الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 112، ألقاها
يشرح اعتقاد أهل السنة في كرامات الأولياء بأنها تحدث بإذن الله تعالى، ويعرف الأولياء بأنهم المؤمنون المتقون. الولاية متاحة لكل مؤمن تقيا.
يفرق بين الكرامة والشعوذة بأن الأولى تحدث لأهل الإيمان والتقوى، بينما الثانية تكون على أيدي السحرة. شرط التمييز هو عرض الأقوال على الكتاب والسنة.
يؤكد الفرق بين الكرامة والشعوذة بكون الأولى لمتبع الكتاب والسنة، بينما الثانية لغيرهم. اتباع الكتاب والسنة هو المعيار.
يختتم الدرس بالإشارة إلى استكمال الحديث في درس لاحق حول المسألة. يتمنى أن يكون الله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي رحمه الله: «ونؤمن بما جاء من كراماته». بعدما قال: «ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليه السلام». ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء، وهذا كما قلنا اعتقاد أهل السنة. ثم قال: «ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم». ونؤمن بما جاء من كراماتهم، كرامات الأولياء، الأولياء لهم كرامات، تعالى الله عز وجل لهم، كتأييد منه سبحانه وتعالى لصلاحهم. وربنا جل وعلا قد قال: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾. فأولياء الله هم المؤمنون المتقون، ليس الولاية خاصة بأحد بعينه، ولا له شيء يميزه عن غيره، وإنما بالإيمان والتقوى، فكل مؤمن ولي لله جل وعلا، لكن قدر ولايته على قدر إيمانه وتقواه، كلما كان مؤمنا متقيا كان أقرب إلى الله جل وعلا وأكثر ولاية لله. فلهذا فأولياء الله أعطاهم الله عز وجل كرامات، والكرامة هي الشيء الخارق للعادة. الكرامة هو الشيء الخارق للعادة، معنى يكون خارقا لعادة أهل ذلك الزمان. وهذا قولنا: «أهل ذلك الزمان». هذا زادها بعض العلماء المعاصرين لأجل معنى هناك، بعض الخوارق للعادات قد تكون عندنا ليست خارقا، لكن في أزمان قد مرت تكون خارقا. فلهذا مثلا أن يمشي الرجل مسافة بعيدة يمشيها بشيء يسير من الوقت، مثلا مسافة تحتاج إلى أربعة أيام فيقطعها في يوم أو يقطعها في أقل من يوم، هذا كانت خارقة عندهم في ذلك الزمان، لكن عندنا الآن أصبحت شيئا عاديا، يعني يذهب بالطائرة أو بالسيارة أو بكذا. أيضا كذلك قد يكرم الله عز وجل لبعض عباده أن يكلم بعض أهله أو كذا وهو من بعيد، مثلا يكشف له شيء مثل ما قال عمر رضي الله عنه: «يا سارية الجبل». جبل، معناه يجعل في لسانه شيء من الكلام فيسمعه، فيسمعه الله عز وجل ذلك الذي يكون في مكان بعيد مثل سارية، سمع كلام عمر، وكان عمر يخطب بالمدينة، فهذا كان خارقا للعادة في ذلك الزمان، لكن عندنا الآن أصبح شيئا عاديا أنا بالهاتف كذا يكلم من كان في أي مكان. فالكرامة تكون لمن كان خارقا للعادة لمن في زمنه، لمن كان في ذلك الزمان. وقد وضع العلماء شرطا في الفرق بين الكرامة وبين الخرافة والشعوذة، لأن الكرامات أحيانا تشبه الشعوذة، لكن الفرق بينها أن هذه الكرامة تجري لأهل الإيمان، تجري على أيدي أهل الإيمان وأهل التقوى والمتبعين للكتاب والسنة. وأما تلك الشعوذة تجري على أيدي السحرة والخرافة تجري على أيدي المعرضين عن الكتاب والسنة والمخالفين له من المرتدين وأهل البدع. ولهذا قال الليث بن سعد رحمه الله: «إذا رأيت الرجل يمشي أو يطير في الهواء، فاعرض قوله على الكتاب والسنة». إذا رأيت الرجل يطير في الهواء لرجل طار، فاعرض قوله على الكتاب والسنة، فإن كان الرجل من المتبعين فهي كرامة، وإن كان الرجل ليس من المتبعين فهي شعوذة. فقال الشافعي رحمه الله لما نقل كلام الليث: «قصر الليث». يريد قصر الليث أن يعيد كلامه، لكن يزيد فيه، فقال الإمام الشافعي رحمه الله: «إذا رأيت الرجل يمشي في الماء ويطير في الهواء، فاعرض قوله على الكتاب والسنة». معنى لا تلتفت إلى مشيه في الماء، لا تقول أن هذا كرامة حتى تعرض قوله، أقواله التي يقولها، إيش يعتقد؟ فإن كان يعتقد على خلاف ما قرره الإسلام، فمعنى ذلك أنه رجل خرافي، وهذا الذي يفعله شعوذة، يقال شعوذة ويقال شعبذة، معنى أنه من الجن. وكم من إنسان رأوه الناس يمشي وهو من الجن، معنى أقصد أن الجن يفعلون ذلك معه، معنى يساعدونه في ذلك. فلهذا الفيصل بين الكرامة والخرافة أن الكرامة تكون لمتبع الكتاب والسنة، والخرافة تكون لغيرهم من أهل البدع والسحرة والكهان والمشعوذين. فهذا فرق من أهم الفروق التي تميز الكرامة عن الشعوذة. ولهذا لم يعرف الأشاعرة أو لم يهتم بهذا الباب من الفرق، فلم يفرق بعد ذلك بين كرامة الولي ومعجزة النبي، وكذلك وبين خرافة المشعوذ وتكهين الساحر، فلم يفرق بينهما. وأتوا بفرق هزيل جدا، فقالوا: «إني ادعى النبوة أكذبه». يريدون أن يفرقوا بين النبي والساحر، وهذا كلام باطل. كم من ساحر ادعى النبوة وهو ساحر كاذب أو أنه رجل من أهل البدع وأهل الردة ادعى النبوة. فقولهم «أكذبه الله» هذا عند الله عز وجل، وليس لهم. فلهذا الفرق الذي جاءوا به فرق هزيل لا يفرق بين الكرامة والشعوذة. وأما أهل السنة فجاءوا بهذا الفرق العظيم، أنه أن تعرض أقواله وفعاله على الكتاب والسنة، فإن كان من أهل السنة يتبع الكتاب والسنة فهذا كرامة، لأن ما ستكون كرامة إلا لرجل متبع. وأما إن كان رجل من السحرة أو من أهل البدع والمخالفين للكتاب والسنة، فهذه ليست كرامة. فهذا الفرق بين الكرامة وغيرها، وأما المعجزة فهي تكون للأنبياء، وهي خارق أيضا للعادة. فإذا كانت على يد نبي تسمى معجزة. وهذه التسمية وإن كانت هذه التسمية ليست من تسميات أهل السنة، المعجزة وإنما من تسميات الكتاب والسنة آية، وليسمونها آية كما سماها الله عز وجل وسماها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. إن شاء الله تعالى نذكر أيضا ما تبقى من كلام في هذه المسألة في درس لاحق، فنكتفي بهذا. الله تعالى أعلم.