الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  189

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 189

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 189، ألقاها

تحذير النبي من إحباط الأعمال الصالحة

يشرح الحديث النبوي الذي رواه ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم حول إحباط حسنات بعض الأقوام بسبب انتهاكهم لمحارم الله. يبين سند الحديث وشرح ألفاظه ومعانيه.

وصف أناس بأعمال صالحة تحبط بسبب المعاصي في الخلوات

يصف الحديث النبوي أناسا بأعمال صالحة تحبط بسبب انتهاكهم لمحارم الله في الخلوات، ويوضح أن المراد ليس الإحباط الكلي بل للأعمال التي يفعلونها في السر.

انتهاك محارم الله والمعاصي العلنية وتأثيرها

يشرح الحديث النبوي حول من يظهر الخير ويخفي الشر، ويبين أن انتهاك محارم الله في الخلوات أو مع أناس مخصوصين يعتبر من المعاصي الكبيرة، ويتناول الجمع بين هذا الحديث وحديث الجهر بالمعاصي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجة رحمه الله، وهو محمد بن يزيد القزويني، ابن ماجة القزويني: حدثنا عيسى بن يونس الرملي، وهو أبو موسى الرملي، وثقه بن معين وغيره. والرملي من الرملة بفلسطين. قال: حدثنا عقبة بن علقمة بن خديج المعافري، «أنا» بالخاء خديج، وبعضهم يرويه بالحاء، لكن الحافظ يقول: إن من يرويه بالحاء خطأ، وإنما هو بالخاء المعجمة خديج. عقبة بن علقمة بن خديج المعافري، وهو كذلك شامي من دمشق أو من بيروت، وهو ثقة، إلا أنه أخذ عنه أمران: وهو رواية ابنه عنه، إذا روى عنه ابنه محمد فحديثه ضعيف؛ لأن محمدا كان يدخل على أبيه الأحاديث. وكذلك أيضا إذا روى عن الأوزاعي، إذا روى عن الأوزاعي أيضا فحديثه ضعيف. لكن إذا خلى من هذين الأمرين فحديثه صحيح، وهنا خلى من الأمرين. قال: عن أرطاة بن المنذر، وهو أيضا بيروتي شامي، وهو من ثقات أهل الشام. قال أحمد: ثقة، ثقة، وكان رجلا عابدا زاهدا، عرف في أهل الشام بالخير والعبادة، وجهله ابن المديني، لعله لم يكن يعرفه. وقال أبو زرعة الرازي -أقصد أبو زرعة الدمشقي- أشبه أحمد بن حنبل بأرطاة بن المنذر، أي في زهده وعبادته بأرطاة بن المنذر. قال: عن نبيه عامر للهاني، وهو عبد الله بن غابر للهاني، وهو أيضا صدوق، لبس به. قال: عن ثوبان، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا أخبرن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا، فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا». قال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: «أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». قال الشيخ: هذا حديث حسن، وأبو عامر هو عبد الله بن غابر. فهذا الحديث تفرد به ابن ماجة من بين الكتب الستة، بل حتى أنه ليس موجودا في مسند الإمام أحمد. ولهذا بعضهم أخذ أيضا على هذا، على أنه تفرد ابن ماجة، غالبا يكون فيه مناكير، لكن هذا على الغالب، فإذا صح الحديث أو صح الإسناد فالحديث صحيح، مثل هذا الحديث. هذا إسناد شامي، معناه: يرويه أهل الشام عن ثوبان رضي الله عنه، ثوبان أيضا قد نزل الشام، فهو إسناد صحيح أو حسن؛ لأن بعضهم تكلم فيهم، كما في الكلام في عقبة بن علقمة، وكذلك في أبي عامر للحال، لكنه صحيح أنهم ثقات. وهذا الحديث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أقواما من هذه الأمة يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا، والمراد أنها أعمالهم يأتون بها خالصة لوجه الله، ولهذا كانت بيضا لم يشوبها شيء من الرياء. قال: فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا، أي مثل الكفار والمنافقين، يحبط الله عز وجل عليهم أعمالهم. وهل المراد أعمالهم كلها أنها تحبط كلها، ولا يكون له حسنة مثل الكفار والمنافقين؟ فهذا التفسير قد يكون بعيدا، إلا إن حمل هذا الحديث على المنافقين، إن حمل هذا الحديث على المنافقين. لكن ظاهره أن هؤلاء ليسوا أهل النفاق؛ لأنهم معهم أعمال حسنة أحسنوا فيها حتى أنها يأتون بها كجبال تهامة بيضا. فقال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: «أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون»، أي يصلون الليل، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها. فهذا الحديث وضع كثير من العلم عليه إشكالات، ولهذا بعضهم قال: إنه منكر. والصحيح أنه إسناده صحيح كما تقدم، والحديث صحيح أيضا. وأما مسألة الفهم، فهم الحديث، فهذا شيء آخر. فهذا الحديث حمله بعض كما قلنا على المنافقين، لكن المنافقون ليس لهم حسنات، زد على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف حسناتهم كجبال تهامة بيضاء، أي أنها أخلصوا فيها. وأيضا كذلك هؤلاء لهم حسنات كثيرة، حسنات كثيرة، فلهذا فليسوا هم منافقين. لكن هنا كيف تحبط أعمالهم، هم ليسوا بمنافقين؟ فهذا إشكال أيضا. وأيضا هنا قالوا بعضهم أيضا مما دخل في الإشكال هنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ذكر المجاهرة في الأعمال، فقال: «كل أمة معافى إلا المجاهرين»، إلا المجاهر لا يعافى، ولم يذكر إحباط العمل. فالمجاهر أشد من الذي يسر في عمله، فقالوا: كيف هؤلاء تحبط أعمالهم وهم يسرون، وهم يسرون في المعاصي لا يعلنونها؟ وهذه الإشكالات كلها أجاب عليها كثير من أهل العلم. فأولا مسألة الإحباط، الظاهر أنه ليس إحباطا كليا، وإنما إحباط في الأعمال التي يكون فيها معنى الإسرار. وأما الأعمال التي يجهر فيها كالصلوات الخمس، أي أمام الناس يصليها ويفعلها، فهذه لا تحبط. ولهذا ذكر في الحديث قيام الليل، وأنهم يأخذون من الليل كما تأخذون. فالله عز وجل يحبط عليه مثل هذه الأعمال التي فعلها في سر. وأما الأعمال التي يجهر بها فلا تحبط. وليسوا كل من فعل ذلك مرة أو مرتين أو أحيانا ويتوب ويستغفر، وإنما المراد من يتجرأ على محارم الله جل وعلا في خلواته. وهنا قال: «إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها»، لا يدل على أنه سر، لكن قد يظهر عنده ناس بالخير، وهو لهم ناس أيضا يظهر عندهم الشر، فإذا خلى بهؤلاء الناس أظهر الشر عنده، ففعل الأفاعيل من المحارم، وكأنه شيطان من الشياطين. ولهذا كان بعض السلف يقول: لا يكون أحدكم عند الناس قديسا وفي خلواته شيطانا من الشياطين، أي لا يبالي بالله عز وجل ولا بحرماته. وكذلك أيضا يدخل كما قال بعض العلم في ذلك بعض الملوك الظلمة الذين يبيدون الناس، فتجده مثلا في الصلاة يصلي ويصوم، وكذلك أيضا يعمل أعمالا صالحة، لكن تجد مثلا إذا خالفه أحد في أي شيء أمر بقتله، يبعث له ناسا يقتلونه، لا يبالي في حرمات الناس ودمائهم. مثل خوارد، فتجدهم مثلا يتورعون في أمور، وعما في الدماء لا يتورعون. وهذا قد يكون أيضا يدخل من هؤلاء بعض الناس، عرف بعضهم مثلا من كان في جيش أو في كذا، تجد أنه عرف في الصلاة، بل بعضهم كان يصوم، يذكر عنه الصوم في الاثنين والخميس، وإقامة الصلاة، وأول الناس في الصلاة، لكن في هذا الباب لا يتحاشى، لا يتحاشى أحد إذا رأى من إنسان مخالفة أرسل إليه أحدا يقتله، فهذا أيضا انتهك محارم الله، هذا منتهك لمحارم الله. فليس كما قلنا المراد أنه يستتر فقط بمحارم الله، وإنما قد يكون هذا الأمر استتارا، وقد يكون حتى معلنا، لكن عنده ناس يخصونه بذلك. فمعنى يظهر عندهم الشر، وعند الناس الآخرين يظهر الخير. وإذا أظهر الشر لا يبالي، يتجرأ على حرمات الله، فهذا قد يكون كما قال بعض العلم، أو بعض الشراح قد تكون استهانة بمعصية الله جل وعلا، وهذا يصير المعصية كبيرة، تكبر إذا استهان بها العبد ولو كانت صغيرة فتهون في قلبه. وهذا مثل قول الله عز وجل: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول﴾، فلا يستخفون من الناس، ولا يستخفون من الله، يتجرؤون على المعاصي إذا خلوا في خلواتهم، وفي الأماكن الخاصة بهم، أو معهم ناس مخصوصون. فتجد مثلا بعض الناس في بعض القنوات أو بعض هذه التواصلات الاجتماعية، فتجد أنه عنده ناس يأتي بلا حديث، ويأتي بكذا وكذا، لكن له أيضا قنوات أخرى يدخل معهم في أشياء ينتهك فيها حرمات الله جل وعلا، بل هو أول واحد يفعل ذلك، أو يدخل مع نساء يتواصل مع نساء، ويذكر لهن ما حرم الله عز وجل، وغير ذلك من هذه الأشياء. فهذا أيضا داخل في هذا الحديث، انتهاك لمحارم الله. وأيضا الحديث يدل على أنه كما قلنا ليس المراد أنه يفعل ذلك أحيانا أو يستغفر، وإنما يكون دعه ذلك إذا خلا في خلواته، صار شيطانا من الشياطين، لا يبالي بمعصية الله جل وعلا، ولا يخاف، ولا يستغفر، ولا يتوب إلى الله جل وعلا. فلهذا يأتي يوم القيامة مثل هؤلاء، فعملهم عمل المنافقين، عملهم يشبه عمل المنافقين، وإن كانوا لا يعملون الحسنات إخلاصا لله، لكنهم عملهم يشبه عمل المنافقين؛ لأنه في بعض الحالات لا يبالون، وينتهكون حرمات الله جل وعلا. وأما الجمع بين هذا الحديث وحديث الجهر بالمعاصي، فالجهر بالمعاصي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمة معافى إلا المجاهرون»، أو المجاهرين، فهنا لم يذكر أنه تحبط أعمالهم، لكن ذكر أنهم لا يعافون. قيل: أنهم لا يعافون، أي أنهم لا يتوب عليهم الله عز وجل، ولا يوفقهم للتوبة إلى الله سبحانه وتعالى، تحجزهم هذه الذنوب التي يجاهرون بها. لكن كيف أن يجمع بين هذا الحديث وهذا الحديث الذي حمله بعضهم على أن المراد به سرا؟ فكيف يكون أنهم في السر تحبط أعمالهم، وفي العلن لم يذكر الإحباط؟ فكما قلنا: ليس كذلك؛ لأن هذا الحديث ليس المراد به السر فقط، وإنما المراد به الانتهاك والجرأة في الخلوات، وليس المراد بالخلوات ما يكون وحده، إنما ما يكون يخص أناسا يفعل معهم المعاصي، أو يدلهم على أشياء، أو يبعدهم لقتل أناس كما قلنا، فهذا كله يدخل في هذا الباب. فهو إذا صار في خلواته صار شيطانا رجيماً، كأنه ليس ذاك الذي يقوم الليل، كأنه ليس ذاك الذي يصوم النهار، فيتغير ويتحول إلى رجل شرير. وهذا وجد في هذه الأمة، خاصة عند وجود هذه الأجهزة وغيرها، حولت أناسا إلى أقوام لا يخافون الله جل وعلا في خلواتهم. فهذا شيء مما يذكر في هذا الحديث. فنكتفي به، والله تعالى أعلم.

شاركنا على