الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  81

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 81

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 81، ألقاها

تحذير النبي من أمور الجاهلية

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الجاهلية مثل النياحة والمفاخرة في الأنساب. هذه الأفعال منهي عنها بشدة وتعتبر من بقايا الجاهلية.

معيار التفاضل بين الناس

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن التفاضل بين الناس يكون بالتقوى وليس بالنسب أو القبيلة. الكرامة عند الله تكون بالتقوى والعلم بالدين.

حكم نسبة الحوادث للنجوم والتنبؤات

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نسبة الحوادث للنجوم واعتبر ذلك كفرا بالنعمة. التنبؤ بالرياح وغيرها يرتبط بأسباب وحسابات وضعها الله في الكون.

  • 26 جمادى الآخرة 1440هـ - 03/03/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو يعلى الموصلي، وهو أحمد بن علي بن ثابت ابن المثنى، أو أحمد بن علي بن المثنى الموصلي رحمه الله، صاحب المسند: حدثنا عبد الأعلى، ظاهر أنه عبد الأعلى بن مسهر أبو مسهر الدمشقي رحمه الله، إمام حافظ، وحفاظ الحديث، قال يحيى بن معين عنه: لا يحدث في بلد فيها مثل أبي مسهر، كان حافظًا كبيرًا من حفاظ الحديث. قال: حدثنا زكريا بن يحيى، وهو ابن أبي زائدة، قال: حدثنا هشيم، وهو ابن بشير، وهو واسطي وأصله بخاري، وكان من حفاظ الحديث، بل قال عبد الرحمن بن مهدي: هشيم أحفظ من الثوري في الحديث عن الثوري، يضرب به المثل في الحفظ، لكن هشيم كان أحفظ منه، وكان الإمام أحمد لا يقدم أحدًا على هشيم من أهل واسط، وكان أحفظ أهل واسط، وشهد بذلك أيضًا إمامهم أبو خالد الواسطي، يزيد بن هارون رحمه الله، أيضًا كان يثني ويثني على هشيم في حفظه. قال: سمعت عبد العزيز بن صهيب، وهو البناني البصري، قال: يحدث عن ناس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا أكن لا ينزلن في أمتي حتى تقوم الساعة النياحة والمفاخرة في الأنساب والأنواء». قال: حدثنا ناصر بن علي، وهو الجهضمي، قال: حدثنا زكريا بن يحيى، قال: حدثنا هشيم عن عبد العزيز عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لن ينزلن في أمتي، لن ينزلن، وهناك لا يزلن، ولا يزلن، أو قال: لا يزلن في أمتي، وهناك لن ينزلن»، معنى أنه، والمعنى واحد، لا يزلن أي باقيات، ولن يزلن أي لن ينتهين، بل يبقين في أمتي، فقال: «ثلاث لا يزلن في أمتي حتى تقوم الساعة النياحة والمفاخرة في الأنساب والأنواء». وهذا الحديث قد جاء مثله في أحاديث كثيرة، ومنها ما جاء في صحيح مسلم في أحاديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي لا يتركونهن، أو قال: من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم». والاستسقاء بالنجوم، وجاء كذلك أيضًا أن أبي هريرة: «ثنتان في أمتي من أمر الجاهلية، أو لا تزال فيهما: الطعن في الأنساب، والفخر في الأحساب». فهذه الأمور هي من أمور الجاهلية، وقد نهى عنها الإسلام في أحاديث كثيرة، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم عد هذه الأشياء من الجاهلية التي يجب على المسلم أن يتركها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «كل أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، كل أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي». فلهذا فهذه الأشياء، وأراد الأشياء التي كانت الأشياء السيئة التي كان يستخدمها أهل الجاهلية، فنبي صلى الله عليه وسلم تبرأ منها ونهى عنها شديد النهي. ومنها هذه النياحة، جاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن النياحة، وقال كما جاء في الصحيحين: «النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة في النار، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب». فلأجل أن يكون هذا العذاب عليها شديدًا، يجعل لها درع من نحاس حتى يشتد عليها اللهيب. فهذه النائحة التي ترفع صوتها بالبكاء، ترفع صوتها بالبكاء، هذه تسمى النائحة، وهذا من أمر الجاهلية. لذا جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود أنه قال عليه الصلاة والسلام: «أو لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاقة والحالقة والصالقة». فالشاقة التي تشق الثياب، والصالقة التي ترفع صوتها بالبكاء، وهي النائحة، والحالقة التي تحلق شعرها. وهذا حديث موضوع، أقصد وحديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من هذه الأصناف. فهذه الأشياء كلها من أمر الجاهلية؛ لأنها فيها اعتراض على قدر الله، وفيها تسخط على القدر. فلهذا جاء الشرع بالنهي عنها. وأما البكاء الذي ليس فيه صوت، وإنما هو دمع العين، فهذا البكاء لا شيء فيه، وقد جاءت الأحاديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة في الصحيحين. ولما مات ابنه عليه الصلاة والسلام فحمله، وكانت عيناه تدمع، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ قال: «إنما هي رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء». وقال أيضًا: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». فالبكاء لا شيء فيه، لكن النياحة وهي رفع الصوت بالبكاء، والويل والكبور، فهذه من أمور الجاهلية. وأما المفاخرة في الأنساب، فهو أيضًا من أمر الجاهلية الذي لم يتركه كثير من الناس، يفاخر أنه ابن فلان، وأنه من قبيلة فلان، وأنه ينتسب إلى قبيلة كذا، ويريد بذلك الفخر على غيره، وأنه كذا وكذا، وأن هؤلاء أصحابه أو قبيلته كانت تعمل وتفعل، وكل ذلك لأجل أن يفاخر بهذا النسب، يفاخر غيره. وهذا يدل على الطعن أيضًا في الأنساب، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه أيضًا من أمر الجاهلية. وغالبًا الذي يفخر بنسبه إنما يريد أن يطعن في نسب غيره، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن رجلًا فيمن كان قبل هذه الأمة، فأو أن رجلين تفاخرا، فأحدهما قال: أنا ابن فلان ابن فلان ابن فلان حتى عدّى عشرة من أبائه، أو قال: حتى عدّى تسعة من أبائه، ثم قال الآخر: أنا ابن فلان ابن الإسلام، أنا ابن فلان ابن الإسلام مفتخرًا، وإنما ذكر أباه فقط». فأوحى الله عز وجل إلى نبي ذلك الزمان أن يقول لهذا المفتخر بأبائه: «أن تسعتهم في النار، وهو عاشرهم، أنا عاشرهم في النار». وهذا الذي افتخر بالإسلام رفعه الله عز وجل وجعله من أهل الجنة. وأيضًا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبين أن هذا الفخر بالأنساب من أمور الجاهلية، ومن تعزى بعزى الجاهلية، فعطوه بهنوي أبيه ولا تكنوه. وقد ذكرنا هذا الحديث في بداية هذا الكتاب في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه. فلهذا في الفخر في الأنساب، التفاخر بالأحساب، وأنه من أبناء القبائل، وأنه من أبناء السادة، وأنه ابن كذا، فهذا كله لا ينفع. ولهذا كان الأئمة رحمهم الله يتنزهون عن مثل هذه الأمور، فقال بعض أصحاب أبي عبد الله أحمد بن حنبل: قلت لأبي عبد الله: يا أبي عبد الله، أنت شيخ وألست من قريش؟ قال: نعم. قال: فبأي قريش أنت؟ فقال له أبو عبد الله أحمد بن حنبل: أو ينفع هذا؟ أنا ابن فلان أو ابن فلان، هل ينفعني شيء؟ فلا ينفع مثل هذا، لا ينفع الإنسان أنه ينتسب إلى فلان، لكن الإنسان يمكن أن يبحث عن نسبه لأجل أن يصل رحمه، لكن ليس لأجل التفاخر أنه من أبناء القبيلة الفلانية أو من أبناء السيد الفلاني أو كذا. فهذا ليس يبحث الإنسان لأجل أن ينتسب إلى مثل هذه الأشياء، وإنما يبحث عن نسبه لأجل أن يصل رحمه، يبحث عن نسبه لأجل أن يصل رحمه، كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني والبزار وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احفظوا أنسابكم لكي تصلوا أرحامكم، لكي تصلوا أرحامكم». فلا بأس أن الإنسان يبحث عن نسبه لأجل هذا الأمر، أما لأجل المفاخرة وأنه من أبناء القبيلة الفلانية التي فعلت وفعلت، فهذه المفاخرة ليست من الإسلام. وهذه الأشياء غالبًا تحبها النفوس، ولهذا بقيت من أمر الجاهلية في هذه الأمة، وإلا الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، ليعرف أن هذا فلان ابن فلان، وليس لتفاخر. إنا أكرمكم عند الله أتقاكم، أراد ربنا جل وعلا أن يذهب بهذا الأمر، وهو التفاخر وغيره، فليس معرفة من قبائل لأجل التفاخر، وإنما الكريم عند الله جل وعلا هو أتقاكم، أتقاكم وأكرم الناس. ولهذا قال لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم يا رسول الله؟ قال: «يوسف بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله». قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «أتقاهم». أكرم الناس أتقاهم. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «تسألون عن معادل العرب». انظر إلى هذا الحديث الذي فيه مثل هذا المعنى، كان هناك في العرب قبائل تعد أنها من أكارم القبائل أو أن لهم فخرًا وكذا. فقالوا: يا رسول الله، ليس عن هذا نسألك. قال: «تسألوني عن معادل العرب؟» قالوا: نعم يا رسول الله. فقال: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». ليس هناك خيار في الإسلام إلا إذا كانوا أهل فقه، عرفوا هذا الدين وعملوا به، فهم خيار الناس، ولو كانوا من الطبقات لا يعرفون أو أن نسبهم منقطع لا يعرف نسبه، لكنه من أهل الدين ومن أهل الفقه، لا يرفعه الله. ولهذا تجد كثيرًا من الموالي في زمن التابعين وأتباعهم هم علماء الأمة، والقصة التي ذكرت في عهد عبد الملك بن مروان والزهري أو هشام بن عبد الملك والزهري، لما ذكر له أعيان الناس في المناطق، فكلهم ذكرهم موالي، حتى قال هشام بن عبد الملك: وإني قد سادت الموالي على العرب، قد سادت الموالي على العرب. فقال له الزهري: إنما سادوا بكتاب الله جل وعلا. فقال: نعم. فهذا أولى، موالي لكنهم سادوا الناس بهذا بالعلم والفقه. ولعل أيضًا من المناسب أن يذكر ما جاء في صحيح مسلم عندما لطىء عمر رضي الله عنه عامل مكة نافع بن عبد الحارث أنه قال له: من خلفت في الوادي؟ قال: خلفته ابن أبي أبزة. قال له: من ابن أبي أبزة؟ قال: مولى من الموالي. فقال: خلفت على الناس مولى من الموالي؟ أو خلفت على أهل الوادي أي أهل مكة خلفت عليهم مولى من الموالي. قال: يا أمير المؤمنين، إنه حافظ لكتاب الله، عالم بالفرائض. قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن هذا القرآن يرفع به أقوام ويضع آخرين، يرفع الله عز وجل بهذا الكتاب أقوامًا ويضع آخرين». فلهذا في المفاخرة بقايا من أمر الجاهلية. وأما الأنواء، فالمراد بالأنواء هو الاستسقاء بالنجوم، أي أن يجعل وينسب ينسب الحوادث للنجوم، يقول مثلًا: إنما حصل كذا لأنه نحن الآن في النجم الفلاني، وهذا النجم الفلاني يفعل كذا ويفعل كذا ويفعل أمطارًا ويفعل رياحًا ويفعل كذا، وينسب هذه الأشياء إلى الأنواء. ولعل يفسر هذا ما جاء في الصحيحين في حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، قال: كنا بحديبية، فمطرنا فصلينا الصبح على إثر مطر، على إثر مطر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما انصرف من الصلاة: «تدرون ماذا قال ربكم؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «قال الله عز وجل: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب». فهذا الذي ينسب هذه الأشياء إلى هذه النجوم، فهو قد كفر بالله، أي كفر النعمة، نسبها إلى غير مسديها، إلى غير مسديها؛ لأن هذه النجوم لا تفعل شيئًا، وإنما هي بأمر الله جل وعلا. فلهذا من اعتقد أن هذه النجوم أو هذه الحوادث تحصل لأن النجم الفلاني دخل أو خرج، فهذا أمر منكر وكبير من كبائر الذنوب. أما من اعتقد أن هذه الحوادث لها فعال بنفسها، فهذا لا شك أنه الشرك الذي وقع فيه قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وأما من جعل هذه النجوم علامات يهتدى بها، وأيضًا كذلك كما ذكر الله عز وجل: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، وغيرها مما أباحه الله عز وجل في هذه النجوم، فهذا جائز. وأما مثلًا التنبؤ مثلًا بالرياح وغيرها، فهذا لا دخل له في النجوم، وإنما أي حسابات وأشياء جعلها الله عز وجل أسبابًا في هذا الكون، فهذا شيء يذكر في شرح هذا الحديث. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على