شرح تعظيم العلم  18

شرح تعظيم العلم 18

الدرس في شرح تعظيم العلم 18، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

توقير مجالس العلم وإجلال أوعيته

يجب توقير مجالس العلماء وإجلال الكتب التي تحمل العلم، لأنها ترث مجالس الأنبياء في الدعوة إلى التوحيد والأحكام. وتنزّل السكينة والرحمة على هذه المجالس، فيكون الخشوع والوقار سمتهم.

آداب مجالس العلم وأخلاق العلماء والطلاب

ينبغي للشيخ أن يتجمل بالسكينة والوقار، وللطالب أن يحسن الاستماع ويترك العبث والالتفات والضحك بغير سبب. ويجوز التخفيف في الجلوس لعذر كمرض أو طول المدة.

آداب التعامل مع كتب العلم وتعظيمها

يجب صون كتب العلم وعدم إهانتها بوضع الأشياء عليها أو رميها أو الاتكاء عليها أو وضعها عند القدمين، وحملها باليدين عند القراءة. وقد غضب الإمام أحمد على إسحاق لرميه كتاباً، وأنكر العلماء وضع الكتب في مواضع تُداس تأكيداً على تعظيم أوعية العلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ صالح العصيمي حفظه الله تعالى في كتابه "تعظيم العلم"، المعقد السادس عشر: توقير مجالس العلم وإجلال أوعيته. ومعنى توقير مجالس العلم: يعني التأدب بآدابها، وإعطاءها حقها من الإجلال والتقدير والأدب. وأما إجلال أوعيتها: أي ما تحمل العلم من الكتب المصنفة التي فيها كلام الله، وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، وكلام أئمة الإسلام. قال: فمجالس العلماء كمجالس الأنبياء. وهذا التشبيه مأخوذ من حديث أبي الدرداء في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر». فمجالس العلماء كمجالس الأنبياء، فيجب أن تحترم وأن توقر. قال سهل بن عبد الله: من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء. لأن الأنبياء جاءوا بتعليم التوحيد، وتعليم كذلك الأحكام الشرعية والآداب المرعية، وجاءوا بكل فضيلة وحذروا من كل رذيلة، والعلماء ورثتهم، فهم يدعون إلى التوحيد، يعلمون أحكام الله عز وجل التي تجب على العباد. فمجالس العلماء كمجالس الأنبياء، فمن أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء وقد ماتوا جميعاً، ولم يكن هناك نبي بعد نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فلا مجلس للأنبياء بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن لهم ورثة، فورثتهم يعلمون في مجالسهم ما يعلمه الأنبياء، فمن أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء. قال: يجيء الرجل فيقول: يا فلان -أي العالم- أي شيء تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: طلقت امرأته، لأن سياق السؤال يدل على نيته في الطلاق، فيحكم العالم بالطلاق. قال: ويجيء آخر فيقول: ما تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: ليس بحنث بهذا القول، أو ليس يحنث بهذا القول، بمعنى أنه لا تطلق امرأته. وليس هذا إلا لنبي أو لعالم، بحسب ما يغضيه السياق، وبحسب ما في نية الحالف. قال: فاعرفوا لهم ذلك، فمجالسهم مجالس الحلال والحرام. وقال مالك بن أنس: إن مجالس العلماء تحتضن بالخشوع والسكينة والوقار. وهذا مأخوذ من حديث أبي هريرة عند مسلم: «ومجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فمجالس العلم مجالس سكينة، يعني استقراراً وهدوءاً وطمأنينة وخشوعاً، فلا ترى أصحابها كثيري الحركة، ولا كذلك كثيري التلفت ونحو ذلك. وكما جاء عند مسلم في حديث حنظلة لما جاء عند أبي بكر وقال: يا أبا بكر، نافق حنظلة. قال: وماذاك؟ قال: نكون عند النبي عليه الصلاة والسلام يذكرنا بالجنة والنار حتى وكأنها رأي عين، حتى وكأن على رؤوسنا الطير. انظر إلى هذا الوصف، كانوا في مجالس النبي عليه الصلاة والسلام كأن على رؤوسهم الطير، أي من شدة الخشوع والسكينة، فلا يتحرك أحدهم ولا يتلفت، حتى ربما إذا جاء طير ظن أن هذا الجالس خشبة ثابتة، أو شجرة ثابتة، أو حجرة ثابتة، فجاء ونزل عليها. وكأن على رؤوسنا الطير من الخشوع والسكينة. الحديث مشهور، وهذا هو وجه الشاهد منه. فمجالس العلماء فيها من السكينة، وفيها من الخشوع، وفيها من الوقار، وفيها من الأدب، هكذا ينبغي أن تكون. قال: وقد كان مالك -أي ابن أنس- إذا أراد أن يحدث توضأ، وجلس على صدر فراشه، يعني أول الفراش، وبمعنى الكرسي، وسرح لحيته، وتمكن من جلوسه بوقار وهيبة. هذا كله من تعظيم العلم، لأنهم سيقرؤون من آيات الله، ومن أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكانوا يتوضأون عند التحديث، وهكذا يتجملون، وذلك بتسريح اللحية، ويجلسون جلسة ثابتة. وهذا معنى قولي: وتمكن من جلوسه، يعني استقر ولم يتحرك، بوقار وهيبة، كان مهاباً رحمه الله تعالى. قال: ثم حدث. هكذا هي مجالس العلماء. قال: وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يتحدث في مجلسه، ولا يبرى فيها قلم، ولا يتبسم فيها أحد. انظر، هذا كله من علامات توقير مجالس العلم. لا يتحدث في مجلسه أحد، ما هو يتكلم وذاك الطالب يغمز من بجواره أو يتكلم معه، هذا ليس من آداب مجالس العلم. ولا يبرى فيه قلم، يعني ما يأخذ الطالب القلم ويبرئه، بمعنى يجهزه للكتابة، وإنما يكون ذلك قبل الدخول في مجالس العلم. ولا يتبسم فيه أحد. وهذا محمول على التبسم الذي ليس له سبب، أما إذا كان التبسم له سبب فلا بأس. ومعنى له سبب: يعني ذكر الشيخ ما يكون سبباً في التبسم، كحكاية مضحكة أو موقف مضحك أو نحو ذلك، فيتبسم. أما أن يتبسم دون سبب، ودون ما يجلب هذا التبسم، فهذا ليس من آداب طالب العلم. قال: وكان وكيع بن الجراح في مجلسه كأنهم في صلاة، هكذا، كأنهم في صلاة، لا يلتفتون ولا يتحركون. قال: فعلى طالب العلم أن يعرف لمجالس العلم حقها، فيجلس فيها جلسة الأدب، ويصغي إلى الشيخ ناظراً إليه. هذا إذا لم يكتب مثلاً الفائدة، أو يقرأ في الكتاب ويتابع مع الشيخ، فالأدب أن ينظر إلى الشيخ. وهذا ما أخوذ كذلك من قول الصحابة في خطبة النبي عليه الصلاة والسلام: أنه إذا خطب توجهوا إليه عليه الصلاة والسلام. فمن أدب التحديث أن ينظر المستمع إلى المحدث، لذلك قال: ناظراً إليه، فلا يلتفت عنه من غير ضرورة. ضرورة مثلاً كالنظر إلى كتاب كما ذكرنا، أو نحو ذلك. قال: ولا يضطرب لضجة يسمعها، ما هو أي صوت يسمعه، من يجلس في مجلس العلم يضطرب ويلتفت، هذا أيضاً ليس من آداب طالب العلم. ولا يضطرب لضجة يسمعها، ولا يعبث بيديه أو رجليه، تحركوا كثيراً، فيحركوا يديه تارة هكذا وتارة هكذا وتارة هكذا، يضمها وتارة يتكي عليها. قال: وكذلك الرجلين، تارة يمدها وتارة يقبضها ونحو ذلك. قال: ولا يستند بحضرة شيخه، يعني يتكئ، إلا إذا لم يستطع ذلك، فلا بأس. لمثلا طول المجلس، ولا يستطيع لألم في ظهره أو نحو ذلك أن يستمر جالساً، فلا بأس لهذه الضرورة أو الحاجة أن يتكئ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. لكن إذا كان يستطيع أن يجلس جلسة دون اتكاء، فهذا هو الأدب في مجالس العلم. فهذا هو الأدب في مجالس العلم. قال: ولا يتكي على يديه، هكذا يتكي على يديه أو على إحداها، إلا كما قلنا إذا احتاج إلى ذلك. قال: ولا يكثر التنحنح والحركة. التنحنح هو إخراج الصوت كقوله: "إيه، إيه"، هذا تنحنح، إلا إذا أصابه شيء في حلقه وخرج من غير شعور، أو من غير كذلك استطاعة كظم، فلا بأس، لا يكلف الله نفساً. هذه الآداب عند السعة والقدرة، فهي من الأدب. قال: ولا يتكلم مع جاره، وقد تقدم هذا. وإذا عطس خفض صوته، يعني ما يعطس يقول: الحمد لله، يرفع صوته بشدة، لا، وإنما يخفض صوته حتى يسمعه من بجانبه. قال: وإذا تثاءب ستر فمه، بعد رده جهده. ستر فمه يعني وضع يده على فمه، وإن استطاع أن يكظم دون أن يفتح فيه، فعل. أولاً يرده ما استطاع، فإذا لم يستطع، بعضهم ما استطاع أن يكظم، فينفتح فاه، فيرده بيده ويستره بيده. قال: وينضم إلى توقير مجالس العلم إجلال أوعيته، وهذا هو الجزء الثاني من الترجمة، ترجمة هذا المعقد. قال: التي يحفظ فيها، وعمادها الكتب، يعني أكثر ما يعتمد في حفظ العلم هو الكتاب. وبعضهم ربما يحفظ العلم كما في الزمن الأول في جريد النخل، أو في كذلك جلود الأنعام، أو نحو ذلك، هذا في الزمن الأول. لكن الآن يسر الله بهذه الأوراق والأقلام والكتب، فعماد حفظ العلم الكتب. قال: فاللائق بطالب العلم صون كتابه، يعني حفظ هذا الكتاب، لا يجعله مهاناً، ويضع عليه من الأشياء، ويرمي به في أي مكان، لا، بل يحفظه ويصونه. وحفظه وإجلاله: يحفظ هذا الكتاب ويجل هذا الكتاب. ومن إجلال هذا الكتاب أن لا يضع عليه أشياء أخرى، أو يرمي به، أو نحو ذلك. قال: والاعتناء به، فلا يجعله صندوقاً يحشوه بودائعه. يعني بعضهم ربما في الكتاب يضع أوراقاً، ويضع ربما معه شيء من الحاجات،كذا وضعها وأخبأها في الكتاب، هذا ما ينبغي ولا يليق. فلا يجعله صندوقاً يحشوه بودائعه، ولا يجعله بوقاً، يعني يصفر به، وعم ربما قصف الورقة ونفخ فيها وجعلها كالبوق. وإذا وضعه وضعه بلطف وعناية، ما يرمي به رمياً كما تقدم. هذا من تعظيم العلم، لأن في هذا الكتاب كلام الله، وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، وكلام السلف الصالح. قال: رمى إسحاق بن راهويه يوماً بكتاب كان في يده، فرآه أبو عبد الله أحمد بن حنبل، فغضب، وقال: هكذا يفعل بكلام الأبرار. فانظر إلى تأديب هذا العالم لطالب من طلابه، لا يرمى بالكتاب، لا يرمى بالكتاب، هكذا يفعل بكلام الأبرار. قال: ولا يتكئ على الكتاب، لعندكم ما تتكئون عليها، ربما فيها من كلام الله، ومن كلام رسوله، ومن أسماء الله عز وجل، فلا يليق هذا الفعل. أو يضعه عند قدميه، يضع الكتاب عند قدميه، وهذا فيه شيء من الإهانة لهذا الكتاب. قال: وإذا كان يقرأ فيه على شيخ رفعه عن الأرض، وحمله بيديه، يعني ما يجعله على الأرض، وإنما يجعله في يديه ويقرأ منه. فهذا كله من تعظيم العلم. وكنا في مجلس الشيخ حفظه الله، وتعرف مجلس كبير، ورأى بعض الطلاب يضع كتابه في المكان الذي يجلس فيه، وهذا يمر وهذا، فغضب الشيخ، وقال: ما هكذا يعظم العلم. وأنكر على الطلاب إنكاراً شديداً، وذكرهم بتعظيم كتب أهل العلم، وذكر بعض الأمثلة على ذلك. فما ينبغي الكتاب أن يوضع في مرور الناس، في طريق الناس، أو يوضع كذلك في أماكن جلوس الناس، أو نحو ذلك، وإنما يرفع من الأرض، يرفع من الأرض، ويعتنى به ويصان، فإن فيه من كلام الله، ومن كلام رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن كلام الأبرار، ومن كلام الأبرار. طيب، نكتفي بهذا. ترجمة نانسي قنقر.