الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 206، ألقاها
يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم يتعلق باليمين الآثمة عند منبره، ويبين صحة الحديث وسنده. الحديث يحذر من الحلف على الكذب خاصة إذا كان يقتطع مال مسلم.
الحديث يحذر من الحلف على الكذب خاصة إذا كان يقتطع مال مسلم، ويوضح أن اليمين الغموس توجب النار لصاحبها. هناك اختلاف بين العلماء حول تعريف اليمين الغموس، فالجمهور يرون أنها التي يقطع بها مال مسلم.
تعظم المعصية في الأماكن المقدسة مثلما تعظم الحسنة، وقد أقر هذا العديد من العلماء ومنهم الإمام الشافعي. هذا يدل على أهمية سلوك الإنسان في هذه الأماكن، خاصة عند الحلف بالله كاذبا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أبو داود رحمه الله: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وهو عثمان بن محمد بن إبراهيم العبسي الكوفي رحمه الله، وهو حافظ من حفاظ الحديث من أهل الكوفة، لكن أخوه أوثق منه، أخوه أبو بكر، وهو عبد الله بن محمد أوثق منه في الحديث، وأثمن ثقة كما قال الأئمة، محافظ إلا أنه غلط في بعض الأحاديث، غلط في بعض الأحاديث التي رواها، والغلط وارد على حتى الحفاظ الكبار، لكن بعض أحاديث منكر، ولهذا الإمام أحمد عتب عليه هذا بعد موته، أنا لما ذكر له ونعى، فقال رحمه الله: لو أنه لم يحدث بتلك الأحاديث التي طعن فيها أو طنف فيها، أي أنه أدخل نفسه فيها، وهي أحاديث منكرة. قال: أخبرنا ابن نمير، وهو عبد الله بن نمير الهمداني الخارفي، وهو كوفي ثقة، بل ثقة ثبت، وابنه محمد بن عبد الله يقولون أنه أوثق منه، وابنه أيضا له دراية بعلم الحديث وبالجرح والتعديل، ولهذا لما سألوا محمد بن عبد الله بن نمير عن عثمان بن أبي شيبة، فقال: عثمان يسأل عنه، بل هو الذي يسأل عنه. لكن عثمان بن أبي شيبة انتقده كثير من أهل هذا العلم في تشدده في الجرح، كان متشددا في الجرح كثيرا، ولهذا لم يأخذ العلماء كلامه، لم يأخذ العلماء علماء الجرح والتعديل لم يعتمدوا كلامه. وقال علي بن المديني رحمه الله: أبو نعيم وعثمان بن أبي شيبة لم يترك أحدا إلا وتكلم فيه، فلهذا لم يعتد بكلامهما، وكذلك معهم عفان، لم يعتد العلماء بكلامه، أولاد ثلاثة: أثمة، وأبو نعيم، وعفان. قال: أخبرنا ابن نمير، قال: أخبرنا هاشم بن هاشم، وهو هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري القرشي، من ولد عتبة بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم، لعتبة صحابي كذلك، أسلم في الفتح. قال هاشم: حدثني عبد الله بن بُريْصٍ من آل كثير بن الصلت، مولى لآل كثير بن الصلت، ووثقه النسائي، قال: أنه سمع جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار أو وجبت له النار». قال: هذا حديث صحيح، وقد أخرجه الإمام مالك في الموطأ عن هاشم بن هاشم به، وهو معنى أخرجه من طريق هاشم بن هاشم، معنى في الموطأ. قال: وخرجه ابن ماجه، قال رحمه الله: حدثنا عمل بن رافع، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، قال: وحدثنا أحمد بن ثابت الجمحي، قال: حدثنا صفوان بن عيسى وهو قوفي، قال: حدثنا هاشم بن هاشم به. قال: وخرجه النسائي كما في تحفة الأشراف عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين كلاهما عن ابن القاسم عن مالك به. قال: وخرجه أبو عوانة والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. فهذا الحديث فيه التحذير من الحلف على الكذب، وخاصة إذا كان هذا فيه اقتطاع مال امرئ مسلم. وجاء في الصحيحين في حديث الأعمش عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان». فهذا الذي يحلف على زور يشهد شهادة زور ويحلف عليها، فهي يمين آثمة، وسميت كذلك يمين غموس، كما جاء في حديث أبي بكرة: «أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس». وسميت يمين الغموس لأنها تغمس صاحبها في النار، وجبت له النار كما جاء في هذا الحديث. وجاء مثل هذا الحديث أيضا من حديث أبي هريرة، رواه أيضا النسائي وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة بنفس اللفظ: «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا وجبت له النار». وهذا الحديث فيه التعظيم اليمين على الكذب في اليمين، فإنها عظيمة وأنها توجب لصاحبها النار، وكذلك أيضا وخاصة كما قلنا إذا كان فيها اقتطاع مال امرئ مسلم. ولهذا حصل اختلاف بين العلماء في اليمين الغموس: هل يشترط فيها أن تكون يقطع فيها مال امرئ مسلم، أم أن اليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها في كل شيء، حتى في خبر لو يخبر الناس مثلا بشيء ويقول: والله حصل كذا، فاعتبرها بعض أهل العلم يمين غموس. والجمهور يرون أن اليمين الغموس هي التي يقطع فيها مال امرئ مسلم. ومعنى يقطع فيها مال امرئ مسلم: أن يحلف على شهادة، يحلف على شهادة أن هذا البيت مثلا لفلان، يقول: هذا البيت لفلان، وهو يعرف أن هذا البيت ليس له، وهو يعرف أن هذا البيت ليس له، أو هذه الأرض ليست له، وإنما يريد أن يساعده فيحلف يمينا على أن هذا لفلان، وهو يعرف أنه ليس له، وإنما لفلان آخر، فهو اقتطع بيمينه مال امرئ مسلم، فهذا وجبت له النار. فقال بعض العلماء، وهو قول الجمهور: أن اليمين الغموس هي التي يقطع بها مال امرئ مسلم، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود وغيره، وفي هذا الحديث كذلك. وهناك كما قلنا من العلماء من قال: هي كل يمين كاذبة، كل يمين كاذبة تسمى يمين غموس. ولا شك أن اليمين الكاذبة أيضا هي من الكبائر، لأنه يحلف بالله على كذب، لكنها ليست مثل هذه التي يكون فيها اقتطاع مال امرئ مسلم، لأن هذه حق فيها أيضا أخذ حق الغير، وهي ظلم، فيكون بيمينه ظلم هذا الذي حلف عليه. وكذلك أيضا في هذا الحديث: فيها تعظيم الحلف عند الأماكن المعظمة، فالذي يحلف في مكة ليس كالذي يحلف في غيرها، والذي يحلف عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في منبره، فإنه في مكان عظيم، فذلك المكان روضة من رياض الجنة. وإنما يدل على أن الرجل لا يبالي، يدل على أن الرجل هذا الذي حلف على يمين آثمة لا يبالي بحلفه، حتى أنه لم يستعظم ذلك المكان الذي هو فيه عند ذلك المكان الذي خرج منه الحق وخرج منه الصدق، وهو منبر رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالناس قد عرفوا واعتادوا من ذلك المكان الخير، فيأتي هذا الرجل الذي يحلف بيمين آثمة إلى ذلك المكان العظيم الذي قد سمع الناس، بل قد سمعت الجمادات، حتى أن الجذع جذع الشجرة حن لذلك الكلام العظيم الذي يسمع من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففي ذلك المكان العظيم يأتي هذا ويحلف على يمين فاجرة، يمين آثمة، فهذا يدل على أنه لا يعظم ذلك المكان. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار أو وجبت له النار». فهذا كما قلنا: وعيد شديد فيمن يحلف عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هل هذه اليمين لا تكون كذلك إلا إذا كانت عند المنبر؟ لا، لكنها آثمة وتوجب النار حتى ولو لم تكن عند المنبر، لكن تكون أعظم إذا كانت في ذلك المكان المعظم. وهذا يدل على ما قرره كثير من أهل العلم: أن المعصية في مكان معظَّم تعظم، أن المعصية في المكان المعظم والمكان الذي جاء تقديسه في الشرع أو تعظيمه وتبجيله في الشرع كالمساجد وغيرها، فإنها تعظم. فالمعصية في المسجد أعظم من غيره، والمعصية في الحرم أعظم من غيرها. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. الذي فقط يهم أن يعمل المعصية في مكة في البيت الحرام، فإنه يدخل في الملحدين، أي من ألحد في الحرم. قال مجاهد: لو هم وهو بعَدَن أبيل أنه سيعصي الله عز وجل فهو داخل في هذه الآية، لو هم وهو في عدن أبيل أنه سيعصي الله فهو داخل في هذه الآية. فلهذا تعظم المعصية والسيئة في ذلك المكان المعظم، كما أن الحسنة أيضا تعظم فيه، فكذلك السيئة أيضا. فهذه المسألة قد قررها جماعة من العلماء، ومنهم الإمام الشافعي رحمه الله. والله تعالى أعلم.