الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 128، ألقاها
نشأت المعتزلة في البصرة على يد واصل بن عطاء وعمر بن عبيد، واتفقوا على خمسة أصول هدموا بها أصول الإسلام. كانوا يتلامذة الحسن البصري واختلفوا معه في قضية الحكم على الفاسق.
استدل أهل السنة على أن الفاسق يبقى مسلمًا بإيمان ناقص، مستندين إلى القرآن الكريم في أن الفاسق لا يخرج من الإيمان إلا بالردة أو الكفر. كما أوضحوا مفهوم إنفاذ الوعيد وفرقوا بينه وبين الوعد.
القرآن الكريم يوضح الفرق بين الوعد والوعيد، حيث أن الوعيد قد يُعفى عنه بينما الوعد بالخير نافذ دائمًا. الله عز وجل يغفر الذنوب لمن يشاء ما لم تكن شركًا.
تم التطرق إلى الأصل الثالث من أصول المعتزلة وتم اختتام الدرس بالدعاء والشكر. سيتم استكمال باقي الأصول في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. وعلى ما بعد، فذكرنا قول مؤلف في آخر ما ذكره فيما ذكر الفرق، ذكرنا المشبهة وشيئًا عما جاء عنها والذين اشتهروا، كما قلنا، بهذا المذهب هم مقاتل، المسليمان، هشام الحكم، أيضًا كذلك داود الجواربي أو الجواربي. ثم قالوا المعتزلة، المعتزلة نشأت في زمن التابعين، هذه الفرقة نشأت في زمن التابعين. وذكر كثير من هذا العلم من ألف في فرق وذكره، كذلك بعض من ألف فيما يأتي عن السلف، كلاً، الكاي وغيره، أن المعتزلة حصلت أو نشأت، أول ما نشأت، كانت في البصرة، وكان أول من أنشأها واصل بن عطاء وعمر بن عبيد. وكانوا يجلسون في مجلس الحسن البصري، فكانوا من تلاميذ الحسن، ابن الحسن البصري. فحصلت مسألة في حلقة الحسن، وهي مسألة الأحكام على مسألة الإسلام والكفر، وخاصة مسألة الفاسق الملي الذي يرتكب الكبائر، هل يخرج من الإسلام أو لا يخرج؟ فذكر الحسن، رحمه الله، أنه لا يخرج من الملة. فاعترض واصل بن عطاء وقال: بل هو بين منزلتين، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا هو مسلم ولا هو كافر. وأصر على رأيه وتعصب لهذا القول، حتى بعد ذلك ترك حلقة الحسن. ووجد من كان في قلبه زيغ، أيضًا هو عمر بن عبيد، كان على مذهب القدر، فجلس معه. وكان يقول: كيف تجلسون إلى الحسن، وهذا واصل بن عطاء رجل كذا وكذا، يصفه -معناه- بالبلاغة والوعظ، وكذا معناه يثني عليه ويتكلم عن الحسن، لكن الحسن كان مشهورًا بعلمه ووعظه وتقواه، فلهذا لم يلتفت أحد إليه. لكن من كان في قلبه زيغ جاء إليه. ومن ثم تطور هذا المذهب، فقعدوا خمسة أصول اتفق عليها المعتزلة، اتفقوا على خمسة أصول هدموا بها أصول الإسلام، كما قال ابن القيم، رحمه الله، قال: اتفقوا على خمسة أصول هدموا بها أصول الإسلام. الأصل الأول عندهم المنزلة بين المنزلتين، في قضية الفاسق الملي، فقالوا: لا هو مسلم ولا هو كافر، وهذا كلام باطل. بل جاءت الأدلة على أنه مسلم، لكنه فاسق بكبيرته. وأقرب دليل هو قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، وقال في القتل -إذ هو أعظم الجرائم وأعظم الفسق-: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، فسمى القاتل هنا أخًا، من عفي له من أخيه شيء، فسمى هنا القاتل أخًا، فلو لم يكن مسلمًا لما سماه أخًا. فلهذا جمع أهل السنة بين الأدلة، فقالوا: إن الفاسق الملي يخرج من الإيمان المطلق، ولا يسلم مطلق الإيمان. هذا كلام شيخ الإسلام، رحمه الله، والمعنى أن ليس هو من المؤمنين الكاملين، لكن اسم الإيمان لا يزال معه ما دام أنه لم يرتد ولم يكفر بالله، فهو -أو كما يقال- فاسق بمعصيته ومؤمن بإيمانه، مؤمن بإيمانه. هذا الأصل الذي أصلّوه والذي خرجوا عليه، ثم تبعه أيضًا أصول أخرى. ومن ذلك إنفاذ الوعيد، أن من أصولهم إنفاذ الوعيد، ويقصدون بإنفاذ الوعيد أن كل وعيد في القرآن لا بد أن الله عز وجل ينفذه؛ لأن الله لا يخلف الميعاد. وهؤلاء لجهلهم خلطوا بين الوعد والوعيد، لجهلهم خلطوا بين الوعد والوعيد. فمعلوم في اللغة والشرع أن الوعد لا بد أن يوفى، ومخالفة الوعد عيب، وأيضًا كذلك حرام في الشرع. والله عز وجل قد قال: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ سبحانه وتعالى، لكن مخالفة الوعيد هل هي نفس مخالفة الوعد؟ مخالفة الوعيد أو خلاف الوعيد هل هو نفسه خلاف الوعد؟ لا، ليس هو نفسه، بل غالبًا خلاف الوعيد يكون محمودة، يكون محمودًا؛ لأن الإنسان لما يخالف وعيده يكون غالبًا محمودًا. مثل -على سبيل المثال- في واقعنا يقول -مثلًا- أب لابنه: إن لم تفعل كذا سأضربك، فلم يفعل هذا الولد، فهو منتظر منتظر الضرب، فيعفو عنه هذا الأب، فهل هذا يسمى خلافًا للوعد؟ لا، بل هذا عفو. أن يسمى هذا عفوًا، وهذا في لغة العرب. ولهذا الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، فيغفر للعبد مع أنه قد أوعده -أنا قد رتب على المعصية التي ارتكبها هذا العبد الوعيد-، مثلًا قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ فَقَدْ ظَلَمَ ظُلْمًا مُّبِينًا﴾، ويقول ربنا سبحانه وتعالى أيضًا في الزنا -مثلًا-: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، أو قال ربنا سبحانه وتعالى في القتل: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، أو قولًا لعز وجل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾، إلى غير ذلك من هذه الآيات. إن كان شركًا، فربنا جل وعلا قد بيّن أنه لا يغفر الشرك، وأما إن كان دون شرك، فربنا جل وعلا يغفره. ويغفر ذلك إما بالكفارة التي تقام في الحدود، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، وقال: «فمن أصاب شيئًا منها -أي من هذه المعاصي: الزنا والسرقة- فأقيم عليه الحد في الدنيا فهو كفارة له، ومن ستره الله فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له». فهذه النصوص أين نذهب بها؟ بيّن الله عز وجل أنه يغفر الذنوب، ويغفر لهؤلاء ولو ارتكبوا كبائر، فهو تعالى رحيم. لكن هؤلاء لأنهم جهلوا بلغة العرب قالوا: كيف الله عز وجل يتوعد هؤلاء العصاة ثم يقال أنه يغفر لهم؟ هذا إخلاف للوعد، انظروا هذا إخلاف للوعد، والله لا يخلف الميعاد. وهذا جهل بلغة العرب كما قلنا، ففرق بين أن يخلف الوعد وبين أن يخلف الوعيد. ربنا سبحانه وتعالى لم يذكر شيئًا أبدًا فيمن وعده بالخير، فيمن وعده بالخير فإنه نافذ وعده، سبحانه وتعالى لم ينقض أبدًا ما وعد سبحانه وتعالى بالخير، بخلاف ما كان فيه وعيد، فإنه قدم العفو والمغفرة، سبحانه وتعالى ورحمته سبقت غضبه جل وعلا. فلهذا إنفاذ الوعيد ليس كإنفاذ الوعد. فهذا الأصل الثالث الذي عندهم، إن شاء الله تعالى نكمل هذه الأصول في درس لاحق، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدة.