نصيحة في التعاون لدفع كورونا

المحاضرة بعنوان نصيحة في التعاون لدفع كورونا، وكانت يوم الاحد ٢٧ رجب ١٤٤١هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب طاعة ولاة الأمر في مواجهة الوباء

يؤكد الشيخ على وجوب طاعة ولاة الأمر في البيان الصادر حول وباء كورونا، مستدلاً بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية. كما يحذر من منازعة ولاة الأمر والسماع لمن لديهم نزعات خارجية.

أهمية اتباع توجيهات العلماء في التعامل مع الأوبئة

يجب على المسلمين اتباع توجيهات العلماء في التعامل مع الأوبئة والابتعاد عن الحزبية والمناهج المنحرفة. كما أن الطاعون ليس مرضًا خاصًا بل هو مصطلح عام للأوبئة.

التوكل والأخذ بالأسباب في مواجهة الأوبئة

يشرح المقطع مفهوم التوكل الحقيقي الذي لا يتم إلا بمعرفة الله بأسمائه وصفاته والاعتماد عليه مع الأخذ بالأسباب. ويبين أن الفرار من المجدوم والابتعاد عن أماكن الوباء من الأخذ بالأسباب.

الاستفادة من البلاء والطاعون

يجب على المسلمين أن يتعلموا من تجاربهم السابقة في التعامل مع الأوبئة والطواعين، وأن يرجعوا إلى الله بالتضرع والدعاء، ويأخذوا بالأسباب الشرعية الصحيحة للنجاة من البلاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد كثرت الأسئلة الواردة من إخواننا من عدة مدن حول البيان الصادر من وزارة الأوقاف والإرشاد حول وباء كورونا، والذي تضمن هذا البيان الأمر بالتوقف عن صلاة الجمعة والجماعة في المساجد، وكذلك الأمر بتوقيف حلقات القرآن والدروس والمحاضرات وجميع الأنشطة التي يكون فيها اجتماع الناس في المساجد ودور التعليم نحوها. فأقول: طاعة الله فيكم واجبة في مثل هذا المقام، وقد جاء مثل هذا البيان من الجهات المختصة الموكلة من قبل ولاة الأمر أن نسمع ونطيع كما أمرنا في كتاب الله عز وجل. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وهكذا الأحاديث الكثيرة الواردة في سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بل هي عقيدة من عقيدة أهل السنة والجماعة، تقوم بها مصالح الناس في الدين والدنيا. من ذلك الكثير ما جاء في الصحيحين في حديث عباد بن الصامت رضي الله عنه، وهو حديث مشهور معروف يعرفه الكثير من طلبة العلم، بل وبفضل الله الكثير من عامة المسلمين لكثرة ما يسمعونه من أهل السنة بفضل الله عز وجل. ففي هذا الحديث يقول عباد بن الصامت: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم». وهكذا بمعنى حديث عباد بن مالك الأشجعي رضي الله عنه وأرضاه في صحيح مسلم، فيما يقوله وينقل عن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: «خيار أمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قالوا: قلنا يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ يعني إذا وقع الحال إلى هذا، فماذا كان جواب نبينا عليه الصلاة والسلام؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة». ألم يقل عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتم شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة». تأملوا قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا ينزعن يدا من طاعة» مع ما أخبر من فعل المعصية، يعني لا تتابعهم في المعصية، ولكن لا تنزع يدا في الطاعة، لا تنزع يدا من طاعة. وهكذا الحديث الذي قبله، نهانا النبي عليه الصلاة والسلام أن ننازع الأمر أهله، وأن نطيع ونسمع في اليسر والعسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، حتى ولو حصلت هذه الأثرة. فكيف إذا أمر ولاة الأمر بما هو دون ذلك الكثير؟ إذا كان هذا في حق الخطأ والأثرة، فأمرنا في هذه الشريعة الحكيمة، وكما سمعنا في هذه الأحاديث وغيرها كثير، بأن نسمع ونطيع، شيئًا فشيئًا على اجتماع كلمة أهل الإسلام، وأن لا يحصل الشر بالتفرق، ولا يتغلب أعداء الإسلام هذا التفرق. هذا في الخطأ والأثرة، فكيف إذا كان هو محل اجتهاد، بل الأمر ها هنا ليس كذلك، الصواب والله أعلم هو ما أمروا به. صحيح، ربما بلاد عن بلاد تختلف في تفشي المرض، ولكن مراعاة المصالح وسد الذرائع مطلب دلت عليه الشريعة بعموماتها. وما أكثر ما ذكر العلماء من قواعد وضوابط في هذا الباب، في باب سد الذرائع وتتبع أعلى المصالح ودفع أشد المفاسد، حتى جعل بعض أهل العلم أنه من أعظم القواعد في الدين. بل جعله بعضهم، كما نقل ابن القيم رحمه الله، أنه ربع الدين. فنصفه تحصيل مصالح، ونصفه دفع مفاسد. فالأمر ليس محل كأن ينازع فيه أحد الطاعة. وبهذه المناسبة، أحذر نفسي وإخواني وأبنائي وآبائي من السماع لكل أحد في مثل هذه النوازل العظيمة، وأن يعرفوا قدر العلماء الكبار، ويستفيدوا من فتاوى الكبار الذين هم أهل النوازل، وأن لا يفتحوا آذانهم ولا أعينهم لما يبث في وسائل التواصل وغيرها من الوسائل الأخرى. فإن الكثير مما يبث ليس مما يصح أن يؤخذ. ولهذا، الله عز وجل أمرنا في مثل هذا المقام أن نأخذ العلم من أهله، الذين هم أهل الاستنباط. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنْ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فلا بد أن يعرف الناس والمجتمع قدر العلماء الكبار، أهل الاستنباط، وأن كلامهم يخرج عن ديانة، إن أمروا أمروا بعلم، وإن نهروا نهروا بعلم، وإن سكتوا سكتوا كذلك بعلم. وبفضل الله سبحانه وتعالى، عندنا من علمائنا الكبار ومشايخنا من أخرج الفتاوى في هذا الباب ما يزيل الشبه التي قد يثيرها بعض أهل الجهل. فلذلك ينبغي الحذر من منابذة ومنازعة ولاة الأمر في مثل هذه البيانات الصادرة التي يقصد منها سد الذرائع، فهي إجراءات احترازية يقصد بها حفظ المجتمعات من هذا البلاء الذي ابتلي به العالم. والعالم اليوم بسبب سرعة التواصل والتنقل صار كأنه بلد واحد، المسافر ينتقل من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في يوم واحد، ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب في يوم واحد. ولا شك مع عدم الضوابط في هذا التنقل تنتقل الأمراض وتحصل العدوى. وشريعتنا جاءت بإغلاق هذا الباب. ولما صار هذا الباب لا ينضبط بالجانب الشرعي، صار بفضل الله سبحانه وتعالى ولاة الأمر في بلاد الإسلام يضبطونه بالسلطان. ورضي الله ورحمه من قال من سلفنا: «إن الله لينفع بالسلطان ما لا ينفع بالقرآن». ولو تأملنا في تاريخ البشرية، فضلًا عن الأدلة الشرعية الواردة في هذا الباب، لعلمنا عظيم منزلة الشدة والإجراءات الاحترازية التي جاءت بها الشريعة، وقررت أصول الدين، وجرى العمل به. وكيف أنه نفع ونجع بعد فضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، وهو من الأخذ بالأسباب الذي هو من التوكل، ولا يصح توكل إلا به. ولذلك أقول وأكرر: الحذر الحذر من السماع لمن عندهم نزعة خارجية يستغلون كل حدث في التهويل، وكذلك التشغيب على ولاة الأمر، والطعن في علماء السنة بأنهم علماء سلطان، وغير ذلك من العبارات التي تبين لك حقيقة مأخذهم ومنهجهم. فاحذر أن تكون نعرة لهدم في المجتمع، أو بوق يعيد تلك التغريدات الخارجية، سواء كانوا الخوارج الذين أخرجوا على المجتمعات بالسيف والسنان، أو كذلك بتلك الخطب والكتابات، والذين هم صنف من القعدية، أو كذلك تلك الجماعات المنحرفة الشاذة، سواء من الشاذة الظاهرة كالإخوان المسلمين ومن شاكلهم، أو المغلفة كأرباب الجمعيات بأنواعها وأشكالها. ولا يخفى علينا ما خرجه عبد الرحمن عبد الخالق، وهو رأس هذه الجمعيات المغلفة التي تبطن الحزبية وهذا الفكر. فهذا ليس بغريب عن منهجهم. فالحذر أمة الإسلام من هذه المناهج المنحرفة، ومتابعة هؤلاء في تصرفاتهم الشاذة. وهكذا كذلك الغضب بجهل والعاطفة بانحراف، مما قد يثيره بعض من يظهر الغضب للسنة والشرع على الطاعة بجهل، فيثير تصرفات وينقل فتاوى في غير محلها ويشغل. وهذا كله خطط، بل الواجب أن يكون أهل الإسلام أمة واحدة، وجسدًا واحدًا، ولحمة واحدة، مثل المؤمنين بتوادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد. وهي فترة يسيرة إن شاء الله، مثل الله عز وجل أن يرفع عنا وعن المسلمين البلاء، وستزول، وسيعرف عند ذلك قدر العلماء وفتاوى العلماء. فحين تخرج الفتاوى من كبار العلماء وعلماء الإسلام وعلماء السنة، ليس عندهم مناطقية، وليس عندهم حصرية، وإنما يفتون بما يرضون الله عز وجل به. وكما قلنا في البداية: قد تكون آثار هذا المرض تختلف قوة وضعفًا من بلد إلى آخر، لكن مهما كان، طاعة الأمر واجبة لأنهم يرون ما لا يرى غيرهم. ثم كذلك هذا من التصرفات الاحترازية التي كما تقدم معنا، دلت عمومات الشريعة على أصلها، فضلًا أن الواقع أثبت أن الكثير من البلاد حين لم تتصرف تصرفات حازمة في إغلاق المنافذ المفضية لانتشار مثل هذا المرض، حصل ما لم يتوقع من انتشار هذا المرض وحصول البلاء به. فلذلك أكرر مرة أخرى وأقول: ينبغي أن نبقى جميعًا لحمة واحدة، وأن نصبر ونحتسب، ونتعاون في الخير. وحمدًا لله، أبواب الخير كثيرة. والجماعة والجماعة قد يقيمها الإنسان مع أهل بيته. ولا تقام الجمعة في البيوت، وما ذكر في الخطاب والبيان أن الصلاة الجمعة والجماعة تقام في البيوت، لعله سبق قلم وخطأ. فالجمعة لا تقام في البيوت، وهذا هو المقصود من هذا البيان، هو عدم إقامة الاجتماعات التي هي من مضان العدوى. وشريعتنا تأمر بسد هذا الباب في مثل هذا المقام. وقد يشكك بعضهم فيقول: هذا ليس بطاعون، إنما الأحاديث وردت في الطاعون. فيقول: هذا خطأ. والصواب الذي عليه أهل التحقيق من أهل العلم: أن الطاعون ليس مرضًا خاصًا بعينه، بل هو مرض عام. وكما قال ابن الأثير في النهاية: هو المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء، فتفسد به الأمزجة والأبدان. وقال بعضهم: هو البلاء المثمر، أو الذي يثمر القتل العام. وهذا منه. وكلام أهل العلم في هذا المعنى كثير. ومن تأمل تاريخ الطواعين التي وقعت في البشرية، علم هذا واستيقن هذا المعنى. فإن الطاعون لا يقع نوعًا واحدًا، بل الأحاديث الكثيرة الواردة في هذا الباب تدل على هذا المعنى. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب أحاديث كثيرة. فمن أهمها، ونذكرها للفائدة، ما جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطاعون شهادة لكل مسلم». فهذا عام في كل ما يقع فيه معنى الطاعون. وفي البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، قالت: فأخبرني أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين. ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد. إذن هو عذاب للكافرين، ورحمة للمؤمنين. بل وفي هذا الحديث، كما أشار الشراح ومنهم الحافظ ابن حجر رحمه الله، أن من صبر فلزم بيته، أو لزم بلده كما جاء لبعض الروايات، فإنه ينال أجر الشهيد، ولو لم يمض ولو لم يمض. ولذلك جاءت الأحاديث الكثيرة التي فيها هذه الخبرة، وهي تؤيد هذه التصرفات الاحترازية، بل وهذا الذي عمل به علماؤنا وسلفنا. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، الأمر بلزوم من وقع الطاعون في بلده ذلك البلد، وأن لا يخرج منه. وإذا وقع في بلد، أن لا يدخل أحد إلى ذلكم البلد. وقد جاء في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد، وجاء معناه من حديث سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، بعضه في صحيح مسلم، وبعضه خارج الصحيحين. وفي حديث عبد الرحمن بن عوف قصة مشهورة، أصلها في الصحيح، حين أراد عمر رضي الله عنه أن يدخل الشام وقد وقع الطاعون، فتردد في ذلك، ولم يبلغه حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فجمع أصحابه وشاورهم، ولم يكن عبد الرحمن بن عوف فيهم. فلما جاء عبد الرحمن بن عوف، فأخبر عمر رضي الله عنه وأرضاه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، أخذ به عمر، فرجع بمن معه. والحديث فيه فائدة، أتدرون قولي لأبي عبيدة: «أتفر من قدر الله؟» فقال أبو عبيدة: «أفر من قدر الله إلى قدر الله». الشاهد قول عبد الرحمن بن عوف في الحديث: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذا السقم عذاب عجّل به الأمم قبلكم، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه». فرجع عمر رضي الله عنه من الشام. فالشاهد هذا الحديث يدل على هذه الشدة وهذا التصرف الاحترازي. بل في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يوردن ممرض على مصح». فهذا عام، وهذا في الطاعون خاصة، وهو يؤيد هذا المعنى الذي سمعناه. بل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، التنبيه على أن من يخرج من الأرض التي وقع فيها الطاعون، أنه كالفار من الزحف، أنه كالفار من الزحف الذي يفر من الزحف. كما جاء ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ومن حديث جابر بن عبد الله بإسناد حسن وصحيح. فقد جاء عند أبي عوانة وغيره، عن عائشة رضي الله عنها، وذكره الشيخ الألباني رحمه الله بالصحيحة، وصحيح الترغيب، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تفنى أمتي إلا بالطعن أو الطاعون». قالت عائشة: قلت يا رسول الله، هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «غدة كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد، والفار منها كالفار من الزحف». وفي مسند الإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، بنحو هذا الحديث، وزاد فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصابر فيه كالصابر في الزحف». وهذا كذلك، حسنه الشيخ الألباني رحمه الله بصحيح الترغيب، وهذا حسنه شعيب في تحقيقه على المسند. فهذا الحديث يفيد شيئًا عظيمًا آخر، وهو أن الفار الخارج من الأرض التي وقع فيها الطاعون، حكمه كحكم الفار من الزحف. والصابر كالصابر في الزحف في الأجر. وذلك لأن الفار من الزحف سبب لانكسار المسلمين وغلبة الكافرين. وهكذا كذلك الذي يفر من الطاعون، سبب لدخول الشر على المسلمين بانتقال هذا الداء بأمثاله. ولهذا كان كالفار من الزحف في الإثم. والصابر كالصابر في الزحف في الأجر. ولا شك أن الصابر في الزحف لا يلزم أن يموت، وهذا هو الواقع. وهذا هو الواقع. وبه نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في مسند الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن مسعود، قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يعدي شيء شيئًا، لا يعدي شيء شيئًا، لا يعدي شيء شيئًا». كررها ثلاثًا. فقام رجل فقال: يا رسول الله، الإبل وما يصيبها من جرب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أجرب الأول؟» يعني إذا كان الأول أصابه الجرب بغير سبب ظاهر، فلا يلزم أن ينتقل الجرب إلى الجميع. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيل اعتقادًا سائدًا عند أهل الجاهلية، وأنه كل شيء يعدي بأصله، وأنه لا بد أن يقع. والأمر ليس كذلك، بل الأمر لله عز وجل من قبل ومن بعد. فإذا شاء الله وقع، وإذا شاء الله لم يقع. ثم لا يعني ذلك عدم الأخذ بالأسباب. فالأخذ بالأسباب مطلوب. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفرار من المجدوم، كما في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري معلقًا، وروي موصولًا في المستدرك، وجاء عند البيهقي وغيره، بأسانيد حسنة، وصححه جماعة من أهل العلم قديمًا وحديثًا. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فر من المجدوم» فرارك من الأسباب، هذا من الأخذ بالأسباب. ولما لم يبايع النبي صلى الله عليه وسلم المجدوم، والحديث صحيح كذلك، هذا من الأخذ بالأسباب. فالأخذ بالأسباب من التوكل. وهنا نعرف حقيقة التوكل: أن التوكل الحقيقي لا يتم إلا بثلاثة أمور. أولها: معرفة الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته. وكلما عظمت معرفة العبد لربه وخالقه، عظمت ثقته به جل وعلا. وعند ذلك إذا أقبلت الأسباب أو أدبرت، لم تؤثر فيه، لأنه يعلم أنه سبحانه وتعالى العظيم، وهو الذي بيده هذه الأسباب. فالذي جعل النار محرقة، جعلها على إبراهيم بردا وسلامًا عليه الصلاة والسلام. والذي جعل الماء مغرقًا، أنج به موسى عليه الصلاة والسلام. فإذا اعتمد على الله عز وجل مسبب الأسباب، وهذا هو الأمر الثاني، فلا تعتمد على الأسباب. فعند ذلك إذا أقبلت الأسباب أو أدبرت، لم يؤثر ذلك فيك. ولا يعني ذلك، وهذا الثالث، أن لا تأخذ بالأسباب، بل الأخذ بالأسباب من التوكل. ومن التوكل والأخذ بالأسباب، هذه الشدة التي أمر بها الشرع. فلذلك إذا وقع في أرض، لا تدخل إليها. وإذا وقع وأنت في ذلك في تلك الأرض، فلا تخرج منها. وهل منه أن لا يختلط المريض بالسقيم؟ لا شك. وقد نص العلماء في هذا، فتاوى كثيرة. ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، عدة فتاوى بهذا المعنى. وهكذا كذلك عمومات الشريعة تدل عليه. وحديث أبي هريرة المتقدم: «لا يوردن ممرض على مصح». وهكذا إذا أريد به سد الذرائع، إذا علم أن المرض مضافه انفلتت بكثرة تخالط الناس وتنقلهم. فإذا لا بأس أن يمنع أسباب الاجتماع حتى ينتهي هذا المرض. ولا يخفى علينا أن ديننا يأمرنا برد الأمر إلى أهله، كما قال الله عز وجل: ﴿فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. هذا في الحكم الشرعي. وهكذا كذلك في الحكم الدنيوي، فيرجع إلى أهل الخبرة والمعرفة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». وقد ثبت بإجماع أهل الاختصاص: أن هذا الداء يحمله المريض بين يومين إلى أسبوعين، وبعد هذا لا ينتقل إلى غيره. إذن الشدة تقع بحفظ الخلط في خلال هذه المدة. ولذلك نرى الأعداد المتضاعفة في انتقال هذا المرض بعد الأسبوعين، إذا حصلت الخلط ولم يبال الناس بالعزلة والتصرفات الاحترازية التي لا يحصل بها نقل هذا الداء. ولذلك كان من فضل الله عز وجل على أهل الإسلام: أنهم حموا من هذه الطواعين على مدى التاريخ، بعزة أسباب أولها وأعظمها طاعة الله سبحانه وتعالى، التي هي سبب الرحمة والحفظ. ولا يخفى علينا حديث ابن عباس المشهور العظيم: «احفظ الله يحفظك». فنحن بحفظنا لله عز وجل، يحفظنا الله سبحانه وتعالى. ولكن قد نصاب بسبب ذنوب بعضنا، قد نصاب بسبب ذنوب بعضنا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. دمر الله قرية كاملة بسبب فسوق المترفين. فنحن نحذر من أسباب الدمار والعذاب. فالطاعة والإيمان والإسلام والمحافظة على شرائع الدين، وطاعة الرحمن من أعظم أسباب الحفظ. كذلك الله عز وجل بفضله ومنه وكرمه، جعل بلاد المسلمين أقل عرضة لهذه الطواعين من غيرها من البلاد الأخرى. ولهذا ذكر أهل التاريخ: أن أكثر الطواعين تقع في بلاد الكفار. فقد ذكر ابن اللباد البغدادي في كتاب «طبائع البلدان» المتوفى في سنة 629 الهجرة: أن بلاد الصين من أعظم مواضع الطواعين، وهي كذلك من ذاك الزمان إلى زماننا هذا. كذلك بلاد الغرب في أوروبا، هي من بلاد الطواعين من القديم، كما ذكر أهل التاريخ. وقد ذكر عدد من أهل التاريخ: أن ثلث سكان هذه الجهات هلكوا في القرون الوسطى بسبب الطواعين التي تتابعت عليهم. ومن عجائب ونوادر ما ذكر في التاريخ، وذكره غير واحد من المؤرخين قديمًا وحديثًا، ومن أحسن ما نقل، إذ جمع بين القديم والحديث، ما ذكر في كتاب «شمس العرب تطفو على الغرب»، وهو كتاب عظيم، ذكر فيه آثار المسلمين على بلاد الغرب. ومن ذلك ما ذكر، وهو لمستشرقة ألمانية اسمها زغريد هونكا، ذكر في هذا الكتاب في القسم الرابع منه، اسم الطب، ما حفظ الله عز وجل به المسلمين، بما وفقوا من الطب والأخذ بأسباب الشدة، إذ حفظوا من الطواعين في تلك الأزمنة، وهم في بلاد الغرب، تقصد الأندلس. فقد تتابع الطواعين في ثلاثمائة سنة، أكثر من عشرة طواعين، حتى هلك في تلك الفترة أكثر من ثلث سكان تلك البلاد. وأكثر ما وقع في إيطاليا وألمانيا وفرنسا وما حولها. ومن عجائب ما ذكر، وأختصر لكم: أنه في سنة 748 هجرية، ابتدأ الطاعون عظيمًا، حتى لجأ أولئك إلى الكنائس يطلبون الحل. فماذا كان جواب علماء الكنائس؟ قالوا: هو بسبب اليهود. فقتلوا كل اليهود في ذاك الزمان. ثم قالوا: عين شريرة، وغير ذلك من الخرافات. بينما يعيش الغرب في ذاك الزمان في هذه الخرافات، حافظ الله عز وجل أهل الإسلام في الأندلس وما حولها، بما وفقهم الله عز وجل أولًا بهذا الدين، وثانيًا بالعلم الذي به أخذوا التصرفات الاحترازية الصحيحة. وقد ألف في ذاك الزمان ابن الخطيب الطبيب المؤرخ المشهور، كتابًا في الكلام على الطاعون، وذكر فيه عدة أحكام وتصرفات احترازية جاءت بها الشريعة، كما لا يخفى. وكان سببًا في إعجاب ولاة الأمر، وأخذوا به. ومن ذلك: أنهم منعوا السفر والتنقل، وألزموا الخلوة، حتى أنهم ذكروا: أنهم منعوا استلطاف الجيران بعضهم ببعض، إذا علم أن هذا الداء قد دخل إلى بيت ما، حتى لا ينتقل إلى البيت الآخر. فالشاهد من هذا: هذه التصرفات الاحترازية استفاد منها الكفار من المسلمين. وقد ذكر بذلكم الكتاب: أن بعض الكفار استفادوا من كتاب ابن الخطيب، بعد أكثر من ثمانين سنة. فالشاهد من هذا، معاشر المسلمين: ينبغي علينا أن نعرف قدر العلم والعلماء، وأن نعلم أنه لا نفع ولا نجاة إلا بالله سبحانه وتعالى. ولا شك أن الذي أنزل الداء، لشدة حكمته، أنزل له الدواء. وينبغي أن نعلم كذلك: أن لله عز وجل الشدة البالغة في هذا البلاء الذي يبتل به سبحانه وتعالى. فالله حكيم، والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * حَتَّى إِذَا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فلا نكن كأمثال هؤلاء، معاشر المسلمين المسلمات، بل نرجع إلى الله ونتضرع إليه، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لشدة حكمته، أنزل هذا البلاء. وكما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه النافع الماتع «بذل الماعون في فضل الطاعون»: أن من فوائد الوباء والطواعين: أن فيه عظة بتقصير الأمل، وتحسين العمل، واليقظة من الغفلة، والتزود للرحلة إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا من بعض حكمة الله عز وجل في هذه الطواعين. فلذلك علينا أن نرجع إلى الله سبحانه وتعالى. وكما جاء في البيان الصادر على الناس: الدعاء واللجوء إلى الله، وهذا من أعظم أسباب رفع البلاء. أن نجتمع على الخير، ونتعاون عليه. أن نجتمع على الخير، ونتعاون عليه. ونحذر من أسباب الشر والفرقة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع قلوبنا وإجسادنا على الخير والبر والتقى، وأن يدفع عنا كل سوء ومكروه، وأن يحفظنا والمسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم آمين، اللهم آمين. وهذه كلمة مختصرة، لا شك أن الموضوع تحته أشياء كثيرة، لكن أردت بهذا التنبيه على هذا الأمر المهم، وأن تجتمع كلمتنا مع ولاة أمرنا بما فيه الخير. ونسأل الله سبحانه وتعالى لنا وللجميع التوفيق والسداد. كما حثثت نفسي وإخواني وأبائي على الاجتهاد في الأسباب الشخصية والمعنوية التي يكون بها النجاح، ومنها هذه الأمور التي ذكرناها. وهكذا كذلك جزم الأدعية والأذكار والأوراد، وكذلك إذا كانت هناك علاجات أو لطائف، فهو كذلك من الأخذ بالأسباب الذي أمرنا به شرعًا، وحثت الشريعة عليه. فما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله. ولحديث في هذا الباب كثيرة. فعلينا أن نحرص على الأخذ بالأسباب الشرعية الصحيحة، الحسية والمعنوية، حتى يحفظنا الله سبحانه وتعالى، ووفقنا. مثل الله سبحانه وتعالى، لأنه له التوفيق والسداد. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا.