الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 17، ألقاها
يشرح المقطع اعتقاد الإمام الطحاوي في نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم واصطفاء الله له. يبين معنى الاصطفاء والفرق بين النبي والرسول.
يتناول المقطع التفريق بين النبي والرسول وفقًا لرأي أهل السنة مستدلين بالقرآن والأحاديث النبوية، مع توضيح آراء العلماء المختلفة في هذا الشأن.
يشرح تعريف النبي والرسول وخاتمية النبوة، ويحذر من ادعاء النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع الإشارة إلى محاولات الزنادقة تحريف هذا المفهوم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، طيب، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «وأن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وكل دعوى النبوة بعده فغى وهوى، وهو مبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء». فالآن ذكر بعض ما ينبغي اعتقاده في نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكأنه أراد الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مقدمة هذه العقيدة، فقال: «وأن محمدًا عبده المصطفى»، أي الذي صفاه الله عز وجل عن سائر خلقه. فقال الله عز وجل: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾، فربنا جل وعلا اصطفى من الملائكة رسلا، واصطفى كذلك من الناس أيضًا رسلا، ومن من اصطفاه الله عز وجل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما قال ابن مسعود: «إن الله عز وجل نظر إلى قلوب العباد، فرأى قلب محمد صلى الله عليه وسلم أطهر القلوب عليه الصلاة والسلام، فاختاره لرسالته، ثم نظر في القلوب فرأى أن قلوب أصحابه من أطهر القلوب، فجعلهم أصحاب نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم»، فلهذا اختار الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام. قال: «وأن محمدًا العبد المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى». والمجتبى أيضًا هو المراد به الاصطفاء، والمرتضى الذي ارتضاه للناس سبحانه وتعالى. وهنا المؤلف ذكر الفرق بين النبي والرسول، فقال: «ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى». وهل هناك فرق بين النبي والرسول؟ فهذه المسألة بحثها كثير من أهل العلم، وتجد من يفرق بينهما، ومنهم من ينتسب إلى أهل السنة أيضًا من يقول: إنه لا فرق بين النبي والرسول، فكل رسول نبي، وكل نبي رسول. وذهب أكثر أهل السنة إلى التفريق بين النبي والرسول، واستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿وما أرسلنا من رسول ولا نبي﴾، ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾، فهنا قال: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي»، فهنا الواو تفيد المغايرة. وأيضًا أن النبي خلاف الرسول، فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾، فهذا يدل على التغاير بين الرسول وبين النبي. ومما يدل على الفرق بين النبي والرسول أن آدم عليه الصلاة والسلام لم يذكر بالرسالة في القرآن ولا في السنة، بل لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هو نبي مكلم»، نبي كلمه الله عز وجل. وأيضًا وصف الله عز وجل الرسالة لنوح، وصف نوحًا بالرسالة، ولم يصف آدم بهذه الرسالة. بل جاء في الصحيح في حديث احتجاج موسى وآدم، وفي بعض الحديث أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم في نوح: «أنه أول الرسل»، فتبين وأظهر أقصد في حديث في الصحيحين في حديث الشفاعة: لما يأتون إلى نوح فيقولون: «يا نوح، أنت أول رسول أرسلك الله في الأرض»، فدل على أن من كان قبل نوح هم أنبياء وليس رسلًا، فلهذا هذه الأدلة وغيرها مما يدل على أن هناك فرق بين النبي وبين الرسول. وما هو الفرق بين النبي والرسول؟ فأيضًا اختلفت كلمات العلماء في ذلك، فمنهم من يقول: إن النبي الذي يبلغ شرع من كان قبله، والرسول الذي يوحى إليه بشرع جديد. لكن هذا منتقد. ومنهم من يقول: إن الرسول هو الذي يرسله الله عز وجل إلى قوم أو بشرع إلى قوم مخالفين، وأما النبي فيرسله الله عز وجل إلى قوم موافقين، وإما يرسله بشرع أو أنه يعمل بذلك الشرع أو بشرع من قبله. ولهذا جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، كلما هلك نبي خلفه نبي آخر»، فقال: «تسوسهم أنبياؤهم»، فأولئك الأنبياء هل كانت لهم شرائع؟ الظاهر لا، وإنما كانوا على شريعة التوراة، كانوا على التوراة شريعة موسى، مما أرسل الله عز وجل به موسى. فدل ذلك على أنه ممكن أن يكون الأنبياء ممكن أن يكون بشرع، وممكن أنه لا يكون بشرع، وقد يكون هذا الشرع الذي جاء به يبلغ إلى قومه أو أنه يعمل به في نفسه، كما جاء في بعض الحديث، حديث ابن عباس: «أنه قال صلى الله عليه وسلم: يأتي النبي وليس معه أحد»، فدل على أن الشرع الذي معه إنما عمل به وطبقه بنفسه، ولم يأت أحد معه، ولم يتبعه أحد. وهذا أيضًا لعله من أفضل الأقوال التي تقال. إلا أن بعض العلماء يقول: إن النبي أيضًا يؤمر بالتبليغ؛ لأنه ينبأ بهذا الشرع، وهو يوحى إليه كذلك مثل الرسول. قال: «ونبيه المجتبى». والنبي هو من النبوة، وهي الارتفاع، ويقال أيضًا: من النبأ، وهو الإخبار. فلهذا جاءت في القراءات: «نبي ونبيء»، عن «نبي»، الهمزة؛ أي أنه ينبأ بالوحي، أو نبي؛ أي أنه يرتفع ورفعته، يرفعه الله عز وجل حتى يوحي إليه. فقال: «وأن محمد عبد المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم الأنبياء». وهذا جاء أيضًا في القرآن: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾، وهو ختم الله عز وجل به الرسالات. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «لا نبي بعدي»، فتبين من هذا أنه من عقيدة المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء، فمن زعم أن هناك نبيًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذب القرآن والسنة، فيعتبر كافرًا. ولهذا فكل من ادعى النبوة فهو كافر بالله جل وعلا؛ لأنه يكذب بالقرآن والسنة. ولهذا احتال بعض الزنادقة حينئذ لأجل يصرف هذا التقرير، فمنهم من يقول: سمى نفسه «أنا»، حتى يقول في الحديث: «لا نبي بعد أنا». وهذا أيضًا من الزندقة التي أخذها هؤلاء، ولم يتقوا الله عز وجل في أنفسهم، وكذبوا على الله جل وعلا. وكذلك بعضهم زاد، كما زادها محمد بن سعيد المصلوب: «إلا أن يشاء الله»، قال: «لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله». وهذا أيضًا من الكذب والافتراء، ولهذا صلب هذا الرجل، وقتل بسبب مثل هذا الكلام الذي جاء به؛ لأنه كان أيضًا يدعي النبوة، فجاء بمثل هذا الاستثناء حتى يتسنى له الادعاء. وغيرها مما جاء في دعوى هؤلاء. ولهذا قال بعد ذلك: «وكل دعوى النبوة بعده فغى وهواء». فقال: «وأنه خاتم الأنبياء». وبقية العبارات إن شاء الله تعالى نتكلم عليها في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.