الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 182، ألقاها
يتحدث عن مسند بصرة بن أبي بصرة الغفاري ورواية الإمام مالك، مشيرًا إلى تحري مالك في الرواية واعتماده على مشايخ المدينة الثقات. كما يبرز مكانة مالك في الرجال واعتباره قدوة.
يروي أبو هريرة عن لقائه بكعب الأحبار وعبد الله بن سلام وبصرة بن أبي بصرة، ويتحدث عن فضل يوم الجمعة وتحذير النبي من السفر إلى غير المساجد الثلاثة.
يناقش المقطع ساعة الإجابة في يوم الجمعة بين أبي هريرة وعبد الله بن سلام، حيث يروي أن ساعة الإجابة هي آخر ساعة في يوم الجمعة، ويشرح معنى انتظار الصلاة.
يتم الإشارة إلى أن الحديث المطروح هو حديث مدني وطويل، ويتم التمهيد لدرس لاحق لشرح المسائل المتعلقة به بإذن الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. قال شيخنا مقبل الوادعي رحمه الله: مسند بصرة بن أبي بصرة، مسند بصرة بن أبي بصرة رضي الله عنهما، وبصرة بن أبي بصرة وأبوه صحابيان رضي الله عنهما، وهما غفاريان، بصرة بن أبي بصرة الغفاري وابن غفار. قد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «غفار غفر الله لها، وغفار ممن بادر وأسلم قديما»، ومنهم أبو ذر رضي الله عنه، جندب بن جنادة الغفاري رضي الله عنه، وبصرة منهم. وحج بصرة مع أبيه إلى المدينة، ويقال إن بصرة سكن الشام، وفي رواية أنه سكن مصر. بعضها للعلماء قال إنه سكن الشام بعد ذلك، ومنهم من قال إنه سكن مصر، ولعله سكن هنا وهنا، كما ذكر بعض شراح التاريخ، ذكر أنه سكن في الشام وفي مصر؛ لأنه ذكر في المنطقتين معا. فهذا بصرة بن أبي بصرة رضي الله عنه صحابي مشهور، لكن الحديث أصلا لا ذكر له هنا من حديث أبي هريرة، لكن فيه حديث بصرة. قال مسند البصرة ابن أبي بصرة: قال الإمام مالك رحمه الله مع التنوير الحوالي، هذا شرح له عن يزيد بن عبد الله من الهاد، ويزيد بن عبد الله من هذا الليثي المدني، من المشايخ المدنيين مع أهل المدينة. ومالك إذا روى عن مدني كما قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني، فهو ثقة؛ إذا روى مالك عن مدني فهو ثقة، لأن مالك متحر في الرواية، وخاصة رواية أهل بلده، وخاصة رواية أهل بلده. لهذا لم يرو عن أحد من أهل المدينة في ضعف، إلا ما يذكر أنه روى عن عاصم العُمَري، عاصم بن عبيد الله، لكن قال بعض العلماء إنه لا توجد له رواية في شيء من الكتب، وقد يكون روى عنه قديما، الله أعلم. وإلا فهو قد أنكر على شعبة روايته عن عاصم، فقال: «انظروا إلى شعبتكم هذه يريدها العراق؛ فإنه يروي عن عاصم بن عبيد الله». فلهذا كان مالك يتحرى الرواية. وقال سفيان بن عيينة: «مالك قدوتنا في الرجال»، ولا أن مالك إذا أخذ على الرجل أخذنا عنه، معنى هذا كلام سفيان: قال إذا أخذ عن الرجل أخذنا عنه، وإذا لم يأخذ عنه مالك لم نأخذ عنه. قال: «أدركت مالك يقول: أدركت أكثر من مئة من مشايخ المدينة ممن يروي الأحاديث، لم آخذ عنه، يقال إنهم ليسوا من أهله»، معنى ذلك هم يروون حديثا، لكنهم ليسوا من الحفاظ أهل الحديث. قال رحمه الله تعالى عن محمد بن إبراهيم، من حارثة التيمي، وهو قرشي تيمي، معنى ذلك من تيم الله، وهي قبيلة من قبائل قريش، منها أبو بكر الصديق رضي الله عنه. قال عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو أيضا مدني. فهذا الإسناد كله مدني، أن هذا إسناد مدني من مالك إلى أبي هريرة، فأبو هريرة أيضا يعد في المدنيين؛ لأنه جلس في المدينة فترة طويلة، بل لم يخرج إلا شيئا يسيرا إلى البصرة ثم رجع. قال رحمه الله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة كان حافظا من حفاظ الحديث، وأيضا من أهل الفقه، ويعتبر في منزلة الفقهاء السبعة، إلا أنه فاته خير عظيم، فاته فقه عظيم؛ لأنه تخاصم مع ابن عباس حتى تندم على ذلك، أنه كان يتخاصم مع ابن عباس في بعض المسائل، فابن عباس لم يعطه بعد ذلك شيئا من العلم، فتندم على ذلك أنه كان يخاصم ابن عباس. قال: «فحرمت علما كثيرا»، حرم علما كثيرا بسبب هذه المجادلات والخصام. وهذا يدل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يخاصم مشايخه ومن يعلمه إلا إذا كان منحرفا، وإلا إذا كان على السنة والجادة فلا ينبغي له أن يخاصمه، وأن يبتعد عنه؛ لأن فيه ابتعاد عن حول المشايخ العلماء، ولما في السنة فيه مضر على الشخص. قال عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة أنه قال: «خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه». كعب الأحبار: كعب بن ماتع، وقيل له كعب الأحبار لأنه كان من علماء اليهود، أنه من خيرة علماء اليهود ومن أفضلهم. قال: «فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه، حدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان فيما حدثته أن قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة». قال: «وما من دابة إلا وهي مسخطة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة؛ إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه». قال كعب: «ذلك في كل سنة يوم». فقلت: «بل في كل جمعة». قال: «فقرأ كعب من التوراة فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال أبو هريرة: «فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور». فقال: «لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجد هذا -يعني مسجده- وإلى مسجد إيليا أو بيت المقدس». قال: «أو بيت المقدس»، يشك أحد الرواة. قال: «ثم لقيت عبد الله بن سلام، فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار، وما حدثته في يوم الجمعة». فقلت: «قال كعب: ذلك في كل سنة يوم». قال: «قال عبد الله بن سلام: كذب كعب». فقلت: «ثم قرأ كعب التوراة». قال: «فقال كعب: ذلك في كل سنة يوم». قال: «قال عبد الله بن سلام: كذب كعب، بل هي في كل جمعة». قال: «ثم قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة». فقال عبد الله بن سلام: «صدقك». ثم قال عبد الله بن سلام: «قد علمتم أي ساعة هي». يعني يقول عبد الله بن سلام: أي أنا أعلم أي ساعة هي. قال أبو هريرة: «فقلت له: أخبرني بها ولا تقض علي». فقال عبد الله بن سلام: «هي آخر ساعة في يوم الجمعة». قال أبو هريرة: «فقلت: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي، وتلك الساعة ساعة لا يصلى فيها؟» قال عبد الله بن سلام: «ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي؟» قال أبو هريرة: «فقلت: بلى». قال: «فهو ذلك». قال: «هذا حديث صحيح، وقد صدره في الصحيح»، لكن صدره في الصحيح، وهو قوله: «خير يوم طلعت عليه الشمس»، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة. قال رحمه الله: حد أخبرنا قطيبة بن سعيد الثقفي البغلاني، قال: حدثنا بكر يعني ابن مطر، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم به، بنفس الإسناد. فقال: واخرجه الإمام محمد بن الحسن الشيباني، قال: حدثنا عفان هو المسلم الصفار، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن محمد بن إبراهيم به. ورواه أيضا حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن محمد بن إبراهيم. وهذا متابعة رابعة قاصرة وتامة. قال: واخرجه الطبراني في الدعاء، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، وفي البغوي، قال: حدثنا حجاج بن منهل، قال: حدثنا حماد بن سلمة به. قال: وليس عند الإمام محمد والطبراني لقصة بصرة بن أبي بصرة، وهي عند الإمام محمد في موضع آخر قد كتبتها والحمد لله. قال الإمام محمد أيضا: الحديث نفسه قرأت على عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن محمد بن إبراهيم الحارثي التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قال أبي هريرة: «فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، قال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور». فقال: «أما لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت إليه؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيليا أو بيت المقدس». قال: هذا حديث صحيح. وهذا الحديث كما ذكر الشيخ حديث صحيح، أي بسنده صحيح. لكن هنا الحديث كما قلنا مدني، والحديث طويل، إن شاء الله تعالى نكمل ونذكر شرحه ومسائله في الدرس اللاحق، فإن شاء الله نكتب بهذا والله تعالى أعلم.