صنائع المعروف 7

صنائع المعروف 7

مقدمة برنامج صنائع المعروف وكتابه: ارتباط الحقوق وفضل الإحسان

يستهل الشيخ محمد باجعلة البدرسي برنامج «صنائع المعروف» وكتابه المرتبط به بالتذكير بفضل اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف، مستدلاً بآيات تقرن حق الله بحقوق العباد كبر الوالدين والإحسان للأقارب واليتامى والجيران. ويبين أن معاملة الناس بالإحسان تعدل بل تفوق كثيراً من نوافل العبادات، مستشهداً بكلام ابن القيم وآية «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ» كمنهج للعمل بالخير.

فضل العبادات ذات النفع المتعدي وتضاعف أجرها

يبيّن المقطع أفضلية العبادات التي يعود نفعها على غير فاعلها كتعليم العلم والدعوة والصدقة الجارية، مستدلاً بأحاديث تؤكد استمرار أجرها بعد الموت وتضاعف حسناتها. ويوضح أن الله يضاعف أجر الأعمال النافعة للمسلمين كما تضاعف العبادات المحضة، مستشهداً بآية الإنفاق في سبيل الله وأحاديث المضاعفة إلى سبعمائة ضعف فأكثر.

أجر الصدقة والجهاد في سبيل الله ومضاعفة الحسنات

يوضح المقطع عظيم أجر الصدقة والنفقة في الجهاد حيث تضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف، ويبين أن إسلام الكافر يمحو سيئاته السابقة ويحفظ له أجر أعماله الصالحة في الجاهلية. ويستدل بأحاديث صحيحة من مسلم والبخاري تحث على المبادرة بالخيرات والمسارعة إليها.

التفريغ النصي الكامل

خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ صَنَائِعُ صَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ لِلشَّيْخِ الْفَاضِلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ بَاجَعَالَةِ الْبَدْرُسِ بِدَارِ الْحَدِيثِ بِالسَّحَرِ صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامِ الْمُرْسَلِينَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ، فَأَيُّهَا الْمُسْتَمِعُونَ الْكِرَامُ، هَذِهِ حَلْقَةٌ جَدِيدَةٌ مِنْ حَلَقَاتِ بَرْنَامَجِكُمْ «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ» الَّتِي نَتَذَكَّرُ مِنْ خِلَالِهَا الْحَثَّ وَالتَّرْغِيبَ فِي اصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُسَارَعَةِ وَالْمُسَابَقَةِ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُنْكَرَاتِ. فَقَدْ مَضَى مَعَنَا أَنَّ مِنْ سَعَادَةِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ وَإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ. وَهَكَذَا مَرَّ مَعَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ خَيْرَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، هُوَ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَخَيْرُ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا. أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. وَفِي هَذِهِ الْحَلْقَةِ أَحْبَبْنَا أَنْ نَتَذَكَّرَ جُمْلَةً مِنَ الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْمَعْرُوفِ وَاصْطِنَاعِهِ. فَمِنْ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ لَا نَغْفَلَ عَنْهَا هُوَ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ قَرَنَ حُقُوقَ عِبَادِهِ بِحُقُوقِهِ سُبْحَانَهُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا تَعْظِيمًا لَهَا، وَمَا ذَاكَ إِلَّا تَعْظِيمًا لَهَا. فَرَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ يَقُولُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ يَتَعَلَّقُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ عِبَادِهِ. وَهَكَذَا أَيْضًا يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. فَبَدَأَ بِحَقِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ أَعْظَمُ الْحُقُوقِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، ثُمَّ ذَكَرَ حُقُوقَ عِبَادِهِ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وَذِكْرُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِهَذِهِ الْحُقُوقِ بَعْدَ حَقِّهِ سُبْحَانَهُ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِهِ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذِهِ الْحُقُوقِ وَأَهَمِّيَّةِ الْقِيَامِ بِهَا. وَهَكَذَا أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَالْأُصُولِ الَّتِي يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَتَنَبَّهَ لَهَا هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ مُعَامَلَةَ عِبَادِهِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَإِصْدَاءَ الْمَعْرُوفِ لَهُمْ أَفْضَلَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ. جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُعَامَلَةَ النَّاسِ بِالْإِحْسَانِ وَالْخَيْرِ وَنَفْعِهِمْ وَإِصْدَاءَ الْمَعْرُوفِ إِلَيْهِمْ أَفْضَلَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي كِتَابِهِ «مَدَارِجُ السَّالِكِينَ»: قَالَ «فَصْلٌ: ثُمَّ أَهْلُ مَقَامِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ لَهُمْ فِي أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ وَأَنْفَعِهَا وَأَحَقِّهَا بِالْإِيثَارِ وَالتَّخْصِيصِ أَرْبَعُ طُرُقٍ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ». وَذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأَصْنَافَ الْأَرْبَعَةَ، وَمِنْهَا صِنْفٌ رَأَوْا أَنَّ أَنْفَعَ الْعِبَادَاتِ وَأَفْضَلَهَا مَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ مُتَعَدٍّ، فَرَأَوْهُ أَفْضَلَ وَأَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِمَّا يَكُونُ نَفْعُهُ قَاصِرًا عَلَى الشَّخْصِ نَفْسِهِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ». وَهَكَذَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّمْلَةُ فِي جُحْرِهَا» كَمَا جَاءَ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَجَاءَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَهَكَذَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أَجُورِ مَنْ تَبِعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا». وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «لِأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى الْآخَرِينَ وَإِصْدَاءَ الْمَعْرُوفِ لَهُمْ وَهَكَذَا تَقْدِيمَ الْمُسَاعَدَةِ لَهُمْ يُعْتَبَرُ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَمِنَ الْمَعْلُومِ لَدَى الْجَمِيعِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ». وَهَذِهِ الثَّلَاثُ نَفْعُهَا مُتَعَدٍّ وَمُسْتَمِرٌّ بَعْدَ مَوْتِ هَذَا الْإِنْسَانِ. قَالَ: «إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ». وَهَكَذَا مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نَهْتَمَّ بِهَا هُوَ أَنَّ كُلَّ نَفْعٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ تَتَضَاعَفُ حَسَنَاتُهُ كَمَا تَتَضَاعَفُ حَسَنَاتُ الْعِبَادَاتِ، تَتَضَاعَفُ حَسَنَاتُ الْأَعْمَالِ الَّتِي فِيهَا نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا يَحْصُلُ أَوْ كَمَا تَحْصُلُ الْمُضَاعَفَةُ لِحَسَنَاتِ الْعِبَادَاتِ الْأُخْرَى كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا. فَرَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهَذِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي نَفْعُهَا مُتَعَدٍّ وَنَفْعُهَا عَظِيمٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾، وَالسُّنْبُلَةُ هِيَ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا الْحَبُّوبُ. قَالَ: ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وَجَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ». وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَهَكَذَا مُسْلِمٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا. وَجَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ، أَوْ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فَقَالَ: «هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ بِهَا، وَنَاقَةٌ أَوْ قَفْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْجِهَادِ وَالْغَزْوِ وَنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: «هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُ مِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ، كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ». وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَعَظِيمِ فَضْلِهِ، وَأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ. وَهَذَا مِمَّا يَشْحَذُ الْهِمَمَ وَيَجْعَلُ الْهِمَمَ عَالِيَةً فِي فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَصَنْعِ الْمَعْرُوفِ وَبَذْلِ الْخَيْرِ، التَّنَافُسُ عَلَى ذَلِكَ وَالْمُسَارَعَةُ إِلَيْهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأُجُورِ الْعَظِيمَةِ وَالثَّوَابِ الْجَزِيلِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ حَتَّى لَوْ فَعَلَهَا الْكَافِرُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَإِذَا أَسْلَمَ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَنْفَعُهُ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، بَعْدَ إِسْلَامِهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟» وَمَعْنَى «أَتَحَنَّثُ» أَيْ أَتَعَبَّدُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: «مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ» أَيْ يُعْتِقُ مِنَ الرَّقِيقِ «أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ، أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ» أَيْ مَا قَدَّمْتَ مِنْ خَيْرٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَكَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا» أَيْ كَانَ قَدَّمَهَا «وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا». وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُعَلَّقًا، رَوَاهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُعَلَّقًا. وَقَدْ جَاءَ عَنْ صَحَابَةٍ آخَرِينَ غَيْرِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. فَهَذَا يَدُلُّنَا عَلَى أَهَمِّيَّةِ الْحِرْصِ عَلَى بَذْلِ الْخَيْرِ وَصَنْعِ الْمَعْرُوفِ وَتَقْدِيمِ النَّفْعِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْرُهُ عَظِيمٌ وَتَحْصُلُ بِهِ الْمُضَاعَفَةُ لِلْأُجُورِ وَالْحَسَنَاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُونَ الْكِرَامُ، الْحَدِيثُ لَهُ تَتِمَّةٌ يَسَّرَ اللَّهُ إِتْمَامَهَا فِي حَلْقَةٍ قَادِمَةٍ. وَإِلَى أَنْ نَلْتَقِيَ نَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْنَا دِينَنَا وَأَنْ يَتَوَفَّانَا مُسْلِمِينَ. نَسْأَلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَحْفَظَ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ وَأَنْ يُسَلِّمَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ. نَسْأَلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَحْفَظَ بَلَدَنَا هَذِهِ خَاصَّةً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، وَأَنْ يُجَنِّبَهَا الْفِتَنَ وَالْمُصَائِبَ وَالْأَوْبِئَةَ وَالْأَمْرَاضَ وَالطَّوَاعِينَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ صَنَائِعُ صَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ لِلشَّيْخِ الْفَاضِلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ بَاجَعَالَةِ الْبَدْرُسِ بِدَارِ الْحَدِيثِ بِالسَّحَرِ صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ