الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 4، ألقاها
تناولت المحاضرة المصالح الحاجية والتحسينية في الشريعة، موضحة أن المصالح الحاجية ترفع الحرج والمشقة، والمصالح التحسينية تدعو إلى الأخذ بمحاسن الأخلاق. جاءت الشريعة بتيسير المصالح الحاجية وتحقيق المصالح التحسينية.
ناقشت المحاضرة قاعدة 'لا ضرر ولا ضرار' كإحدى القواعد الفقهية الخمس، موضحة أنها تدل على نفي الضرر وإزالته، واستدل العلماء عليها بآيات قرآنية وأحاديث نبوية مع اختلاف في تفسير معنى الضرر والضرار.
بينت المحاضرة ضابط ارتكاب المفسدة والمصلحة، حيث قدم درء المفسدة على جلب المصلحة إذا تعارضتا، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
أكدت المحاضرة أن الشريعة تحرم الأمر إذا كانت مفسدته راجحة على مصلحته، لأن الشريعة لا تأمر بما يغلب عليه الضرر، ويمكن التأكد من تحريم الأمر إذا ثبتت مفسدته الراجحة.
الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -عبيده الله- في ذكره لأنواع المصالح: مر معنا أن المصالح قسم العلماء إلى ثلاثة أقسام: مصالح ضرورية، ومصالح حاجية، ومصالح تحسينية. ومر معنا الكلام على المصالح الضرورية. ثم قالوا: المصالح الحاجية هي المصالح التي يحتاج إليها لأجل التوسعة ورفع كل ما يؤدي إلى الحرج والمشقة. قالوا: إذا تأملت الشريعة وجدتها قد جاءت بها، سواء كان ذلك في العبادات أم المعاملات أم العقود أم الحدود أم القصاص إلى آخر ذلك. ومن القواعد الشرعية قاعدة فرعية عن القاعدة الكلية: «مشقة تجلب التيسير»، «الحاجة تنزل منزلة الضرورة». والحاجة -كما قال أهل العلم- هي الأمر الذي يقع للإنسان معه في حالة من الحرج، بحيث لا يرتفع إلا بارتكاب محرم أو ترك واجب. واستدل العلماء على هذه القاعدة بأدلة، منها: أن النبي عليه الصلاة والسلام رخص في العرايا كما في الصحيحين: رخص النبي صلى الله عليه وسلم في العرايا أن تباع بخرصها تمرا. والعرايا هو شراء الرطب بالتمر، شراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر المكيل. ومعلوم أن بيع التمر بالرطب لا يتحقق فيه الوزن، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، كما جاءت الأحاديث في النهي عن بيع المزابنة؛ لأنه يقع في هذا البيع الربا لعدم حصول التساوي بين بيع التمر والرطب. لكن رخص النبي صلى الله عليه وسلم لأجل الحاجة أن يباع التمر بالرطب. وأيضا مما جاء في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للزبير وعبد الرحمن بن عوف بلبس الحرير لحكة بهما. رخص لهم بلبس الحرير مع أن لبس الرجال الحرير محرم، فرخص النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لوجود الحكة، أي مرض جلدي. والحرير بكونه ناعما لينا لا يؤذيهما في لبسهما، فأجاز لهما أن يلبساه. قالوا: هذا أيضا يدل على هذه القاعدة. وعلى كل من نظر في هذه الحاجات يجد أن هذه الحاجة هي مما أجازته الشريعة وأباحته. مثال ذلك رخص العبادات، كالإفطار للمسافر والمريض، والقصر والجمع للمسافر. هذه الرخص رخصت لأجل الحاجة، قد لا تصل لحد الضرورة. يعني كون المسافر يفطر في حال السفر، رغم ما يسافر ولا يضطر إلى الفطر، يستطيع أن يصوم، لكن مع ذلك هي رخصة من الشرع له أن يفطر ولو كان يستطيع الصيام. وهكذا أيضا المريض، كذلك رخص له في الإفطار. وهكذا أيضا في الصلاة جالسا، وفي الجمع بين الصلاتين، والقصر في السفر، والجمع بين الصلاتين للمسافر والمريض. قال: وإذا عجم الماء له أن يتيمم، ينتقل من استعمال الماء إلى التيمم. والمريض له أن يجمع الصلوات إلى آخره. يعني من الرخص في العبادات، هذا كله من التخفيف ومن الحاجة التي يحتاج إليها الإنسان، وقد لا تبلغ حد الضرورة. قالوا: وفي المعاملات شرعت عقود يحتاج الناس إليها، كعقد السلم، وعقد الاستصناع، وعقد الشريكة، وعقد المساقاة، وعقد المزارعة إلى آخره. هذه العقود أبيحت وشرعت لأجل الحاجة. عقد السلم هو بيع موصوف في الذمة بثمن، بيع موصوف في الذمة مؤجل بثمن مدفوع في مجلس العقد. يبيع البائع شيئا موصوفا في الذمة، يقول المشتري: أريد مثلا كذا وكذا صنفا من التمر. فيقول البائع: أوفره لك في الوقت الفلاني، مدة محدودة في زمن محدود. وقيمته يقول مثلا كذا وكذا، فيدفع المشتري قيمة هذا الموصوف وهذا التمر، ويبقى السلعة إلى الوقت المحدود. يأتي وقت المحدود فيسلم له التمر، هذا يسمى بيع السلم. وكذلك بيع عقد الاستصناع، يعني يصنع له بابا، يصنع له حذاء، يصنع له حديدا، سيفا على حسن ما يتفقان عليه، يعطيه المال مثلا، وهو يعمل في صناعة هذا الشيء حتى يجاهزه، ثم يأخذه منه. وهكذا عقد الشركة بأنواعها، وتفصيل ذلك في كتب الفقه. وهكذا عقد المساقاة، وعقد المزارعة، وغيرها من العقود التي أباحتها الشريعة وأجازتها لأجل الحاجة. قال: فكل ما يحتاج إليه لأجل المشقة والتوسعة، وعدمه يؤدي إلى المشقة والحرج، فإن الشريعة جاءت به، يعني جاءت بإباحته وإجازته لأجل رفع المشقة. قال: والمصالح التحسينية هي ما يدعو إلى الأخذ بمحاسن الأخلاق ومكارم العادات. وقد جاءت الشريعة بسنن الفطرة، كتقليم الأظافر، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والتنظف، والتجمل، والتطيب، والسواك. وكل ما يشمل مكارم الأخلاق جاءت به الشريعة، كإكرام الضيف، وصلة الرحم، وبر الوالدين، وإكرام الجار، وعدم إيذائه. وكذلك في المعاملات التيسير في البيع والشراء، والإقالة إلى آخر ذلك. ومثله أيضا في الأنكحة والحدود والقصاص. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». وقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». قال: بتبيننا هذا الشطر من البيت: كما قال الشيخ رحمه الله: أن الدين جاء لسعادة البشر، فكل ما فيه خير جاء الدين بشرعه، وكل ما فيه شر وضرر جاء الدين بنفيه. وهذا واضح. قال: وقوله «والانتفاء الشر عنه والضرر» هذا الشطر من البيت هو عبارة عن إحدى قواعد الفقه الخمس الكلية، وهي قاعدة «لا ضرر ولا ضرار». ويعبر عنها أيضا بقولهم: «الضرر يزال». وهذا التعبير أكثر ما تصاغ به هذه القاعدة. وقد يعبر عنها أيضا: «أن الضرر لا يزال بالضرر». قال: والقواعد الكلية خمس، كما سيأتي إن شاء الله. وهي القاعدة الأولى: قاعدة «الأمور بمقاصدها». القاعدة الثانية: قاعدة «لا ضرر ولا ضرار». القاعدة الثالثة: قاعدة «اليقين لا يزول بالشك». القاعدة الرابعة: قاعدة «المشقة تجلب التيسير». والقاعدة الخامسة: قاعدة «العادة محكمة». وبعض العلماء يزيد قاعدة «إعمال الكلام أو لا من إهماله». قال: فدليل قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» قوله تعالى: ﴿وَلا يَضُرُّوا كَاتِبًا وَلا شَهِيدًا﴾، فنفى الله عز وجل أن يحصل الضرر من جهة الكاتب أو الشهيد، أو ليقع منهما شيء من الضرر. وقوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، أي لا يمسك الزوج امرأته لأجل مضارة. وهذا نهي عن الإضرار بالزوجة. وقوله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾، وهذا أيضا نهي عن المضارة من جهة الأم لولدها. وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍ﴾، بهذه الوصية شيء من المضارة للورثة. قال: وقد روى في حديث أبي سعيد -أو رواية في حديث أبي سعيد- عباد وأبي هريرة وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار». وهذا الحديث لا يصح مرفوعا للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه يصح مرسلا في موطأ الإمام مالك رحمه الله. وبعض أهل العلم حسنه بمجموع طرقه. والإمام أحمد رحمه الله كان يحتج به. وهكذا أيضا أبو عمر بن الصلاح قال: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه. وقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به. وصححه شيخ الألباني رحمه الله بشواهده. ومثل هذا الحديث كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من ضر ضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه». رواه أبو داود والترمذي ومن ماجه، وصححه الألباني. قالوا: على كل حال، هذا الحديث ورد له طرق كثيرة. وإذا لم يثبت فإن هذه القاعدة ثابتة في القرآن، كما تقدم في الآيات السابقة. ومن السنة الأحاديث الواردة في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الغش، والتجسس، والتحسس، والنجش، والتباغض، كلها تدل على معنى هذه القاعدة؛ لأن هذا مما فيه مضارة. قال: والضرر خلاف النفع. وأما في الاصطلاح فهو إلحاق مشقة بالغير. الضر إلحاق مشقة بالغير. قال: مسألة معنى الضرر والضرار. قال الراجح رحمه الله: واختلفوا هل بين اللفظين -أعني الضرر والضرار- فرق أم لا؟ فمنهم من قال: هما بمعنى واحد، على وجه التأكيد. يعني لم يفرقوا بين لفظ الضرر ولفظ الضرار، وقالوا هما بمعنى واحد، والمراد منهما التأكيد، تأكيد نفي الضرر. قال: والمشهور أن بينهما فرقا. وهذا هو الصحيح؛ لأن الأصل أنه إذا اختلف المبنى اختلف المعنى. قال: فالضرر هو الاسم، والضرار هو الفعل. الضرر هو الاسم، والضرار هو الفعل. ومعنى الاسم: أي ما يدل على حقيقة الشيء، ما يدل على حقيقة بغض النظر عن وقوعه أو عدم وقوعه. وقوله: هو الفعل، المراد به ما يقع من الإنسان. فالضرر هو الاسم، اسم الشيء وحقيقته. والضرار ما يقع من الإنسان، المضارة. وقيل: الضرار أن يدخل على غيره ضررا بما ينتفع به. والضرار أن يدخل على غيره ضررا بما لا منفعة له به. الضرار أن يدخل على غيره ضرر ينتفع به هذا الضرر. والضرار يدخل على غيره ضرر بما لا منفعة له به، ولا ينتفع بهذا الضرر. يعني مثلا: رجل عنده محل بنشر، وعنده بجانبه سيارات -يعني لجيرانه مثلا- فيضر بعض أصحاب السيارات بإيقاع خلل في ماذا؟ كفرات السيارة، من أجل أن يأتوا إليه فيصلحها. هذا الآن ضرر انتفع به، ضرر انتفع به، فيسمى هذا ضررا. أما إذا كان الضرر لا ينتفع به فهذا يسمى ضرارا. قال: ورجع هذا القول طائفة منهم ابن عبد البر وابن الصلاح رحمهم الله. وقيل: إن الضرر أن يضر بمن لا يضره، والضرار أن يضر بمن قد أضره. يعني من باب المقابلة، الضرار يكون فيه مقابلة، والضرر من غير مقابلة. قال: فالشرع إنما نفى الضرر والضرار بغير حق. وأما إدخال الضرر على أحد بحق، لكونه تعدى حدود الله، فيعاقب بقدر اعتدائه، أو كونه ظلم غيره، فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد قطعا. قال: إذن قوله عليه الصلاة، «لا ضرر ولا ضرار»، يعني نفي وقوع الضرر وحصول الضرر. وأن الشريعة جاءت لرفع الضرر، وكذلك إزالته وإبعاده. قال: والضرر إن قسموا قسمين: القسم الأول أن يكون أصلا، والقسم الثاني أن يكون تبعا. أن يكون أصلا: مثل أن يتعمد الإنسان إيذاء الناس مباشرة، فيؤذيهم في أبدانهم أو أعراضهم أو أموالهم، فهذا محرم ولا يجوز، وجاء الشرع بنفيه. الثاني: أن يكون تبعا، لا يتعمد ذلك، لكن عمله هذا يؤدي إلى إلحاق الضرر بالآخرين. ولذلك أمثلة: المثال الأول: لو تصرف الجار في بيته بما يضر جاره، ففتح الماء في بيته فأدى إلى تسرب الماء إلى بيت الجار فيضر الجار، فإن هذا -حتى لو كان تبعا- فإن الشريعة جاءت بنفيه، وأن هذا لا يجوز؛ لأن فيه ضررا. فكونه يفتح الماء ويجعل الماء يتسرب إلى بيت الجار، فيتضرر الجار بذلك بسبب وصول الماء إلى جداره أو إلى بيته، فهذا لا يجوز. قال: المثال الثاني: لو أحدث في بيته كنيفا -كنيف يعني حماما- أو تنورا -تنور الذي يخبز فيه- أو غيره، مما يلحق الضرر بجاره، فهذا محرم. يعني مثلا لو كان الحمام بجانب غرفة الجار، فتأتي روائح وكذا وأشياء، فيتضرر الجار، أو يتسرب الماء، فهذا ضرر لا يجوز. قال: كذلك قد يكون الضرر تابعا، لكن يعفو عنه الشارع لمصلحة أكبر. وذلك مثل الزواج بالثانية. لا شك أن الأولى تتضرر بذلك، لكن لما كانت المصلحة أكبر، فإن الشارع عفا عن هذا الضرر. فهذا ضرر يسير عفى عنه الشريعة لمصلحة أعظم. فكون الإنسان يتزوج بأخرى، فيعفها، وكذلك يعف نفسه، فهذه مصلحة أعظم من حزن الزوجة الأولى، أو زعل الأولى، ودخول الضرر عليها من جهة مشاركة هذه الضرر لزوجها. قال: كذلك الضرر في الشريعة مدفوع ومرفوع. مدفوع قبل وقوعه: فأنت منهي أن تضار غيرك. ومرفوع أيضا بعد وقوعه: فأنت مأمور بترك هذا الضرر. فقوله: «مدفوع» يعني ابتداء، ابتداء ليس لك أن تضار بغيرك. ومرفوع بعد وقوعه: إذا حصل الضرر وجب رفعه وإزالته. قال الناظم رحمه الله في البيت الحادي عشر: «فكل أمر نافع قد شرعه، وكل ما يضرنا قد منعه». قوله: «فكل أمر نافع» قال الشارع. قوله: «فكل أمر نافع قد شرعه»: سبق أن الشريعة جاءت بالمصالح الثلاث: الأولى المصالح الضرورية، والثانية المصالح الحاجية، والثالثة المصالح التحسينية. وقوله: «وكل ما يضرنا قد منعه»: تقدم أن في القواعد الكلية قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، أمر الكلام عليها. قال رحمه الله في البيت الثاني عشر: «ومع تساوي ضرر ومنفعة يكون ممنوعا لدرء المفسدة». قال: هذا البيت عبارة عن قاعدة: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح». وهذه القاعدة تندرج تحت قاعدة «لا ضرر ولا ضرار». وهنا جملة من القواعد المندرجة تحت قاعدة «لا ضرر ولا ضرار». القاعدة الأولى: «درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة». مر معنا أن الشريعة جاءت لتحقيق المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها. فإذا كانت المصلحة راجحة قدمت على المفسدة. وإن كانت المفسدة راجحة قدمت على المصلحة. فإن حصلت تساوي بين المصلحة والمفسدة، فأيهما نرتكب؟ هل نرتكب المصلحة، ولا يقع في ذلك شيء من المفسدة؟ أو ندرأ المفسدة بترك المصلحة؟ هنا يقول الناظم رحمه الله: «ومع تساوي ضرر ومنفعة يكون ممنوعا لدرء المفسدة». يعني إذا كان عندنا منفعة، وعندنا مضرة -المنفعة هي المصلحة، والمضرة هي المفسدة- فحينئذ ندرأ المفسدة. فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. نترك هذه المفسدة؛ لأجل أن لا نقع في شيء من المفاسد، ولو كان في ذلك ترك لهذه المصلحة. وهذه القاعدة التي يعبر عنها أهل العلم بقولهم: «درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة»، أو «درء المفاسد أولى من جلب المصالح». ومعنى درء المفاسد: الدرء بمعنى الدفع، الدرء بمعنى الدفع والمنع. أي أن منع المفسدة ودفعها مقدم على تحصيل المصلحة وعلى فعلها. قال: دليلها قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. فسب الكفار فيه مصلحة، وهي إهانتهم، وبيان فساد دينهم، وبيان فساد دينهم. فإذا تضمن مفسدة، وهي مقابلتهم السب بسب الله عز وجل. يعني الآن سب آلهة الكفار مصلحة؛ لإظهار فساد دينهم، وإظهار بطلان عبادتهم، وكذلك إظهار عز الإسلام وقوة التوحيد. لكن إذا فعلنا ذلك فتجرأ الكفار على سب الله. ولا شك أن سب الله أمر عظيم. وهذه المفسدة -وهي سب الله عز وجل- درءها ومنعها، وعدم وقوعها أولى من سبنا لآلهة الكفار. فإذا كان سبنا لآلهتهم سيؤدي إلى أن يتجرأ الكفار على سب إلهنا، فحينئذ نترك سب آلهتهم، فندفع هذه المفسدة، ولو تركنا هذه المصلحة. فإن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. قال شيخ الإسلام تيمية رحمه الله: إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء: هل هو على الإباحة أو التحريم؟ فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته. فإن كان مجتمعا على مفسدة راجحة ظاهرة، فإنه يستحيل على الشارع الأمر به والإباحة. بل يقطع أن الشرع يحرمه، لا سيما إذا كان مقتضيا أو مفضيا إلى ما يبغضه الله ورسوله. يعني يقول: إذا حصل إشكال في شيء أو في أمر من الأمور: هل هو مباح أو محرم؟ ينظر إلى مفسدته وثمرته، ما هي ما يترتب على هذا الأمر من المفسدة، أو الثمرة المترتبة عليه من مصلحة. فإن كانت مفسدة راجحة -يعني مفسدة خالصة، مفسدة راجحة، يعني مقدمة وغالبة على المصلحة- فإن حينئذ يتيقن أن هذا الأمر منهى عنه؛ لأن الشريعة لا يمكن أن تأمر بشيء فيه مفسدة راجحة. لا يمكن أن تأمر بشيء فيه مفسدة راجحة. فبهذا يعلم أن هذا الشيء محرم. طيب نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في الدرس القادم بإذن الله.