فيروس كورونا ابتلاء من الله.
يوضح المقطع أن الحياة مليئة بالابتلاءات كصحة ومرض وغنى وفقر، ويستشهد بآيات قرآنية تؤكد أن الله يختبر العباد ليميز الصابرين من الجازعين. المؤمن يواجه الشدائد بالصبر والنعم بالشكر، كما ورد في حديث صهيب بن سنان، فتكون كل حال خيراً له.
يستعرض المقطع آيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين أن الابتلاء سنة كونية لا ينجو منها أحد، وأن الصبر عليها يجلب الهدى والرحمة وأجر الشهداء. يستشهد بقصة أيوب عليه السلام وحكم الطاعون المشابه لوباء كورونا.
يوضح المقطع أن من مكث في بلده صابرًا محتسبًا عند نزول الطاعون، موقنًا بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، نال أجر الشهيد. ويحث على الصبر والدعاء والتضرع إلى الله، مبينًا أن البلاء يمحص الذنوب ويرفع الدرجات، وأن الجزع لا يرد القدر بل يزيد الوزر.
ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم. من أخلاق المسلم في الشدائد الشيخ الفاضل أبي معاذ أبو بكر باصلع، المدرس بدار الحديث بالشحر الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المستمعون الكرام: إن الإنسان في هذه الحياة معرض للابتلاء: صحة ومرض، وغنى وفقر، واجتماع وفرقة، وفرح وحزن. كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1-3]. وقال تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2]. أيها المستمعون الكرام: المؤمن عند الابتلاء لا يكون متسخطًا ولا متبرمًا ولا قلقًا ولا منزعجًا، بل تجده صابرًا عند الشدة والضراء، وشاكرًا عند النعمة والرخاء. كما جاء في صحيح مسلم رحمه الله عن صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». أيها المستمعون الكرام: هذه الشدائد والأمراض والأوجاع والأوبئة يختبر الله بها العباد ليعلم الصابر من الجازع، والصادق من الكاذب. كما قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد: 31]. وكما قال تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾... ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]. وكما قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155-157]. فالهدى والرحمة والصلوات مجموعة للصابرين. أيها المستمعون الكرام: لا يظن أحد أنه يسلم من البلاء والمصائب، فالأنبياء وهم خير الخلق نزل بهم من البلاء أشده وأعظمه. فهذا نبي الله أيوب عليه السلام ابتلاه الله بمرض ثماني عشرة سنة حتى اعتزله القريب والبعيد، فصبر واحتسب ولجأ إلى ربه ودعاه، ففرج الله عنه كربته. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 83-84]. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام كما عند البخاري: «من يرد الله به خيرًا يصب منه». أيها المستمعون الكرام: إنما نزل بالناس في هذه الأيام من هذا المرض المخيف والوباء الخطير فيما يسمى بفيروس كورونا، لهو ابتلاء للعباد ليعلم الصابر من المتسخط. فهذا المرض هو أشبه بالطاعون لسرعة انتشاره وانتقال العدوى به. ولقد جاء أن الصابر على الطاعون في بلده له مثل أجر الشهيد، كما في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين: «فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد». فدل منطوق الحديث على أن من اتصف بوصفين اثنين عند نزول الطاعون يحصل له أجر الشهيد وإن لم يمت بالطاعون: الوصف الأول: أن يمكث صابرًا غير منزعج ولا قلق بالمكان الذي يقع به الطاعون، فلا يخرج فرارًا منه. الوصف الثاني: أن يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له. فجمع الحديث بين الصبر والتوكل على الله، ومنه الأخذ بالأسباب. ومما ينافي الصبر: القلق والتسخط والسخرية. أيها المستمعون الكرام: هذا بلاء ووباء سيمضي وينتهي بإذن الله، وينقسم الناس بعد انتهائه إلى صنفين اثنين. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في كتاب التذكرة: «إن صبرت مضى أمر الله وأنت مأجور، وإن جزعت مضى أمر الله وأنت مأزور». ويقول ابن القيم رحمه الله كما في مدارج السالكين: «تجرع الصبر، فإن قتلك قتلك شهيدًا، وإن أحياك أحياك عزيزًا». قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى كما في الفوائد المنتخبة: قال الفضل بن سهل: «إن في العلل لنعمًا ينبغي للعقلاء أن يعرفوها: تمحيص للذنب، وتعرض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وذكرى للنعم في حال الصحة، واستدعاء للتوبة». فاصبروا يا عباد الله على ما نزل بكم، اصبروا على مكوثكم في بيوتكم، واصبروا على ما يحصل من النقص في دنياكم، واصبروا على ما نزل بكم، وتضرعوا إلى الله وألحوا بالدعاء. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه عدة الصابرين: «والله سبحانه يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه». وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ [المؤمنون: 76]. اللهم أبعد عن بلادنا وسائر بلاد المسلمين الوباء والبلاء والزلازل والمحن والفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم إنا نعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيء الأسقام. اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم. من أخلاق المسلم في الشدائد للشيخ الفاضل أبي معاذ أبو بكر باصلع، المدرس بدار الحديث بالشحر ترجمة: نانسي قنقر ترجمة: نانسي قنقر