المحاضرة بعنوان أقوال العلماء في الزيارات الحولية، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 16 محرم 1447هـ الموافق 11 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبين المتحدث أن الإسلام شرع زيارة قبور المسلمين عموماً للسلام والدعاء دون تخصيص، بينما لم يرد حث شرعي على زيارة قبور معينة كقبر النبي أو الأنبياء والصحابة. وتدل قصة دانيال على أن السلف لم يعظموا قبوراً محددة بل سدوا ذرائع الشرك.
يروي المقطع كيف أمر عمر بن الخطاب بدفن الجسد المنسوب لدانيال سراً في ثلاثة عشر قبراً لئلا يفتن الناس، مظهراً فقه الصحابة في سد ذرائع الشرك. ويقارن ذلك ببدع بناء القباب والمشاهد والأعياد الموسمية التي أدخلها الروافض والصوفية لاحقاً.
يستعرض المقطع إجماع علماء المذاهب على تحريم بناء المساجد على القبور واعتبار الزيارات الموسمية من الكبائر، مستدلاً بترك الصحابة زيارة قبر النبي في النوازل وفعل عمر بن عبد العزيز. ويخلص إلى أن هذه الزيارات بدعة محدثة خالف فيها المبتدعون هدي السلف.
يختتم الدرس بدعاء يسأل الله فيه حفظ أمة الإسلام من الوقوع في الشرك ومن مخالفة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم. ويختم المتحدث بالثناء على الله رب العالمين حمداً وشكراً.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فنحمد الله عز وجل على أن يسر لنا هذا اللقاء المبارك، وقد سمعنا من المشايخ حفظهم الله تعالى خيرًا كثيرًا. ولاختصار الوقت وضيقه، أردت كما تعلمون أن أبين ما ذكره العلماء في هذه الزيارات الحولية، أو أنهم أهملوها. فهذه أيها الإخوة الكرام مسألة الزيارات للقبور: لا شك أن هناك كما قد سمعتم زيارات شرعية لقبور عامة المسلمين. وأما تعيين قبر معين، وأيضًا الحث على زيارته، فهذا لا يعرف في دين الله عز وجل أبدًا، لا يعرف هذا الشيء في دين الله. ولم يكن نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدل الناس على قبر معين يحثهم على زيارة، حتى أنبياء الله الكرام. فإذا عرفنا ذلك، فمن أين لنا التعبد بمثل هذه الزيارات؟ فهذا نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو الذي يشرع هذه الأمور، فلم يذكر أبدًا النبي عليه الصلاة والسلام أن هناك قبرًا لابد من زيارته، أو حتى الحث على زيارته. فقبور الأنبياء: بعضها قد تعرف، قبر نبي الله إبراهيم يقولون أنه يعرف، لكن الصحيح أنه لا يعرف مكانه؛ منهم من قال أنه في الصخرة، ومنهم من قال في غير ذلك المكان. وأيضًا كذلك نبي الله موسى مات في فلسطين، ومات عند الكثيب الأحمر، لكن لم يحث النبي عليه الصلاة والسلام على زيارته. وأيضًا كذلك لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يحث أحدًا حتى على زيارته، وما جاء في ذلك من أحاديث فكلها مكذوبة موضوعة، وقد فندها العلماء. وقد ألف الإمام ابن عبد الهادي كتاب «الصارم المنكي في الرد على السبكي» الذي جاء بأحاديث موضوعة ومفتراة على النبي عليه الصلاة والسلام. ولعل أحوى هذه الأحاديث هو ما جاء في بعض الكتب كالبزار والطبراني: «من حج فلم يزرني فقد جفاني»، وهذا حديث باطل أيضًا لا يصح. فلذلك لم يصح شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحث على زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم. أيضًا كذلك قد مات جماعة من الصحابة ومن الشهداء في أماكن كثيرة، ومن ذلك أهل مؤتة الذين قتلوا في مؤتة الشهداء: جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، فلم يحث النبي عليه الصلاة والسلام على زيارة قبورهم. وأيضًا حتى شهداء أحد لم يأت عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء في الحث على زيارتهم، وإنما كان يزورهم، يعني يزور مثل ما يزور البقية؛ النبي عليه الصلاة والسلام كان يزور مقابر مقبرة أحد كما يزور البقية لأنها مقابر المسلمين. وقد ذكرنا هناك زيارة شرعية يشرع للعبد أنه يزور هذه القبور، يسلم عليها ويدعو لها كما جاء ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأما قبر معين عينه النبي عليه الصلاة والسلام وحث على زيارته، فهذا لا يوجد، لا يوجد أبدًا في دين الله عز وجل. وأيضًا كذلك في زمن الصحابة، وأذكر قصة حصلت في زمن الصحابة، فانظروا فيها وتأملوا كيف تعامل الصحابة مع وجودي - أو مع هذه المسألة - وكيف يتعامل هؤلاء الخلف الذين تعظمت أو عظمت في قلوبهم مثل هذه القبور والركون إليها. فهذه القصة رواها أبو يعلى، وذكرها كذلك إمام السير والمغازي الإمام ابن إسحاق محمد بن إسحاق بن يسار رحمة الله عليه، وهي قصة نبي الله دانيال. خرج الإمام ابن إسحاق من طريق أبي خلدة وهو ثقة، عن أبي العالية وهو رفيع بن مهران التابعي الجليل صاحب ابن عباس، قال: لما فتحنا تستر - تستر هذه منطقة في خوزستان - قال: لما فتحنا تستر لقينا فيها رجلًا، رجلًا كان تحت سرير، وكان هذا الرجل طويلًا. قال: فلقينا هذا الرجل، ولقينا عنده كتاب. فقال أبو خلدة لأبي العالية: وهل عرفتم ذلك الرجل؟ قال: يقال أنه نبي الله دانيال. قال: وهل تغير منه شيء؟ قال: لا إلا شعرات يسيرة في قفاه. قال: وماذا عملتم؟ قال: أرسل أبو موسى - وكان الذي فتح تستر هو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه - أرسل أبو موسى كتابًا إلى عمر يسأله ماذا يفعل في هذا، أنا أشكى في التصرف في هذا الرجل الذي وجدوه وهو كما يذكرون نبي الله دانيال. فقال: فأرسل إلى عمر، أرسل إلى أبي موسى: أن احفروا له ثلاثة عشر قبرًا. انظروا إلى فقه الصحابة ومعرفتهم لدين الله: أن احفروا ثلاثة عشر قبرًا في النهار، ثم ادفنوه في الليل حتى لا يراكم أحد، فلعل إذا رأوه العوام تكون له فتنة. قال أبو خلد: ومن أين أن يفتنوا به؟ قال: كانوا إذا أرادوا أن يمطروا أنزلوه من تحت السرير، فهذه فتنة تعلقت قلوبهم به، فلذلك لو عرفوا قبرًا لتعلقت قلوبهم به. فحفروا. قال أبو العالية: فحفرنا ثلاثة عشر قبرًا في النهار، فلما جاء الليل دفناه في إحدى هذه القبور، وعمينا عليه. عمينا عليه معناه: أننا حرصنا أن لا يرانا أحد، فطوقوا كأنهم طوقوا على المنطقة أو أبعدوا الناس حتى لا يراهم أحد أين دفنوا. انظروا وتأملوا في هذا، وتأملوا قصة القبر المزعوم الذي قيل له: قبر نبي الله هود. هذا قبر: هذا رجل رأوه وجسد رأوه، وقيل أنه نبي الله دانيال. أما هذا فما رأوا شيء، وإنما رأى رجل منهم رؤية من ساداتهم ومن حبائبهم، رأى رؤية أن قبر نبي الله هود موجود هنا، والظاهر أنهم قد رأوا أن هناك قبرًا كبيرًا أو كذا، فقاموا وعملوا هذه القصة حتى يكون عندهم قبر اسمه قبر نبي الله هود. مع أن هذا القبر الذي قيل: قبر نبي الله هود، أيضًا موجود في دمشق قبر أيضًا باسم نبي الله هود، فتجد أنه قبر مزعوم. وأيضًا كذلك مشكوك في ذلك الذي اعتقدوا، ولم يروا شيء من هذا الجسد الذي هو موجود في هذا القبر فوق هذا، إلا أنهم شهروا هذا القبر أمام العوام، وعملوا له زيارة سنوية، وعملوا له كذا وكذا. انظروا إلى الفرق بين فهم الصحابة رضي الله عنهم للإسلام، وبين فهم هؤلاء. فلذلك أيها الإخوة الكرام، قد جزم أكثر من واحد من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية في عدة من كتبه: في «اقتضاء الصراط المستقيم»، وفي الرد على غيرهم، أو في الرد على كثير ممن يرى التوسل، مثل الأخناء ألف كتاب «الرد على الأخناء» في هذه المسألة في زيارة القبور. فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو من المطلعين، فقال: لم يعرف عن أحد من أهل الإسلام، لم يعرف عن أحد من أهل الإسلام أنه كان يحث على زيارة قبر معين، يحث على زيارة قبر معين ويجعله عيدًا بأهل الإسلام. لم يعرف هذا قبل الروافض، قبل ما تأتي الدولة العبيدية؛ لأنهم يعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينهى عن ذلك. وأيضًا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس في ديننا إلا عيد الأضحى وعيد الفطر: «قد أبدلكما بعيدين خيرا منهما: عيد الفطر وعيد الأضحى». هذا الذي يعرف في الإسلام. أما يزاد عيد ثالث أو رابع أو خامس، فهذه من الأشياء المبتكرة. ولهذا لم يأت بهذه الأعياد إلا الروافض في الدولة، في الدولة العبيدية الإسماعيلية الباطنية لما حكموا مصر، هم الذين فعلوا هذه القباب، وهم أول من فعل هذه القباب في القبور والمشاهد، وكذلك هم أول من جعل هذه الزيارات الموسمية - أو الموسمية - لم تكن تعرف هذه الزيارات أبدًا. ولهذا لم يشر إليها أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعيهم، ولا من أئمة المتبوعين، لم يشر إلى ذلك. بل الإمام الشافعي رحمه الله ذكر في كتابه «الأم»: قال: «وأكره أن يبنى على القبر مسجدًا» مثل ما جاء بالحديث. هذا نص من الإمام الشافعي في «الأم». لكن تجد أن هؤلاء تجاهلوا، يبنون القبور على المساجد، ويبنون المشاهد على القبور، ولم يعبأوا بكلام إمامهم الذي يدعون أنهم تبعًا له. وكذلك حتى الغزالي في «الإحياء» ذكر أن كلام أصحابه - أي أصحاب المذهب - بالنهي عن بناء أو أن تشييد هذه القبور والمساجد على هذه القبور. وقد ذكر أيضًا الإمام النووي رحمه الله إجماع أصحابه على ذلك. وذكر أيضًا ابن حجر الهيتمي الذي هو عمدة للشافعية خاصة عندنا في حضرموت، معنا «تحفة المحتاج» للإمام ابن حجر الهيتمي يعتبر عمدة في الفتوى في حضرموت في المذهب الشافعي، ذكر في كتاب «الزواجر» أن هذا أو هذه الأمور من الكبائر، ذكرها من الكبائر. لكن جنبوه ولم يسمعوا كلامه لأن الهوى موجود. فلذلك كما قلنا: أن مسألة هذه الزيارات الموسمية لم يكن أحد يذكرها، ولم يشد بها، ولم يستحبها، وإنما لما جاء بعض من تعلقت قلوبهم بالمقبورين جاءوا بأن هذه الأمور مستحبة وأنها كذا. ولهذا تجد أكثر من ينكر هذه الأمور في مذهب مالك رحمة الله عليه، وكان مالك ينكر هذا الشيء إنكارًا شديدًا. حتى زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن أحد يزور قبر النبي عليه الصلاة والسلام من الصحابة، مع أنه عندهم في المدينة، لم يكن يأتي أحد. أبو بكر الصديق وعمر: حصلت الحوادث العظيمة، وحصلت الأمور المدلهمة في عهد عثمان وعلي، ولم يكن الصحابة يأتون إلى القبر. ولما استسقى عمر لم يأت إلى القبر، مع أن القصة التي يذكرونها قصة مالك الدار أنه قال لعمر: «ائتني» أو «آتي عمر» وكذا، لكن عمر لم يثبت عنه أنه جاء إلى القبر أبدًا، بل قال: «كنا نستسقي برسولك الكريم، والآن نستسقي بعم رسولك» عليه الصلاة والسلام. فلذلك لم يكن من دين الصحابة رضي الله عنهم أنهم يشيدون مثل هذه الزيارات الموسمية، ولم يكن يعرف ذلك عنهم أبدًا. حتى كما قلنا في قبر النبي عليه الصلاة والسلام: عبد الله بن عمر كان إذا جاء من الحج أو جاء من سفر سلم على النبي عليه الصلاة والسلام، وسلم على صاحبيه، ومشى، لم يكن يجلس أو يقوم أو يفعل ويفعل. لكن تجد أنه لم يجعل له شيئًا خاصًا أو وقتًا خاصًا يزورها، وإنما يزوره إذا جاء من سفر. وأما بقية الصحابة، كما قال عبيد الله بن عمر وهو من آل عمر، وجده عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب: قال: والله ما أعلم أحدًا كان يأتي إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام إلا ما كان من عبد الله بن عمر. أي: من الصحابة لا أعلم أحدًا كان يأتي إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام إلا الصحابة. عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: تقول أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، أي أبرز وظهر للناس. قال: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. هذه عائشة رضي الله عنها تقول: أن من الحكمة العظيمة التي جعلت قبر النبي صلى الله عليه وسلم في غرفتها أنه لا يظهر على الناس حتى لا يتخذ مثل ما فعلت اليهود والنصارى. الآن تجد يفعلون هذا مع غير النبي عليه الصلاة والسلام، فعلوا هذا مع غير رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك أيضًا الصحابة رضي الله عنهم لما بنوا المسجد ما أظهروا الغرف. ولما أمر الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز أن يهدم الغرف ويهدم المسجد، فلما هدم وكان معه سعيد بن المسيب، هدم الغرف وهدم المسجد، جعل حائطًا كبيرًا على القبر وأفرده من المسجد، جعل حائطًا مدورًا حتى لا يظهر القبر، قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فجعل حائطًا مدورًا ولم يجعل شيئًا خلفه حتى لا يصلى خلف هذا القبر. وإنما الذي حصل أنه معهم جعلوا مكانًا يصلون فيه العثمانيون، وإلا الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يفعلون، ولا كذلك الأمة المسلمون رحمة الله عليهم. وهذا غيض من فيض، يبين أن مثل هذه الزيارات لم تكن في شرع الله عز وجل أبدًا، وإنما اخترعها الروافض والصوفية، وجعلوها دينًا يدان به. نسأل الله عز وجل أن يسلم أمة الإسلام وأمة محمد صلى الله عليه وعلا من الشرك بالله جل وعلا، ومن مخالفته، صلوات الله وسلامه عليه، والحمد لله رب العالمين.