الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 288، ألقاها
يبدأ الشرح بمسند الحارث الأشعري ويتناول هوية الحارث ورواية يحيى بن أبي كثير للحديث النبوي، مشيدا بتواضعه وفضله في حفظ الحديث.
يشرح حديث الحارث الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الله ليحيى بن زكريا بالخمس كلمات وتوضيح معانيها المتعلقة بالتوحيد والصلاة والصيام والصدقة وذكر الله.
يتطرق الشرح لأهمية الوصايا الخمس التي أوصى بها الله يحيى بن زكريا والنبي محمد، مثل السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة، مع مناقشة صحة الحديث وسنده.
يناقش صحة إسناد حديث معين مع التركيز على يحيى بن أبي كثير كأحد الرواة، ويشير إلى مناقشة تفصيلية للحديث في درس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مطلع الوهاد الوعد رحمه الله: مسند الحارث الأشعري رضي الله عنه، والحارث الأشعري يقال: إنه أبو مالك الأشعري، ويقال: إنه صحابي آخر من آل الأشعري، والحارث ابن الحارث الأشعري، فبعض العلماء جعلهم واحدا، وبعضهم فرق بينهما. والظاهر أن من جعلهما واحدا قال: لأن أبا سلام يروي عن هذا وهذا. ولهذا في حديث الملاهي روى أبو سلام عن أبي مالك أو أبي الحارث. في صحيح مسلم، وفي صحيح البخاري، قال: عن أبي مالك أو عن أبي الحارث، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يكون في أمتي أقوام يستحلون الحرير والحرير والخمر والمعازف». فقيل: إنه هو نفسه، وقيل: غيره. لكن من ناحية ثبوت الصحبة فهي ثابتة، قد أثبتها له جماعة من أهل العلم: البخاري، وأبو حاتم، وغيرهم من أمة الإسلام. وكذلك ذكره أحمد. قال رحمه الله: قال الترمذي، وهو محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله: كان إماما من أئمة المسلمين وإماما في الحديث والعلل. قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل، محمد بن إسماعيل البخاري، الشيخ الترمذي، فيه. هناك محمد بن إسماعيل الترمذي، لكن طبقته أعلى من تلاميذ يحيى بن سعيد القطان، ما يروي عنه الترمذي، لكن أكثر الترمذي عن البخاري. محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي مولاه، مولى الجعفيين، وولاؤه ليس بالأسر، وإنما هو بالعتق، وإنما ولاؤه بالإسلام. أي: ولا جده المغيرة بن بردزبة. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو أبو سلمة التبوذكي المنقري البصري، كان حافظا من حفاظ البصرة. قال: أخبرنا أبان بن يزيد، هو العطار البصري كذلك. قال: أخبرنا يحيى بن أبي كثير، وهو أبو نصر اليمامي البصري، أصله يماني، لكن جلس في البصرة فترة، وأيضا كان طالبا للعلم، وكان حافظا كبيرا، حتى قال الإمام أحمد: لما ذكر يحيى بن أبي كثير، قال: بخ بخ، لم نعثر على شيء خطأ في حديثه، لم نعثر على خطأ أخطأ في حفظه أو وهم، بل كان حافظا كبيرا، حتى إن بعض العلماء كان يفضله على الزهري. كان يفضله على الزهري، كما قال يحيى بن أبي كثير: لما سئل عن أفضل من روى وأثبت من روى عن سلمة بن عبد الرحمن، قال: الزهري ويحيى بن أبي كثير. وإذا اختلف في يحيى يقدم. وكان يحيى من أنبل الناس في العلم وتواضعه، اشتهر تواضعه رحمه الله في العلم، فكان يأخذ عن من فوقه وعن من مثله، بل وعن من دونه. كما قال سفيان الثوري: لا ينبل الرجل في العلم حتى يأخذ عن من فوقه وعن من هو مثله وعن من هو دونه. وكان يحيى قد طبق هذا. ومن تواضعه رحمه الله أنه كان يروي عن زياد بن هقل، وزياد بن هقل هو كاتب الأوزاعي، والأوزاعي يعتبر تلميذا ليحيى بن أبي كثير، الأوزاعي يعتبر تلميذا ليحيى بن أبي كثير، وهذا يروي عنه، يعني: يروي عن تلميذه، وهو شيخه. وهذا من نبله رحمه الله. وقال همام بن يحيى العوذي: قال: كنا نحدث يحيى بن أبي كثير بالغد بالحديث، فيحدثنا به بالعشي. وهذا أيضا يدل على تواضعه وأنه يحب الاستفادة والإفادة، أنه كان يحدثونه بالحديث في الصباح، يحدثونه من عنده حديثا حدثه، فإذا جاء وقت مجلس العشي يحدثهم بنفس الحديث: أن فلانا حدث... فهذا تواضع عظيم. فكان أبو نصر رحمه الله بالحفاظ للحديث، إلا أنه كان يدلس، كان يدلس. وقد قال بعض العلماء كيحيى بن معين وغيره: أن روايته عن زيد بن سلام تدليسا وليس سماعا. وأثبت البخاري وأبو حاتم سماعه من زيد بن سلام. وقال يحيى: إنما سمع، إنما هو كتاب أخذه من معاوية بن سلام. ولهذا البخاري لم يذكر هذا الحديث في الصحيح، مع أنه رواه وذكره الترمذي، لكن لم يذكره في صحيحه. لهذا أو لهذا الأمر، وهو أن يحيى بن أبي كثير قال: بعض العلماء إنه لم يسمع من زيد بن سلام بن سلام. قال: قال أخبرنا يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام الحبشي، زيد بن سلام بن أبي سلام، جده أبو سلام منطور الذي يروي عنه، وأخوه معاوية، سيأتي أن معاوية أيضا قد روى هذا الحديث عن زيد. ويحيى أخذ هذا الحديث عن زيد، إن كان قد سمع منه على قول أبي حاتم والبخاري، أو أنه أخذه من كتاب معاوية. قال: عن زيد بن سلام: أن أبا سلام، وهو منطور الحبشي، من ثقة من ثقات التابعين. قال: حدثه أن الحارث الأشعري حدثه. إن شاء الله اليوم نقرأ الحديث، وغدا إن شاء الله أو في الدرس اللاحق نقرأ أو نذكر بعض الفوائد. قال: أن الحارث الأشعري حدثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كاد أن يبطئ بها على يحيى بن زكريا أو يحيى بن زكريا نبي الله ابن نبي الله يحيى نبي وابن نبي زكريا عليهم السلام». فأمره الله عز وجل بخمس كلمات أن يبلغها لبني إسرائيل، لكنه تباطأ. أن ما يبلغهم ليس أنه لا يريد، لكنه أراد أن يكون الوقت المناسب يبلغهم بها. فقال له عيسى عليه السلام: «إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم». فقال يحيى: «أخشى أن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذب». كان عندهم خوف عظيم أولا الذين اختارهم الله لرسالاته. فقال: «أخشى إن سبقتني لأن الله عز وجل أمر بها يحيى بن زكريا ولم يأمر بها عيسى عليه السلام». فقال: «أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذب». فجمع الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشرف -والشرف هنا مكان مرتفع- فقال يحيى بن زكريا: «إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وأمركم أن تعملوا بهن». أولا: أنه قدوة، أولهن: «أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا». وإن مثل من أشرك بالله «كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق» -أي: بمال- قال: «هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأد إلي». قال لعبده: قال له: اشترى عبدا من خالص ماله، فقال له: «هذا داري وهذا عملي، فاعمل وأد إلي». فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده. فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ انظر إلى هذا المثال العظيم الذي ضربه هنا يحيى بن زكريا في الذي يعبد غير الله: أن هذا اشتراه بماله، بخالص ماله، وقال له: «هذا بيتي وهذا عملي، اعمل وأد إلي». فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، أن المال يعطيه غير سيده. وهكذا المشرك: خلقه الله عز وجل وأعطاه ورزقه، وهو يعبد غير الله. قال رحمه الله: «وإن الله أمركم بالصلاة». وهذا الأمر الثاني. «فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت». وسيأتي معنا ما المقصود بالالتفات هنا. قال: «وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها». أنا معه جماعة من الناس، وهو معه مسك صر فيه مسك، وهذا المسك يفوح منها، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها. «وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». أنا صائم، رائحة فمه كريح المسك، فهي أطيب عند الله من ريح المسك. قال: «وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فأوثقوا يده إلى عنقه -أي: جعلوا يده إلى عنقه- وقدموه ليضربوا عنقه». فقال: «أنا أفديه منكم بالقليل والكثير». فجاء آخر، وقال: «أنا أفديه، أعطيكم الذي تريدونه بالقليل والكثير». ففدى نفسه منهم. «وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا، حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم». انظر إلى ذكر الله عز وجل: حرز عظيم يحرز الإنسان نفسه. قال: «إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله». قال: فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هذه الخمس التي أمر الله عز وجل يحيى بن زكريا: عبادة الله وحده لا شريك له، والصلاة، والصيام، والصدقة، وذكر الله». هذه الخمس الوصايا التي أوصى ربنا سبحانه وتعالى يحيى بن زكريا. فقال عليه الصلاة والسلام: «وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة». أنا خمس عظيمة جدا: السمع والطاعة، السمع والطاعة لأمير المسلمين، السمع والطاعة، أن أتلاهما معنى لا ينفكان. والمراد أنه لا يعرض عن الحاكم المسلم وعن كلامه، ولا يبال به، فهذا عدم السمع وعدم الطاعة، أي: أنه لا يطيع أمره إذا سمع. قال: «والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع». ومن ادعى دعوة الجاهلية فإنه من جثى جهنم. فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟ قال: «وإن صلى وصام، فادعوا بدعوة الله، فادعوا بدعوة الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله». قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال الترمذي الآن: حسن صحيح غريب، حسن لأنه فيه قد يكون هذا الأمر، وإلا رواته كلهم ثقات، إلا أنه ما طعن في رواية يحيى عن زيد، وإلا فإسناده على شرط البخاري. فالبخاري كما قلنا قد روى حديث الغناء من طريق يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام، ورواه كذلك عن معاوية عن جدهما أبا سلام عن أبي مالك الأشعري أو أبي الحارث الأشعري. قال محمد بن إسماعيل، أي: البخاري: الحارث الأشعري له صحبة، وله غير هذا الحديث. قال: حدثنا محمد بن بشار، أي: يقول بندار، وهو إمام من أئمة البصرة وحفاظها. قال: أخبرنا أبو داود الطيالسي، سليمان بن داود الطيالسي، صاحب المسند. قال: أخبرنا أبان بن يزيد، وهو أبو يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه بمعنى. أي: أن أبا داود قد وافق هنا موسى بن إسماعيل فرواه عن أبان عن أبان بن يزيد. وهنا أبو داود رواه عن أبان بن يزيد، من تابعيه متابعة تامة. قال: هذا حديث حسن غريب. وأبو سلام اسمه منطور. وقد رواه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير. قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني البخارية ومسلمة أن يخرجاها. قال: ويحيى بن أبي كثير مدلس، ولكنه قد صرح بالتحديث عند الأثر في الشريعة، وعند أبي يعلى. فقال أبو يعلى: حدثنا هدبة بن خالد، وهو البصري، قال: حدثنا أبان بن يزيد، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير: أن زيدا حدثه. وهذا إن كان التحديث صحيحا فهذا يعتبر أن يحيى قد سمع من زيد. قد سمع من زيد، وإلا فكما قلنا أن يحيى بن معين نفى سماعه. وقال أبو حاتم: إنه سمع، كذلك البخاري. قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير: أن زيدا حدثه أن أبا سلام حدثه أن الحارث الأشعري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث. وهدبة بن خالد قصري ثقة. وأهل البصرة قليل التدليس، أهل البصرة ما يدلسون كثيرا. أنا أشهر الناس في التدليس هم أهل الشام، وبعدهم أهل مصر، وبعدهم أهل الكوفة. وأما أهل مكة والمدينة فالتدليس فيهم قليل، وكذلك أهل البصرة لم يكن التدليس منتشرا فيهم. فلهذا فإذا كان قد ثبت هذا السماع فغالبا أن أهل البصرة أهل التثبت. وهدبة بن خالد من حفاظ أهل البصرة. قال: وهكذا صرح يحيى عند الحاكم. وتابع يحيى علي بن سلام، معاوية بن سلام. قال الإمام أبو بكر بن خزيمة، أي: في صحيحه: أخبرنا أبو محمد فهد بن سليمان المصري، قال: أخبرنا أبو توبة، يعني: الربيع بن نافع، قال: أخبرنا معاوية، وهو ابن سلام، أي: أخو زيد، عن زيد بن سلام به. فهذا في متابعة معاوية تابع يحيى بن أبي كثير. وهذا إسناد صحيح طيب. إن شاء الله تعالى نتكلم على هذا الحديث في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.