الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 139، ألقاها
نزلت آية "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات" في رجل من بني تميم نادى النبي من وراء حجرته، واختلف في هوية هذا الرجل. الآية نزلت فيمن لم يحترم آداب التعامل مع الرسول.
الأقرع بن حابس هو من نادى النبي من وراء بيته، والآية نزلت فيه، وقد فسرت بأنها تدعو لاحترام آداب التعامل مع الرسول. كما تضمنت الرد على الأقرع بن حابس بأن التقدير بيد الله.
جاء وفد من بني تميم يتفاخرون بأشعارهم وخطبائهم، فرد النبي بخير منهم وأبطل فخرهم، مشيرًا إلى أن الفضل بيد الله. نزلت الآية في هؤلاء القوم المتفاخرين.
أثنى النبي على بني تميم لخصالهم الحميدة، منها شدتهم على الدجال وسرعة فيئهم في دين الله، مما يدل على مكانتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله، وهو محمد بن عيسى بن صورة الترمذي رحمه الله، كان من حفاظ الحديث وعلمائه. قال: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث، وهو مروزي وثقة حافظ، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، وهو السيناني، عن الحسين بن واقد، وهو ثقة، عن أبي إسحاق، وهو السبيعي، آمر بن عبد الله السبيعي، عن البراء بن عازب. وأبو إسحاق مدلس، لكنه قد سمع من البراء كثيرًا، ولهذا الشيخ أخرج هنا حديثه عن البراء التي أحيانًا لم يصرح بها، لكن لها شواهد تدل عليه. ومن عادة الشيخ رحمه الله أن الإسناد الذي فيه مدلس، لكنه لم يتكلم عليه عن العلم، أي لم ينتقد هذا التدليس، فإنه رحمه الله يخرجه على أنه صحيح. قال: حدثنا أبو عمار عن الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنه، في قوله جل وعلا: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾. قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، إن حمدي زين وإن دمي شين. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ذاك الله عز وجل». هذا حديث حسن غريب. فهذا الحديث في سبب نزول هذه الآية: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾. وقد جاءت أحاديث تدل على أن هذا الرجل هو من بني تميم، فقيل: إنه عُيينة بن حصن الفزاري التميمي، وقيل: إنه الأقرع بن حابس. وقد جاء عند أحمد من طريق سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس أنه نزلت فيه، لكن أبا سلمة لم يسمع من الأقرع، لكن جاء ما يشهد لهذا على أن هذا هو الأقرع بن حابس. لما أن عُيينة والأقرع وغيرهما من بني تميم شهر أسلحتهم في خزاعة، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أناسًا من قومهم، فجاءوا بهم، أي جاءوا برجال بني تميم، فلم يصبر الأقرع بن حابس ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته: يا محمد، يا محمد. فأنزل الله عز وجل: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾. هذا ليس أدبًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال هذا الرجل ممدحًا نفسه: فقال: إن حمدي زين وإن دمي شين، أي: إذا حمدت أحدًا أرفعه، وإذا ذممت أحدًا أضعه. وهذا كلام باطل، وهذا فخر بنفسه. يقول: إنه كأنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا لم تأتني، فإني إذا حمدت الشخص أرفعه وأشرفه، وإذا ذممته فإني أضعه وأجعله حقيرًا. وهذا كله باطل. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك الله عز وجل». لا يستطيع أحد أن يرفع أحدًا في الدنيا أو أن يشرفه إلا من الله جل وعلا. إن أراد لهذا العبد أن يرفعه وأن يشرفه شرفه، وإن أراد أن يجعله وضيعًا يجعله حقيرًا. كذلك لا يستطيع أحد أن يرفع رجلًا أو يذل آخر، بل الله عز وجل يقول: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾. فتعز من تشاء تشرفه وتكرمه، وتذل من تشاء تضعه وتحقره عند الناس. فلهذا فقال هذا الرجل: إن حمدي زين وإن ذمي شين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك الله عز وجل». وقد أورد الإمام ابن سحاق قصة هؤلاء التميميين الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتفاخر هؤلاء أهل التميم. فقالوا: نحن عندنا أو نحن أشعر الناس. فأتوا بشعر، فأخرج لهم النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت فرد على شعرهم، وكان أقوى من شاعرهم. ثم قالوا: نحن أخطب الناس، أي: في الكلام وأفصح الناس. فتكلّم خطيبهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قم يا ثابت بن قيس». فقام ثابت وخطب خطبة عظيمة. فقال الأقرع بن حابس: ما هذا الرجل؟ شعرهم أفضل من شاعرنا، وخطيبهم أفضل من خطيبنا، أن في قوة الإلقاء. وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج الفخر الذي كان في قلوبهم. ولهذا جاء أيضًا عند الطحاوي في المشكل للأثار أن الأقرع بن حابس قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن رجال بني تميم هم أفضل الرجال. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كذبت»، بل معناه أخطأت على لغة الحجاز. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أفضل الرجال أهل اليمن». ثم ذكر قبائل أهل اليمن وعددها عليه الصلاة والسلام ليبين فضلهم. فهذا الرجل كان يفتخر بمثل هذه الأشياء، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن فخرهم هذا غير صحيح. ولهذا فإنه أبطل ما كانوا يعتقدونه من أنهم من أشعر الناس، وأنهم من أخطب الناس، وأنهم أفضل رجال في الحرب، وغيرها من هذه الأشياء التي كانوا يظنونها. فأبطلها النبي صلى الله عليه وسلم وبيّن لهم أنه لا أحد يرفع ولا أحد يضع إلا الله سبحانه جل وعلا، فهو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء سبحانه جل وعلا. فخلاصة هذا الحديث أن هذه الآية نزلت في هؤلاء قوم بني تميم جاءوا. وإن كان بنو تميم لهم أيضًا خصال عظيمة، ومن أعظمها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم: أنهم أشد الناس على الدجال، وأسرعهم فيئة في دين الله جل وعلا. طيب، هذا ما يذكر إن شاء الله تعالى. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.