الدرس في شرح تعظيم العلم 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع مقدمة كتاب «تعظيم العلم» مبيناً أن نيل العلم موقوف على قدر تعظيم الطالب له في قلبه، وأن المؤلف سيورد عشرين معقداً تحقق عظمة العلم وتعين على حيازته. ويحذر من الاستخفاف بهذه المعاقد بدعوى الغلو، مؤكداً أن العبرة بالانتفاع والعمل لا بكثرة البسط والكلام.
يؤكد المقطع على أن القلب هو وعاء العلم، وطهارته شرط لقبول العلم وثبوته، مستشهداً بالآيات والأحاديث الحاثة على طلب العلم. ويرد على المزهدين في المعاقد العلمية بأنها من هدي السلف وطريق التحصيل، مشبهاً العلم في القلب بنور المصباح الذي لا يشرق إلا بصفاء الزجاج.
يضرب المؤلف مثلاً بالمصباح والزجاج لبيان أن صفاء القلب يجلب نور العلم وكثرته، بينما المعاصي والشبهات تكسف أنواره، مستدلاً بقول الشافعي: "العلم نور، ونور الله لا يؤتاه عاصٍ". ويفسر الآية الكريمة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ بتطهير الأعمال الباطنة من ثلاث منجسات: الشرك، والبدعة، والمعصية، مرجحاً هذا المعنى بسياق السورة ولغة العرب.
يشرح المقطع أن القلب السليم هو الذي يسلم من الشرك والبدع والمعاصي، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. ويشير إلى أن استدلال المؤلف بهذه الآية له وجه صحيح عند المفسرين، على أن يُكمل الحديث في درس قادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فوقفنا في المقدمة عند قول المؤلف في كتابه "تعظيم العلم": "وَإِنَّ مِنَ الْإِحْسَانِ لَهَذِهِ الْجُمُوعِ الصَّاعِدَةِ وَالْأَجْيَالِ الْوَاعِدَةِ إرشادها إلى سر حيازة العلم الذي يظفرها بمأمولها ويبلغها مأمنها". يعني يريد بهذا أن كثيراً من المقبلين على العلم يحبون العلم ويرجون أن يكونوا علماء، لكن ما هي الطريقة المثلى في حيازة العلم، أي في أخذ العلم؟ ففي هذه الرسالة سيبين هذه المعاقد، وهي من إعانة الطالب على إدراك مأموله: "يظفرها بمأمولها" يعني ينالها، "ويبلغها مأمنها" فشبه هذه الأجيال بالأمانة التي ترد إلى أهلها في أمان وسلامة، "رحمة بهم من الضياع في صحراء الآراء وظلماء الأهواء". فإن من اتخذ طريقاً في العلم مشتتة وغير مؤصلة فإنه يضيع ولا يظهر بشيء من العلم. وقال: "وإعمال لهذا الأصل جمل الحديث أيها المؤمنون عن تعظيم العلم، فإن حظ العبد من العلم موقوف على حظ قلبه من تعظيمه وإجلاله، فمن امتلأ قلبه بتعظيم العلم وإجلاله صالحاً أن يكون محلاً له، وبقدر نقصان هيبة العلم في القلب ينقص حظ العبد منه، حتى يكون من القلوب قلب ليس فيه شيء من العلم. فإذا نيل العلم موقوف على قدر تعظيم الطالب له، فمن عظمه ناله، ومن لم يبالي به حجب عنه". وبهذه المعاقد التي ذكرها المؤلف يعظم الطالب العلم، فينال هذا العلم. قال: "فمن عظم العلم لاحت أنواره عليه"، أي أنوار العلم، "ووفدت رسل فنونه إليه"، يعني تتابعت عليه الفنون، فنون العلم. "ولم يكن لهمته غاية إلا تلقيه، ولا لنفسه لذة إلا الفكر فيه". فمن ذاق لذة العلم لا يبغي به بدلاً. وكأن أبا محمد الدارمي الحافظ لمح هذا المعنى، فختم كتاب العلم من سننه المسمى بالمسند الجامع بباب في إعظام العلم، فكأنه يقول لقارئ هذا الباب من كتابه: العلم إن أردت الانتفاع بهذا العلم ونيل هذا العلم فعليك بإعظامه، بإعظام هذا العلم. وقال: "وأعون شيء على الوصول إلى عظام العلم وإجلاله معرفة معاقد تعظيمه، وهي الأصول الجامعة". معاقد: جمع معقد، معاقد جمع معقد، وهو كما عرفها: الأصول الجامعة المحقق لعظمة العلم في القلب. فإن العبد تقوى همته وتعلو إرادته بما عظم هذا المأمول وهذا الذي يسعى إليه. فمن عظم المال كان سعيه لجمعه وهمته لنيله، ومن عظم الرئاسة والمناصب والجاه والسلطان كانت همته وسعيه لنيل هذه الرئاسة، ومن عظم العلم كانت همته ورغبته في نيل هذا العلم. فالمعاقد هي الأصول الجامعة المحقق لعظمة العلم في القلب، فمن أخذ بها كان معظماً للعلم مجلا له، ومن ضيعها فلنفسه أضاع ولهواه أضاع، طاع فلا يلومن إن فتر عنه إلا نفسه: "يَدَاكَ أَوْكَتَا وَفُوكَ نَفَخَ"، أي أنت جَنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، أنت جَنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ. وقال: "وَمَنْ لَا يُكْرِمُ الْعِلْمَ لا يُكْرِمُهُ الْعِلْمُ، فَمَنْ أَكْرَمَ الْعِلْمَ أَكْرَمَهُ الْعِلْمُ"، وذلك بالانتفاع به وفتح أبوابه وسهولة أخذه ونحو ذلك. وقال: "وَسَنَأْتِي بِالْقَوْلِ بِإِذْنِ اللَّهِ عَلَى عِشْرِينَ مَعْقِدًا يُعَظَّمُ بِهَا الْعِلْمُ مِنْ غَيْرِ بَسْطٍ لِمَبَاحِثِهَا"، يعني من غير إطالة، والبسط هو التوسع والإطالة. قال: "فإن المقام لا يحتمل، والإتيان على قاية كل معقد يحتاج إلى زمن مديد"، يعني زمن طويل، "والمراد هنا التبصر والتذكير، وقليل يبقى فينفع خير من كثير يلقى فيرفع"، لاسيما ونحن في هذا العصر الذي قلت فيه الهمم، فدراسة الكتب المختصرة هو الأنفع، هو الأنفع. "وقليل يبقى فينفع خير من كثير يلقى فيرفع"، يعني يستطيله القارئ فلا يهتم به بل يرمي به ويتركه. والعلم إنما يمدح بالانتفاع لا بالبسط والاتساع، ولذلك كان السلف كلامهم قليل وعملهم كثير، وأما الخلف فكلامهم كثير وعملهم قليل. فالعبرة بالعمل والانتفاع لا بكثرة البسط في العلوم والشروح ونحو ذلك، هذا هو المراد. قال: "فخذ من هذه المعاقد بالنصيب الأكبر تنل الحظ الأوفر من رياض الفنون وحدائق العلوم، وإياك والإخلاد إلى مقالة قوم حجبت قلوبهم وضعفت نفوسهم، فزعموا أن هذه الأحوال غلو وتنطع وتشدد غير مقنع، فقد ضرب بينهم وبينها بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب". ويريد بهذا حفظه الله أن بعض المغرضين المزهدين في العلم لا يعتنون بمثل هذه المعاقد، لأنهم لم يذوقوا لذة العلم، وكما يقال: من لا يعرف الذهب يحسبه نحاساً. فهؤلاء يزهدون في العلم وفي طرق أخذه وفي الانتفاع به، وما ذاك إلا لضعف نفوسهم وحرمانهم من هذا العلم، فهم يصفون الاعتناء بهذه المعاقد تنطعاً وتشدداً، فحرموا العلم، ومن أطاعهم حرم كذلك العلم، حرماء العلم. فلا شك أن العلم له أسباب، له أسباب شرعية، ومن جملتها وآكدها تعظيم العلم بمثل هذه المعاقد التي سيذكرها المؤلف. فإنما العلم بالتعلم، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنما العلم بالتعلم». فيريد المؤلف من هذا الحث على الاعتناء بهذه المعاقد التي سيذكرها. قال: "فليس مع هؤلاء على دعواهم من أدلة الشرع ما يصدقها، بل من أدلة الشرع ما يكذبها، فالشرع جاء بالحث على العلم والازدياد منه، أو الازدياد منه والإخلاص فيه ونحو ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وفي قوله: ﴿قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وغير ذلك من الآيات التي تحث على العلم. وأما هؤلاء فليس لهم من أدلة الشرع ما يصدقها، ولا من شواهد الأقدار ما يوثقها. فهل رأيتم عاجزاً كسلاناً ينال العلم ويرجع إليه في مسائل العلم أبداً؟ بل من جد وجد، ومن طلب العلا سهر الليالي، ومن أراد اللآلئ غاص البحر، يغوص البحر من طلب اللآلئ، فهذا أمر معلوم ومشاهد". وقال: "إنما هي عذر البليد وحجة العاجز الذي يزهد في العلم وفي معاقده لأنه لم يفهم العلم ولأنه كسلان عاجز". قال: "فأين الغلو والتنطع من شيء الوحي شاهده كما ذكرنا في الحث على العلم، والرعيل الأول سالكه"، أي السلف من عهد الصحابة ومن بعدهم، فقد ضربوا لنا أروع الأمثلة في الجد والاجتهاد في العلم، فمنهم من رحل، ومنهم من جاع، ومنهم من سهر، ومنهم ومنهم. فكل معقد منها ثابت بآية محكمة أو سنة مصدقة أو آثار عن خير القرون الماضية. قال: "فإذا وثقت بصدقها وعقلت خبرها وخبرها"، خبرها يعني حقيقتها، وخبرها يعني ما نقل إلينا من أخبار، "فلا تقعد همتك بخطبة الكسل والتواني تتسلل إليك وهي تجلجل: هذه أحوال من مضى من سلف الأمة وخير الورى، فأين الثرى من الثرية؟" الثرى: النجم المعروف الذي في السماء، الثرية، والثرى: هو التراب الذي في الأرض، فكم بينهما من المسافة؟ بينهما بون شاسع. "أين الثرى من الثرية؟ بل من سمت نفسه إلى مقاماتهم أدركها، فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم، إن التشبه بالكرام فلاح". فأشهد قلبك هذه المعاقد، وتدبر منقولها ومعقولها، واستنبط منطوقها ومفهومها، فبالمباني خزائن المعاني. المباني: يعني ما تقرأه وما تتعلمه من المكتوب أو المحفوظ، وخزائن المعاني: ما يستنبط من هذا المكتوب. فكم من عالم فتح الله عليه في معنى آية أو في معنى حديث فاستنبط منها الأحكام الكثيرة ما لم يستنبطه غيره، ما لم يستنبطه غيره. فالمباني خزائن المعاني، من غاص فيها استخرجها بإذن الله سبحانه وتعالى. قال: "المعقد الأول: تطهير وعاء العلم". فأول هذه المعاقد التي بها ينتفع الطالب بالعلم أن يطهر وعاء العلم، أن يطهر قلبه، ومن باب أولى أن يحذر من تدنيسه وتوسيخه. وهو القلب، فإن لكل مطلوب وعاء، حتى المال: إذا عندك أموال تحتاج إلى خزينة تحفظ فيها هذا المال، صح. وهكذا كل شيء تطلبه لا بد أن تفكر قبل حوزته بالوعاء الذي سيحفظه. قال: "فإن لكل مطلوب وعاء، وإن وعاء العلم في القلب، ووسخ الوعاء يعكره ويغير ما فيه". لو عندك ما تريده للشرب فأنت تتحرى الوعاء النظيف الذي لا يعكر عليك صفا هذا الماء، أليس كذلك؟ بلى. وهكذا العلم، فوسخ الوعاء يعكره ويغير ما فيه. وقال: "وبحسب طهارة القلب يدخله العلم، وكلما كان نقيا تقيا صافيا كان العلم أثبت فيه وأنفع". وقال: "وإذا ازدادت طهارته ازدادت قابليته للعلم". وقال: "ومثل العلم في القلب كنور المصباح، إن صفا زجاجه شعت أنواره، وإلا اضطخته الأوساخ كسفت أنواره". وهذا مثل يقرب لك ما أراده المؤلف: العلم في القلب كنور المصباح، ذاك نور حسي وهذا نور معنوي. لو أتيت بمصباح، لا سيما المصباح القديم الذي عبارة عن زجاجة وبداخلها الفتيل الذي يشعل بالنور، فهذه الزجاجة التي هي حوالي هذا النور، هذه النار التي تضيء، لو كانت متسخة عليها سواد وعليها تراب، كيف سيكون نور هذا الفتيل المضيء بداخله؟ ستكون ضعيفة النور، يكون ضعيفاً. لكن لو كانت صافية، هذه الزجاج صافية نقية، سيكون النور ما شاء الله كثير. هذا معنى قول: "إن صفى زجاجه شعت أنواره"، يعني كثرت ووضحت ونحو ذلك، "وإن لطخته الأوساخ كسفت أنواره"، أي ذهبت أنواره. فإن الكسوف هو ذهاب نور الشمس أو بعضه، قال: "كسفت الشمس"، أي ذهب نورها أو بعض نورها، قد يكون الكسوف كلاً أو جزءاً. وهكذا هذا القلب الذي هو نور معنوي، نور معنوي، فإن كان هذا القلب صافياً نقياً شعت أنواره، أما إن كان متسخاً متلطخاً بالمعاصي والذنوب فإنه يكون كما ذكر: "كسفت أنواره"، أي ذهب نور هذا العلم من القلب، نور هذا العلم من القلب. وكما قال الإمام الشافعي نقلاً عن شيخه وكيع: «وقال: أعلم بأن العلم نور، ونور الله لا يؤتاه عاصٍ، لا يؤتاه عاصٍ». لما شك الإمام الشافعي إلى وكيع سوء الحفظ والانتفاع، فذكر له أن العلاج هو ترك المعاصي: «شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي، وقال: أعلم بأن العلم نور، ونور الله لا يؤتاه عاصٍ». قال: "فمن أراد حيازة العلم فليزي باطنه ويطهر قلبه من نجاسته". يزي باطنه بالإيمان والطاعة، لا يكفي العلم دون عبادة وطاعة وتقرب والتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، لا بد أن يجمع الطالب بين أخذ العلم وبين العمل بهذا العلم والانتفاع به، وذلك بتزين الباطن وتطهير القلب من نجاسته، وسيأتي معنا بماذا ينجس القلب. قال: "قال: فالعلم جوهر لطيف لا يصلح إلا للقلب النظيف، العلم جوهر لطيف لا يصلح إلا للقلب النظيف". وقال: "وطهارة القلب ترجع إلى أصلين عظيمين: أحدهما طهارته من نجاسة الشبهات، والآخر طهارته من نجاسة الشهوات". والشبهات: يعني ما يكون من وضع الشبه على القلوب، سواء كان في باب العبادة أو في باب العقيدة أو في باب السلوك، فهناك فرق ضالة تحمل شبهاً تبثها في المجتمع، فمن أصغى لهذه الشبه وتتبعها تكاد أن تعلق، تكاد أن تعلق في قلبه. "وطهارته من نجاسة الشهوات"، وطهارته من نجاسة الشهوات: أي المعاصي والآثام. وقال: "ولما لطهارة القلب من شأن عظيم أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في أول ما أمر، في قوله تعالى في سورة المدثر: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، في قول من يفسر الثياب بالباطن، وهو قول حسن له مأخذ صحيح، وسبب حسن هذا القول رعاية السياق، رعاية السياق: سياق هذه الآيات الواردة في أول سورة المدثر، فإن الآية هذه ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ مسبوقة بقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، وهذا يكون بالظاهر أو بالباطن، يكون بالباطن: كبر الله عز وجل يعظمهم، وملحوقة ومتبوعة بقوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، والرجز هنا ماذا؟ الشرك وعبادة الأوثان والأصنام، أهجرها وتركها، وهذا من الباطن. ففسر ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: أي طهر أعمالك من الذنوب، وليست على ظاهرها، أي طهر ثيابك من النجاسة الظاهرة، وإنما المراد النجاسة الباطنة: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. ولذلك قال: وهو قول حسن له مأخذ صحيح، أي أن العرب من الأساليب التي تستخدمها قولهم: فلان نقي الثياب، أي سالم من الآثام، نقي الثياب أي سالم من الآثام. فقول ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: أي أعمالك طهرها من الذنوب والآثام. وعلى هذا التفسير أكثر السلف، كما ذكر ذلك ابن جرير الطبري في تفسيره، نقل هذا المعنى عن جمع من المفسرين من السلف رحمهم الله تعالى. فإذا: تفسير الآية، منهم من فسرها على ظاهرها: الثياب الظاهرة، طهرها مما علق بها من نجاسة ظاهرة، ومنهم من فسرها بالباطن، يعني المراد بالثياب الأعمال، تطهر من الذنوب، وهذا له وجه في اللغة، ولذلك جاء عن بعض المفسرين، فدلالة السياق ترجح المعنى الذي ذكره المؤلف، الذي ذكره المؤلف، فيكون المعنى هو: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أي طهر أعمالك من كل ما ينجسها، من كل ما ينجسها. وجماع منجسات الأعمال ثلاثة، ذكرها ابن القيم في كتابه "الفوائد": أحدها الشرك، وثانيها البدعة، وثالثها المعصية. فالآية جامعة للأمور بالتطهر منها جميعاً: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أعمالك طهرها من الشرك والبدع والمعاصي، وهذه التي تنجس القلوب، هذه التي تنجس القلوب: الشرك والبدع والمعصية. فلا يكون القلب سليماً حتى يسلم من هذه الثلاثة، ولذلك فسر المفسرون قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قالوا: سليم من الشرك والبدع والمعاصي. فإذا استدلال المؤلف بهذه الآية له وجه، له وجه، وجاء عن بعض المفسرين. طيب، نكمل بقية هذا المعقد إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.