال: حدثنا كهمس عن ابن بريدة، وهو عبد الله بن بريدة، وهو قاضي مر، وكان رحمه الله ثقة، لكن أكثر أهل العلم على أن أخاه سليمان أوثق منه، وهما توأم، سليمان وعبد الله توأم. عبد الله بن بريدة خرج قبل سليمان، لهذا يذكر أنه لما ولدت به أمه كان أبوه في مجلس عمر في المدينة، فقال: فلما ولدت أخرجت الأول، فذهب غلام من غلمانهم فبشره، وقال: إنك قد زادك اليوم مولودا، فقال: اذهب أنت حر لوجه الله، ثم أخرجت الثاني، أن أخرجت سليمان بعده، فذهب غلام آخر إلى بريدة وهو في مجلس عمر، فقال له: إنه قد زادك غلاما، قال: قد بشرني قبلك، قال: هو آخر، فسكت. فقال عمر: اعتقه أيضا، على أن اعتقت الأول اعتقت الثاني. قال: فاعتقه لتبشيره بذلك. فكان توأم، رحمة الله عليهما. ثم سكن بعد ذلك البصرة، ثم بعد ذلك كانوا في مر، وكان بريدة في الثغور، رضي الله عنه. قال: عن نبيه، وهو بريدة بن حصيب الأسلمي، صحابي الجليل الذي عاش أكثر وقته في الجهاد في سبيل الله حتى في آخر عمره، رضي الله عنه، ومات في مر في مكان الحظر. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «المؤمن يموت بعرق الجبين». قال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري. قال: هذا الإسناد نفس الإسناد الذي في حديث عمر، لكن رواه كهمس عن ابن بريدة عن عبد الله بن عمر. قال: «المؤمن يموت بعرق الجبين». ومعنى هذا الحديث قيل: إن المراد يموت بعرق الجبين من شدة الأهوال التي يجدها والنزع، فيعرق. قيل: إنه من شدة النزع، نزع الروح وما يجده من الأحوال، يعرق. ومعنى يجد المؤمن يجد شيئا من القرب عند موته، وأيضا يجد شيئا من السكرات، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن للموت لسكرات». وكذلك قول الله عز وجل: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾، فالموت له سكرات، له أشياء خاصة، المؤمن تأخذ هذه السكرات لأجل أن تكون كفارة له. فهذه السكرات تجعل المؤمن يعرق. هكذا قال بعض العلماء أو بعض الشراح. وبعض قال: إنما يعرق لما يجده من السرور عندما يجد ويستبشر بالملائكة، لما يأتيه ملائكة الرحمة وملائكة حسن الوجوه، فيأتون عنده مد البصر، فلما يراهم المؤمن يفرح بذلك ويسر، من شدة فرحه حتى يعرق، فيؤثر العرق أو يأتي العرق في جبينه، أن الجبين هي الجبهة، فيكون العرق فيها. فقالوا: إن هذا بسبب فرحه وسروره، وهذا احتمال. وقال بعض العلماء: إنما هذا الأمر جعله الله عز وجل العلامة للمؤمن، علامة من حسن الخاتمة، أن يجعل جبينه يعرق، قد يكون بسبب وقد يكون بغير سبب. فالمؤمن يعرق جبينه عند الموت. لكن هل معنى عرق الجبين يدل على أن الإنسان هو مؤمن أو أنه من الصالحين؟ لا، لكن هو يدل على أن علامة إذا كان للمؤمن تدل على حسن خاتمته. فذكره العلماء من حسن الخاتمة، وليس أن مثلا الشخص إذا كان كافرا أو كان فاجرا بعرق الجبين أن هذا علامة على حسن موته. وإنما المؤمن المعروف بصلاحه والمستور، فهذا علامة على صلاحه وحسن خاتمته. وكذلك أيضا حسن الخاتمة كثيرة. ولأن حسن الخاتمة هو من أعظم الأمور التي ينبغي المؤمن أن يسألها الله عز وجل، لأن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: «إنما الأعمال بالخواتيم». فمن ختم له خيرا فهذه بشارة عظيمة له، ومن ختم له الشر فهي أيضا بشارة للشر وتحذير له، أو أنه انذار بأنه فيه شيء لم يكن الله عز وجل راضيا عنه. لكن المؤمن يوفقه الله عز وجل بتوفيقه سبحانه وتعالى بحسن الخاتمة، إما أن يموت وهو يصلي، إما أن يموت وهو يقتل شهيدا في سبيل الله، أو يموت في سبيل الله، أو يموت وهو أيضا في أعظم الأمور من ذكر الله جل وعلا. في العلم هناك من الأئمة مات وهو يقرأ، كالإمام مسلم رحمه الله. كذلك يذكر عن ابن معين بعضهم مات وهو يعلم، يحدث فمات. وهكذا أيضا بعض العلماء كان ذاهبا إلى الصلاة، مثل عمر رضي الله عنه قتل وهو ذاهب إلى الصلاة، وعلي رضي الله عنه. وهكذا أهل الصلاة بحمد الله يموتون بخاتمة حسنة، يختم الله عز وجل لهم الخاتمة الحسنة. ولهذا قال محمد بن يوسف الفريابي: بيت عند سفيان الليلة وهو مريض، فكان يبكي طول الليل. قال: فلما أصبح قلت: ذلك كله من خوفا من الموت أو فزع من الموت؟ قال: فأخذ عودا وألقاه، ثم قال: الموت أهول من هذا، وإنما ذلك خفت أن أموت على سوء الخاتمة. وهو سفيان ذاك العبد الصالح الذي كان رجلا علم ورجل زهد ورجل فقه وعلم، وكل أكثر الصفات فيه من ناحية الزهد، كان أكثر الناس زهدا. قال عبد الله المبارك، وهو إمام الزهد: كنا نجلس عند سفيان الثوري، وكأن النار بين يديه، وكأن النار بين يديه. فلهذا كان أولئك العلماء بهذه المثابة، وكانوا يخافون أن تسيء خاتمتهم. فلهذا كان يسألون الله الخاتمة الحسنة. والله تعالى أعلم. أسأل الله أن يختم لنا ولكم بخير.

شاركنا على