الصحيح المسند من أسباب النزول  32

الصحيح المسند من أسباب النزول 32

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 32، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول آية المنافقين في أحد وفضيلة المدينة المنورة

يشرح المقطع سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ عند رجوع عبد الله بن أبي وثلاثمئة من المنافقين يوم أحد، وانقسام الصحابة في قتالهم أو تركهم، فنزلت الآية تنهى عن الاختلاف فيهم وتؤكد أن الله أركسهم بكسبهم. كما يبين الحديث النبوي فضل المدينة وأنها طيبة تنفي الذنوب وتطرد المنافقين وأهل الخبث كما تنفي النار خبث الحديد.

تشبيه الفتن بتصفية الحديد وسبب نزول آية التبين في القتال

يشبه الشيخ الفتن بالنار التي تُخرج خبث الحديد لتصفية معدنه، مبيناً أن الفتن تكشف المنافقين كما تكشف النار الغش. ثم يشرح سبب نزول آية ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ في قصة رجل قال: السلام عليكم فقتله المسلمون لأجل غنيمته، فأنزل الله الأمر بالتثبت وعدم العجلة في سفك الدماء وأخذ المال.

مناقشة روايتي المقداد ومحلم بن جثامة في سبب نزول آية التثبت

يناقش المقطع روايتين في سبب نزول آية ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، الأولى نسبت القتل للمقداد وضعفها الشيخ لكونها مرسلة، والثانية صححها محققو الحديث وحسنوها لغيرها، وفيها قتل محلم بن جثامة لعامر الأشجعي بعد إلقائه السلام. وقرر الحافظ ابن حجر أن الآية قد نزلت في القصتين معاً لتعدد أسباب النزول، مستدلاً بقصة أسامة بن زيد المشابهة.

الأصل في صدق من أظهر الإسلام والسلام وخاتمة الدرس

ذكر المتحدث قصة شق القلب لمعرفة الصدق، وقرر أن من أظهر الإسلام والسلام يُحمل على الصدق ما لم تظهر قرينة تدل على كذبه. ثم أنهى الدرس بالشكر والحمد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد يحدث عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد رجع ناس، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة تقول نقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، وقال: «إنها طيبة تنفي ماذا عندهم الذنوب، كلكم الذنوب». في بعض النسخ: «تنفي الخبث». قال: «إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد». الحديث. أخرجه أيضاً في التفسير: يعني البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وابن جريج وابن جرير والطبراني في الكبير. ومعنى الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج لقتال المشركين من المدينة، وكان معه نحو عشرة... نحو ألف، نعم نحو ألف من الصحابة وغيرهم. فلما كانوا في الطريق، قام رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول، وحرّض بعض الناس على الرجوع، الرجوع إلى المدينة، وعدم المواصلة مع النبي عليه الصلاة والسلام، فرجع معه قرابة ثلاثمئة، وبقي سبعمئة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا معنى قوله في هذا الحديث: "رجع ناس ممن خرج معه"، يريد من رجع مع عبد الله بن أبي بن سلول، وكانوا أو كثير منهم من المنافقين. وهذا فيه: أن أهل النفاق أهل تخذيل، أهل النفاق أهل تخذيل عن الجهاد، وعن نصرة هذا الدين، وأنهم عند الفتن تظهر عيوبهم ومخازيهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. وفي الآية الأخرى قال سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت: ﴿لِيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلِيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. فالمهم: في وقت الابتلاء والشدة تظهر معادن الرجال، تظهر معادن الرجال. فالصادقون تجدهم كالذهب النقي الصافي، ما فيهم غش، وما فيهم كذلك عيب. وأما الكاذبون المنافقون فهم كالذهب المغشوش، سرعان ما يظهر زيفه، وتظهر حقيقته. فهذا معنى قوله: "رجع ناس"، يعني ممن رجع مع عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين. ومع هذا، هل أثر ذلك في المؤمنين الصادقين؟ أبداً، ما أصابهم الخذلان، بل استمروا في جهادهم وفي قتالهم للمشركين، فنصرهم الله في أول الأمر كما هو معلوم، ثم وقع ما وقع من مخالفة الرماة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين»، يعني الذين استمروا مع النبي عليه الصلاة والسلام انقسموا في أمر هؤلاء الذين رجعوا إلى فريقين: فمن الصحابة من يقول: هؤلاء نقاتلهم لأنهم خذلون، وخالفوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وعصوا أمره. وفرقة أخرى من الصحابة من يقول: لا نقاتلهم، طالما أنهم معنا يصلون ويظهرون الإسلام، فلا نقاتلهم. فنزلت هذه الآية: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، لماذا انقسمتم طائفتين في أمر هؤلاء المنافقين الذين رجعوا؟ لا تختلفوا في شأنهم، لا تتنازعوا في أمرهم، ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. ومعنى "أركسهم": قيل ردهم وأوقعهم في الخطأ، وقيل أيضاً كما جاء عن المفسرين: أي أهلكهم. الله أركسهم أي أهلكهم، وقيل أيضاً: أضلهم. وهذه المعاني متقاربة، فالله عز وجل أهلكهم وأوقعهم في هذا الخطأ، وفي هذا النقص، وفي هذا الضلال، ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾، أي بسبب عصيانهم لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، واتباعهم الباطل. وهذا فيه: أن مخالفة أمر النبي عليه الصلاة والسلام سبب لانتكاسة القلوب، وللوقوع في الهلاك والضلال، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. هذا هو حال من خالف أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ينتكس قلبه، وهكذا يقع في الضلال والهلاك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأما قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، أي أن الله عز وجل كتب عليهم الضلالة، ومن يضلل الله فلا هادي له. هل تريدون أن تهدوا من كتب الله عليه الضلالة؟ والهداية هنا بمعنى هداية التوفيق، لأن الهداية هدايتان: هداية الإرشاد والبيان، وهداية التوفيق. فالمراد بالهداية هنا هداية التوفيق، يعني: أتريدون أن تهدوا من أضل الله، أن توفقوا هؤلاء إلى الهداية؟ فهذا أمر لله سبحانه وتعالى. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾، يعني من كتب الله عليه الضلالة، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، أي لا طريق له إلى الهدى، ولا مخلص له إليه، فهو يتخبط من ظلمة إلى أخرى، ومن فتنة إلى أخرى. وهذا هو حال المنافقين، ومن حذا حذوهم من أهل البدع والضلال، ومخالفة هدي نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما قوله: «إنها طيبة»، يعني المدينة، فإن من أسمائها طيبة. وهذا فيه: أن هذا الاسم أقره النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يسميها به، أي المدينة. بخلاف "يثرب"، فهذا اسم كان يسميه بها أهل الجاهلية قبل الإسلام. فلما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إليها لم يقل ذلك، ولم يسمّها بذلك. فلذلك كره العلماء أن يقال لها "يثرب" الآن، إنما يقال لها "طيبة"، أو يقال لها كذلك "مدينة رسول الله" صلى الله عليه وسلم، أو "المدينة". كل هذه من أسماء مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا فيه فضيلة لهذه البلاد: «إنها طيبة»، يعني لا يوجد فيها إلا الطيب، فتنفي الزنوب، وفي رواية: «تنفي الخبث». والمعنى متقارب، لأن الذنوب من الخبث، من الخبث، فلا يصبر على بلائها، ولا على كذلك تحمل ما يحدث لأهلها إلا الطيبون المؤمنون. أما الخبثاء من المنافقين، والمرضى مرضى القلوب، فإنهم لا يستقرون فيها، فتنفيهم كما تنفي النار خبث الحديد. الحديد إذا أدخلته في النار، خرج ما به من خبث، يعني من غش، فيبقى أصل الحديد، وتخرج بالنار كل ما هو دخيل على هذا الحديد، كل ما هو دخيل. وهكذا المدينة. وهذا فيه تشبيه، تشبيه، تشبيه الفتن بالخبث المعنوي، وهكذا تشبيه الفتن بالتصفية. فالفتن سبب لتصفية أهل النفاق، كما تنفي النار خبث الحديد، فالفتن تصفية. ولذلك سميت فتن، لأنه يقال: "فتن الحديد" أي نقّى وصفّى. وهكذا "فتن الناس"، أي وقعوا في أمر أو شدة بها يتبين الصادق منهم من الكاذب. فالكاذب ينفضح أمره، وكذلك يتبين حاله، مثل الغش الموجود في الحديد يتبين ويظهر عند دخوله النار. الفضة أيضاً... أنا عندي الحديد هو بمعنى الفضة أيضاً، إذا أدخلت النار خرج كل ما ليس منها طيب. وهكذا الحديد... أنا عندي هنا الحديد هو روايات، هو روايات، والله أعلم. وبالمناسبة: كنا نتشاور مع شيخنا أبي عبد الرحمن عبد الله بن مرعي في إيجاد اسم لهذه المنطقة ولهذا المركز، غير الاسم المعتاد، لأنه اسم يعني ليس بجديد، اسم "تبالة" ليس اسم بجديد في القرية القديمة تسمى بهذا الاسم. فاخترنا بعض الأسماء، فاختار شيخنا أن يكون اسم هذا المكان وهذا المركز وهذه الأرض "أرض طيبة"، بأرض طيبة. فإن شاء الله تألفون هذا الاسم، تألفون هذا الاسم. هذه القرية الآن، هذا المركز يقال له: "مركز طيبة"، أو "أرض طيبة"، أو "مخطط طيبة". وإن شاء الله يعتمد من قبل الجهات المسؤولة بإذن الله سبحانه وتعالى. فهذا الاسم من اختيار شيخ المركز الشيخ عبد الله بن مرعي، حفظه الله تعالى. ثم قال شيخنا رحمه الله: سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. قال شيخنا رحمه الله: قال البخاري: حدثني علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾. قال ابن عباس: كان رجل في غنيمة له، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، تلك الغنيمة. الحديث. أخرجه مسلم والترمذي، وأخرجه أبو داود والنسائي. وهذا واضح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، يعني إذا خرجتم مجاهدين أو مسافرين أو فاتحين أو نحو ذلك، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. ومعنى "تبينوا": تثبتوا في من تلقونهم، أهم كفار استحقوا الجهاد والقتال، أم أنهم من أهل الإسلام فلا تقتلوهم ولا تغنموا ما معهم من غنائم؟ ﴿فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾. من أظهر لكم الإسلام، ومن ذلك قوله: "السلام عليكم". "ألقى إليكم السلام" يعني قال: "السلام عليكم"، لأن معنى هذه الكلمة: وضعوا الأمان، وأنك لست عدواً لهذا المسلم، عليه بل كأنك تقول له: أنت في مأمن، سلمت، أنت في مأمن. فإذن: من ألقى إليكم السلام، لا تعاملونه معاملة الكافر أو العدو، طالما أنه أمنكم وسلم عليكم. وسبب نزول هذه الآية كما جاء في هذا الحديث: كان رجل في غنيمة له، والغنيمة هو تصغير الغنم على وزن "فعيل". تقول مثلاً: "فضل" و"فضيل"، وكذلك مثلاً: "علم" و"عليم"، وتقول كذلك مثلاً: "بقر" و"بقير" تصغير لبقر، وتقول: "غنم" و"غنيم"، "غنم" و"غنيم". فالمراد بالغنيمة: يعني القليل من الغنم، يراد بالتصغير هنا التقليل، لأن التصغير له فوائد، له فوائد في اللغة، فقد يراد به التقليل، تقلل من عدد هذا الشيء لقلته، أو كذلك من معاني التصغير التحقير، تريد أن تحقر من هذا الشيء، فتقول: "هذا غليم"، يعني تصغر من شأنه. واضح. ولكن هنا المراد به التقليل، يعني أن معه القليل من الغنم. فلحقه المسلمون، يعني تتبعوا هذا الرجل. فقال هذا الرجل لما رآهم: "السلام عليكم". فكان الواجب عليهم ماذا؟ أن يؤمنوا أنه طلب منهم الأمان بوضع هذا السلام لهم. لكن قتلوه، وأخذوا غنيمته، أخذوا ما معه من هذه الأغنام. فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾، يعني تثبتوا. وليس معنى هذا أن كل من ألقى إليك السلام تأمنه، هنا قرائن قد تدل على أن هذا المسلم إنما يريد المكر أو الخديعة، فلكل مقام مقال. إذا هنا قرائن تدل على هذا، كأن سلم ورفع سلاحه، أو سلم وانبطح، أو نحو ذلك، أو سلم واختفى، فهنا أمر آخر. لكن إذا سلم ولم تظهر منه قرائن، يكون على حذر منه، وينظر إلى أمره، ولا يقتل. فلذلك هنا أنكر الله عز وجل على فعل هؤلاء لأنهم قتلوه دون تثبت. وقوله: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، تريدون عرض الحياة الدنيا، يعني الغنيمة. قتلتموه من أجل أن تأخذوا هذه الغنيمة، يعني هذه الأغنام اليسيرة. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾، الله عز وجل إنما يغنمكم ممن يستحق أن يغنم منه، فالله عز وجل يسر لكم ما هو أكثر من ذلك وأعظم من ذلك، لكن بالطريق الصحيح للمغنم، بالطريق الصحيح للمغنم. ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، كنتم من قبل في جاهلية، يغنم القوي من الضعيف، فمن الله عز وجل عليكم بهذا الإسلام، وبهذا الحكم، وهو حكم التبين والتثبت قبل أخذ الغنيمة، أو قتل ذلك المسلم، ونحو ذلك. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. وبهذا نفهم معنى الآية كما تقدم، أن من أعظم فوائد القراءة في أسباب النزول: معرفة تفسير الآية، معرفة تفسير... كم تمر علينا هذه الآية، ربما ما نعلم معناها، ما نعلم ما معنى "ألقى إليكم السلام"، هل ندري أنه معنى "السلام عليكم"؟ ولا ندري ما معنى "عرض الحياة الدنيا"، أهو المغنم أو غيره؟ فبمعرفة أسباب النزول يتبين معنى الآية، يتبين معنى الآية. قال شيخنا: وأخرجه الإمام أحمد، وأخرجه الحاكم، طيب، وابن جرير. وعند الترمذي وأحمد والحاكم وابن جرير في روايته تعيين المقتول، وأنه من بني سليم. عندك "سليم" أو "سليم"؟ "سليم" بالضم، صح. قال: وعند البزار، يعني في خارج الصحيحين، عين هذا الرجل بالنسبة لقبيلته، أنه من قبيلة بني سليم. وعند البزار أيضاً كذلك عين، وقال الهيثمي: وسنده جيد، يعني في روايات عند البزار وسندها جيد، وفيها يعني هذه الرواية تعيين القاتل، وأنه المقداد. لكن شيخنا في التعليق عندكم هذا التعليق قال: "كون الآية نزلت في المقداد ليس بصحيح"، يعني تعيين القاتل لأنه المقداد ليس بصحيح، بل الراجح إرساله، يعني الرواية التي جاء فيها أن القاتل المقداد رواية ضعيفة، لأنها رواية مرسلة، والحديث المرسل من قسم الحديث الضعيف، من قسم الحديث الضعيف. راجع ما كتبته على تفسير ابن كثير، يعني في تعليق الشيخ لتفسير ابن كثير، لأن ابن كثير أورد هذه الرواية. فإذن لا يصح تعيين القاتل. أما تعيين المقتول وأنهم بني سليم، هذا جاء صح به إن شاء الله. ثم ذكر شيخنا سبباً آخر من نزول هذه الآية، فقال: قال الإمام أحمد رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يعقوب، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن عبد الله بن قصيط، هكذا عندك "قصيط" بالضمة، قال: حدثني يزيد بن عبد الله بن قصيط، عن القعقاع بن عبد الله بن حد، عن أبيه عبد الله بن أبي حد، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم، هكذا عندكم: لكسر الهمزة وفتح الضاد، "إضم"، نعم، إلى إضم. قال: فخرجت في نفر، وإضم موقع خارج المدينة. قال: فخرجت في نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة، الحارث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، أو ابن قيس. فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم، مر بنا عامر الأشجعي على قعود. الله عندكم "متيع"، "متيع"، نعم نعم. والقعود يعني الجمل. و"متيع": ما عليه من عشب أو زاد أو نحو ذلك. قال: وطب من لبن. والوطب هو الوعاء من الجلد، يوضع فيه الماء أو اللبن، يوضع فيه الماء أو اللبن، وهو مثل مثلاً الآن "قارورة" الصحة أو نحو ذلك، لكن ذاك من جلد الأغنام أو نحوها. قال: فلما مر بنا، سلم علينا، فأمسكنا عنه. لما سلم في الأول الأمر، أمسك عنه الصحابة، بمعنى لم يقاتلوه ولم يقتلوه. فأمسكنا عنه. قال: وحمل عليه محلم بن جثامة، عندكم "محلم"، "محلم" بتشديد اللام، طيب. وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله، بشيء كان بينه وبينه... ها "جثامة" عندكم "جثامة"؟ "جثامة" أنا ما عندي "جثامة"، عندي "جثمام" بزيادة ميم. "جثامة" ها، من عنده مثل عندي؟ ما عندي، عندك النسخة هذا وحيدة، عندي، عندك "جثمام"؟ صح، لعندهم "جثامة". ها "جثامة" صح، هذا نسخة قديمة. قال: وقال: وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله، فقتله بشيء كان بينه وبينه، يعني قتله لأمر سبق من ثأر أو نحوه، فقتله، كأنه بسبب ذلك، هكذا ذكر هذا الصحابي. وأخذ بعيره ومتيعه، يعني ما كان على هذا الجمل. فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن، يعني نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ الآية. قال: الحديث أخرجه ابن الجارود، والحديث حسن لغيره. وما هو تعريف الحديث الحسن لغيره؟ هذا أخذناه في البيقونية. نعم نعم، هو الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه ارتقى إلى درجة الحسن، بشرط أن يكون هذا الضعف خفيفاً، ليس ضعفاً شديداً. وسّمين الشيخ... يعني ضعف هذه الرواية وحسنها بما تقدم. قال: والحديث حسن لغيره، فيه القعقاع، من أبي حدرت. قال البخاري: له صحبة، ولم يأتِ ببرهان على ذلك، يعني لم يأتِ بدليل على أنه صحابي، لأنه لو كان صحابياً لانتهى الأمر، لأن الصحابة كلهم عدول، الصحابة كلهم عدول. لكن لم يأتِ بدليل يدل على أنه صحابي، فيبقى على الأصل، وهو أنه تابعي. وقال ابن أبي حاتم: لا يصح له صحبة. انتهى من الجرح والتعديل. قال: ونفى صحبته ابن عساكر، كما في "تعجيل المنفعة". وقد روى عنه اثنان، ولم يوثق معتبر، وهذا يقال له: مجهول، ماذا؟ مجهول حال أو مستور حال. لأن المجهول نوعان: مجهول حال، ومجهول عين. مجهول الحال: الذي روى عنه اثنان فأكثر، ولم يوثقه معتبر، ما وثقه معتبر من أهل الحديث، فهذا يقال له: مجهول حال. وأما مجهول العين: هو الذي روى عنه راوٍ واحد فقط، روى عنه راوٍ واحد. قال: فعل هذا هو مستور الحال، يصلح في الشواهد والمتابعات. وقد وردت له شواهد ضعيفة أخرى، فيرتقي بها إلى درجة الحسن، فيكون حسناً لغيره. قال الحافظ في الفتح: وهذه عندي قصة أخرى، لا مانع أن تكون الآية نزلت في الأمرين جميعاً. وهذه القاعدة تتكرر معنا كثيراً: أن الآية الواحدة قد يكون لها أكثر من سببين، أو أكثر من سبب، قد يكون لها أكثر من سبب. ومن ذلك هذه الآية، فالسبب الأول جاء: أن الرجل كان في غنيمة، يعني معه غنيمة، طيب. وأما هذا السبب، فإن هذا الرجل كان معه قعود، ففرق بين الأمرين، فرق بين الأمرين. أما رواية تعيين المقتول من بني سليم، فيمكن الجمع، فيكون كان رجل يحمل على أنه من بني سليم. لكن لا يمكن الجمع في الحديث الآخر، لأن هذا فيه غنيمة، وذاك فيه قعود، والقعود المراد به الجمل. والحديث الأول فيه أنهم قتلوه مطلقاً، وهذا الحديث فيه أن الذي قتله هو رجل واحد، وهو... نعم، محلم بن جثامة، فجاء تعيينه، فجاء تعيينه. فلذلك ذكر الحافظ أن القصتين مختلفتين، فتحمل هذه الآية على أن لها سببين، على أن لها سببين. والرواية الثانية تدل على معنى الرواية الأولى، من وجوب التثبت في قتال العدو، فمن أظهر الإسلام لا يجوز قتله. وهذا نظير، أو شبيه، ما وقع لأسامة بن زيد، لما فر أحد المشركين، فتبعه أسامة، فلما قرب أسامة من هذا العدو، قال: "أشهد أن لا إله إلا الله"، فأسلم هذا الرجل، ونطق بالشهادة، فقتله أسامة. فبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟» قال الرسول... قال: «تعوذاً»، يعني خوفاً من السيف. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أشققت عن قلبه؟ أشققت عن قلبه، وعلمت هل هو صادق أو كاذب؟» وهذا فيه: أن من أظهر لنا الإسلام والسلام، فالأصل أن يصدق، إلا إذا ظهر منه خلاف ذلك، إلا إذا ظهر منه خلاف ذلك. والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين. شكراً، شكراً، شكراً، شكراً.