الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 64، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ في قصة عبد الله بن أبي بن سلول الذي أكره جاريتيه على الزنا، فحرم الله ذلك وبشر المكرهات بالمغفرة. كما يبين تحريم مهر البغي وتفصيل أحكام الإكراه الملجئ واستثنائه في الأعراض والدماء.
يذكر المقطع فائدة حديث الإكراه بأن المكره يستغفر ربه فيغفر له، ثم ينتقل لسبب نزول آية الاستخلاف في سورة النور حيث خاف الأنصار فنزلت الآية مبشرة بالتمكين والأمن بشرط الإخلاص. كما يتناول أسانيد الحديث وتوثيق رجاله واختلاف العلماء في تصحيحه.
يستعرض المقطع كيف مُكن الله للمسلمين بفتح مكة وتطهيرها من الشرك، مؤكداً أن العزة والاستخلاف مشروطان بتحقيق التوحيد ونبذ الشرك والتحذير من التفرق. ويختتم ببيان أن ثمرة التمسك بالدين هي الأمن والأمان والتمكين في الأرض والاستخلاف كما وعد الله.
الحمد لله وحمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾. قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب جميعاً عن أبي معاوية، واللفظ لأبي كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، قال: كان عبد الله بن أبي بن سلول يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئاً. فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. الحديث أخرجه أيضاً مسلم من طريق أخرى تنتهي إلى الأعمش عن أبي سفيان به، وفيه أن جارية لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها موسيكة، وأخرى يقال لها أميمة، فكان يكرههما على الزنا، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله الآية. قال: وأخرجوا أبو داود فيها: الجارية لبعض الأنصار يقال لها موسيكة، وابن جرير، والبزار. في تفسير الحافظ ابن كثير، كما في تفسير الحافظ ابن كثير، وفيه تصريح الأعمش بالسمع من أبي سفيان؛ لأن الأعمش قد وصف بالتدليس، فالرواية الأخرى تذهب هذه العلة. قال: والحاكم، وقال في الموضعين: على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عليه الذهبي. وفي الموضع الأول أن المكره رجل، وأن اسمه مسكين، فلعله تحريف. وقول الحاكم في الأول: على شرط مسلم، وسكوت الذهبي عليه، فيه نظر. وقد تقدم معنا أن شيخنا الوادعي له تتبع على أوهام الحاكم، فقوله: على شرط مسلم، ليس بصحيح. لماذا؟ قال: فإن محمد بن الفرج الأزرق ليس من رجال مسلم، فكيف يقول الحاكم إنه على شرط مسلم؟ وهذا الحديث ليس هذا الراوي فيه من رجال مسلم. قال: وإنما ذكره الحاكم في التهذيب تمييزاً، ومعنى تمييزاً: يعني اشتبه اسمه باسم راوٍ آخر من رجال التهذيب، فيذكر الحافظ أحياناً بعض الأسماء من أجل أن يميز بين الرواة، أن يميز بين الرواة. قالوا: في مجمع الزوائد عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كانت لعبد الله بن أبي جارية تزني في الجاهلية، فلما حرم الزنا قالت: لا والله لا أزني أبداً. الآية. رواه الطبراني والبزار بنحوه، ورجال الطبراني رجال الصحيح. وذكره الحافظ ابن كثير عازياً له للطيالسي بسنده. معنى الحديث: كان أهل الجاهلية ومن جاهليتهم لا يتحاشون في الفواحش، وفي المتاجرة في النساء، فلعل بعضهم أخرج جاريته ومملوكته ليزنى بها، فتعطى شيئاً من المال، فتأتي به لسيدها، فتأتي به لسيدها. فجاء الإسلام وحرم ذلك، وحرم الزنا، لأن ذلك مما به مفاسد عظيمة من انتشار الرذيلة والفاحشة، واختلاط النسب، ونحو ذلك. فجاء الإسلام وحرم هذا كله. فهذا عبد الله بن أبي بن سلول، وهو رأس المنافقين، وبعد نزول تحريم الزنا كانت له جارية كما في الرواية الأولى، وفي رواية أن اسمها موسيكة، وفي رواية أن معه كذلك جارية أخرى اسمها أميمة. كل هذه روايات ثابتة في صحيح مسلم، ولا تعارض بينها. فكان يقول لهذه الجارية: اذهبي، يعني للزنا، فابغينا شيئاً. ومعنى ابغينا شيئاً: يعني هاتي لنا شيئاً من المال، هاتي لنا شيئاً من المال. فأنزل الله هذه الآية؛ لأن هذه الجارية كانت تكره ذلك، كما جاء في الرواية الأخرى: أن هذه الجارية قالت ذلك بعد نزول تحريم الزنا، بعد نزول آية تحريم الزنا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ﴾. البغاء هنا الزنا، يعني: لا تكره هذه الجواري على ارتكاب الزنا. لماذا؟ ﴿ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾، أي: ما يعطينا من خراج أو مهر، أو ولد تأتي بولد، أو نحو ذلك. فهذا هو عرض الحياة الدنيا. فالدنيا لا تأتي بما حرم الله. ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي، ومهر البغي يعني: ما تعطاه الباغية، أي الزانية، مقابل ما فعلته ذلك من المال، فحرم ونهى الإسلام عن ذلك. والحديث في الصحيحين: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام، ومهر البغي، وحلوان الكاهن». وفي رواية: «مهر البغي خبيث». يعني: ما تعطاه الزانية من مال فهو مال خبيث، وليس بطيب، ولا يجوز الانتفاع به، ولا أكله، ولا التصدق به، ولا شيء من ذلك؛ لأنه خبيث، لأنه خبيث. فهذا معنى قوله: ﴿ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾، يعني: لتكسبوا شيئاً من المال، أو من الولد، أو نحو ذلك. وأما قوله: ﴿ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، أي: إذا أكرهتموهن على الزنا، وهن لا يرغبن ولا يرضين بذلك، فإن فعلن ذلك عن إكراه، فإن الله غفور رحيم لهن، أي: لهؤلاء الجواري. وقد جاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، قال: فإن فعلتم، فإن الله لهن غفور رحيم، وإثمهن على من أكرههن، وإثمهن على من أكرههن. فهذا معنى هذه الآية وما ورد فيها. وفي هذا الحديث: أن المنافقين لا يقفون عند حدود الله، لا يقفون عند حدود الله؛ لأن الجارية كانت... رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول. وفي هذا الحديث أيضاً: أن الله تجاوز عن هذه الأمة ما استكره عليه، كما جاء في حديث ابن عباس: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه». ولكن لابد أن يكون هذا الإكراه ملجئاً، يعني: لا يمكن دفعه. وهنا مسألة يذكرها أهل الأصول: في أن الإكراه ليس على إطلاقه، الإكراه ليس على إطلاقه. فمن أكره مثلاً بانتهاك عرض مسلم وإلا سيقتل، فقال العلماء: لا يجوز له أن ينتهك عرض هذا المسلم. لماذا قالوا؟ لأن نفسه ليست بأعز من عرض هذا المسلم، من عرض هذا المسلم. أو أكره على قتل مسلم، قيل لك: إما أن تقتل فلاناً وإلا قتلناك. فهنا لا يجوز لك أن تقتل أخاك المسلم؛ لأن نفسه ليست بأرخص من نفسك، ليست بأرخص من نفسك. ولذلك يشترط في الإكراه أن يكون ملجئاً. ومن فوائد هذا الحديث: أن من أكره على شيء ففعله، فإنه يستغفر الله ويتوب إليه، والله عز وجل يغفر له، لقوله عز وجل: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، يعني: يغفر لهم. فالتستغفار يدل على عدم الرضا بهذا الفعل، على عدم الرضا بهذا الفعل، وإنما فعل هذا إكراهاً، فعل هذا إكراهاً. هذا والله أعلم. قال: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾. قال الحاكم رحمه الله: حدثني محمد بن صالح بن هانة، قال: حدثنا أبو سعيد محمد بن شاذان، قال: حدثني أحمد بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثني أبي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، وآووهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه. فقالوا: ترون أن نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله؟ فنزلت: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ الآية. قال: هذا حديث: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾ إلى ﴿ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ يعني: بالنعمة، فأولئك هم الفاسقون. قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وسكت عليه الذهبي. قال شيخنا: الحديث في سنده علي بن الحسين بن واقد، وقد ضعفه أبو حاتم، وتركه البخاري، وقال: كان إسحاق سيء الرأي فيه. ووثقه ابن حبان، وقال: ليس به بأس. ويتلخص من كلام أهل الحديث عن هذا الراوي: أنه في الشواهد، والله أعلم؛ لأن ابن حبان متساهل في التوثيق، فضعفه أبو حاتم، وتركه البخاري، وإن كان قول البخاري في الراوي متروك جرح شديد، ولكن معنا من علماء الجرح من وثقه ومن احتج به، فلذلك هو في الشواهد، والله أعلم. قال ابن... قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات، يعني: وثق علي بن الحسين. وذكره الطبراني مرسلاً عن أبي العالية، يعني: دون ذكر أبي بن كعب، أبي العالية مباشرة، قال: لما قدم رسول الله... وهذا يسمى بالحديث المرسل، هذا يسمى بالحديث المرسل. فالحديث محتمل للتحسين، الله أعلم. ولذلك أورده شيخنا في هذا الكتاب. معنى هذا الحديث: يقول أبي بن كعب رضي الله عنه: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، يعني: هاجروا من مكة إلى المدينة، وآووهم الأنصار، يعني: آووا إلى الأنصار، وسكنوا المدينة. رمتهم العرب عن قوس واحدة، ومعنى رمتهم العرب: يعني اجتمعت عليهم العرب؛ لأنهم آووا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكادت لهم العرب، كادت لأهل المدينة، وعادوهم، وعادتهم، فاجتمعوا عليهم، حتى أن جميع أعداء النبي عليه الصلاة والسلام رموا بقوس واحدة. هذا دليل على ماذا؟ دليل على اجتماعهم، هذا دليل على اجتماعهم، يعني: اجتماع العرب على أهل المدينة. فلذلك احتاج أن يتحصن الأنصار، وأن ينتبه الأنصار لأنفسهم من أن يغير عليهم عدوهم. فكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، يعني: دائماً وهم ملازمون للسلاح، دائماً وهم ملازمون للسلاح، حماية لأنفسهم، حماية لأنفسهم. فكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، إذا قاموا من الصباح كذلك حملوا السلاح، حملوا السلاح، يعني: لا يوجد أمان، يخشون من عدوهم. فقالوا: يعني قال الأنصار: ترون أن نعيش، يعني: تستمر بنا الحياة، حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، يعني: نبيت في أمن وأمان، ونترك هذا السلاح، ولا نخاف أحداً من البشر. هل سنعيش هذا الزمان؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾. والآية واضحة جلية في الجواب على ما سألوا عنه. فمعنى هذه الآية: أن الله عز وجل وعد أهل الإيمان، والله لا يخلف الميعاد، وعدهم بهذه الوعود، وهذه كذلك الأمور الثلاثة: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾، يعني: سيكونون هم الأمراء، وهم الحكام على أهل الأرض، هذا معنى الاستخلاف، كما استخلف الذين من قبلهم من أهل الإيمان، من أهل الإيمان. ﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾، وتمكين الدين: أي ظهوره والعمل به، ودخول الناس فيه، كل ذلك من تمكين الدين في الأرض، من تمكين الدين في الأرض. ﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾، يعني: يكونون في أمن وطمأنينة، لا يخافون إلا الله. وهذا ما سألوا عنه، وهذا ما سألوا عنه. هذا وعد من الله عز وجل، ونزلت الآية لما قالوا ذلك: هل ترون، أو ترون أن نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين؟ فما هو الجواب؟ نعم، سيأتي الوقت والزمن الذي تعيشون فيه آمنين مطمئنين، لا تخافون إلا الله، ولا تحملون السلاح، ولا تحرسون أنفسكم ولا غيركم، لوجود الأمن والأمان. لكن الله عز وجل اشترط في آخر هذه الآية شرطاً، وهو قوله: ﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾. هذا هو الشرط في تحقيق هذه الوعود الثلاثة، هذا هو الشرط في تحقيق هذه الوعود الثلاثة. ما هو هذا الشرط؟ تحقيق العبادة لله عز وجل وحده، ونفي الشركاء والأنداد عن الله عز وجل. فلا يُعبد إلا الله، ولا يُدعى إلا الله، ولا يُذبح إلا لله، ولا يُستغاث إلا بالله، ولا يُستغاث إلا بالله، ولا يُنذر إلا لله، ولا يُتوكل إلا على الله، وهكذا. فمتى ما حقق أهل الإيمان هذا الشرط، حقق الله عز وجل لهم هذه الوعود. والصحابة رضي الله تعالى عنهم لما حققوا هذا الشرط، أعطاهم الله عز وجل هذه الوعود. ففي زمن النبي عليه الصلاة والسلام انتشر الدين، وهؤلاء العرب الذين كانوا... الذين كان يخافهم الأنصار، ذهب المسلمون إلى قعر دارهم، فتحوا مكة، ودخلها النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه آمنين، وفتحوها، وطهروها من الشرك، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، فأعز الله عز وجل دينه، وجعل المسلمين هم الخلفاء على من حول المدينة من المدن والقرى والبوادي، فكل العرب دخلوا في دين الله أفواجاً، ومن أبى فإنه بقي ذليلاً مهاناً مغموراً ضعيفاً. وهكذا توالت الفتوحات الإسلامية، توالت الفتوحات الإسلامية بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، فاستمرت الفتوحات في عهد أبي بكر، وهكذا في عهد عمر، وفي عهد عثمان، حتى وصل المسلمون إلى مشارق الأرض ومغاربها. وهذا مصداق ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها»، يعني: المشرق والمغرب. وقد تحقق ذلك في عهد الخلفاء، فكان يخرج الواحد من بيته، بل ويسافر المسافات الطويلة، ولا يخاف إلا الله، ما يخاف أحداً من الخلق، أمن وأمان. وهكذا ينبغي أن يعلم أهل الإسلام: إذا أرادوا العزة والتمكين، وأرادوا الاستخلاف في الأرض، وأن يدين لهم من بالمشرق والمغرب، وأن يرفع عنهم الخوف ويحل محله الأمان، فعليهم بهذا الشرط الذي ذكر بهذه الآية: ﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾، ﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾. فانظر الآن إلى أهل الإسلام: كيف يريدون التمكين، وكيف يريدون النصر، وكيف يريدون الاستخلاف في الأرض، وكيف يريدون الأمان، وقد انتشرت في مجتمعاتهم الشركيات: عبادة القبور، والتعلق بغير الله، والذبح لغير الله، ودعاء غير الله. فكيف بعد ذلك يمكن لهم في الأرض، ويبدلون بخوفهم أمناً؟ لا يكون ذلك إلا بالتوحيد، ونبذ الشرك وأهله، نبذ الشرك وأهله. هذا عمر... لابد أن يعلم، وهذه دعوة أهل السنة، يعلمون أنه لا حل لما حل بالأمة من أزمات، ومن ضعف وهوان، إلا بتحقيق التوحيد، ومحاربة الشرك، ودعوة المسلمين إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، وإلى الدين والعمل به. فبهذا يمكن لهم، ويستخلفون في الأرض، ويبدلون بالخوف أمناً. وقوله: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾، يعني: بالنعمة، ما هي النعمة؟ نعمة التوحيد، نعمة الدين، نعمة الإسلام. فمن كفر بها، بمعنى: لم يتمسك بها، ولم يؤد حقها، إلا أزيلت منه، ووصف بالفسوق، وهو الخروج عن الطاعة. ولذلك قال: ﴿ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾، فأولئك هم الفاسقون، يعني: أهل الفسوق والخروج عن الطاعة. وهذا الحديث فيه فوائد، فمن فوائد هذا الحديث: عداوة المشركين لأهل الإسلام، واجتماع ملل الشرك على أهل التوحيد والحق، وهذا أخذناه من قوله: «رمتهم العرب عن قوس واحدة»، يعني: اجتمعوا عليهم، اجتمعوا عليهم. فمثلا على سبيل المثال: في غزوة الأحزاب، لتسمى غزوة الخندق، اجتمع أهل الكفر من بمكة، ومن حولهم من قبائل العرب كغطفان ونحوها، اجتمعوا مع المشركين، بل واجتمع معهم اليهود، وتواطئوا معهم. وهذا فيه: أن ملل الكفر تتفق جميعها على ضرب الإسلام والمسلمين، فلا تظن أن كافراً سينصر المسلمين أو يقف بجانبهم. فمن ظن هذا، فإنه لم يقرأ القرآن. ألم يقل الله عز وجل: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾؟ ما يرضون عنك، ولا ينصروك، ولا يؤيدوك، حتى تتبع ملتهم، حتى تكون مثلهم. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾، فتكونون سواء. الكل من ملل الكفر يود أن يكون المسلمون مثلهم في الكفر وفي الشرك. فهذا أمر معلوم: أن أهل الكفر يجتمعون كلهم على أهل الإسلام. وهذا فيه: على أنه يجب على أهل الإسلام أن يكونوا جماعة واحدة. فإن العدو إذا رأى تماسك المسلمين، وإذا رأى اجتماع المسلمين، يخاف، يخاف، ويعمل لهم ألف حساب. لكن إذا رأاهم مشتتين، هذا حزب، وذاك حزب، وهذا يقتل هذا، وهذا يعادي هذا، يقولون: كفونا المؤنة، ما يحتاج أن نأتي إلى أرضهم ونحاربهم، بل نشجع أحزابهم وجماعاتهم حتى يقتتلوا فيما بينهم. وهذا هو الواقع الآن: أعداء الإسلام ما هم الذين يأتون ويحاربوننا بالرصاصات والطائرات، لا، جعلوا ناساً من داخل بلاد المسلمين يحاربون المسلمين. انظر الآن إلى دول... الدول العربية والإسلامية، القتال مشتعل فيها، فقط القتال مشتعل في دول... الدول الإسلامية، قتل وقتال فيما بينهم. ما سببه؟ هل الذي في أرض المسلمين من الكفار؟ لا، من المسلمين أنفسهم. جعلوهم يتقاتلون على الدنيا والكراسي والمناصب والزعامة، ونحو ذلك، فجعلوا بأسهم بينهم. على سبيل المثال: انظروا الآن إلى مثلاً العراق وسوريا، ركب الكفار المنهج الرافضي والمذهب الرافضي في بلاد المسلمين، فغرسوا، فغرسوا العداوة بين الروافض وأهل السنة، وهم من سكان البلاد الإسلامية، فثار أهل الرفض على أهل السنة، فقامت هذه الحروب بين الروافض وأهل السنة، وهذا في سوريا، وفي العراق، وفي لبنان، والآن في اليمن، الحوثي ما هم إلا روافض، وانكشف الأمر واضحاً جلياً: بأن الذي يقف مع الروافض، ومن يؤيد الروافض، ومن كذلك ينقذهم، هم الكفار، هم الكفار؛ لأنهم يعلمون أن هؤلاء هم أولياء لهم في بلاد المسلمين. وهكذا الأحزاب الأخرى المعادية لبعضها بعضاً، هذا يقاتل هذا، وهذا كذلك يعادي هذا، وانتشرت الفتن في بلاد المسلمين. هذا كله من الأعداء. فلو أن جميع المسلمين رجعوا إلى الكتاب والسنة، ودعوا بدعوة الكتاب والسنة، لاجتمعت القلوب على الحق، لأن القلوب ما تجتمع إلا على الحق، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. فلا يكون الاعتصام والاجتماع والقوة إلا بالتمسك بالكتاب والسنة، بالكتاب والسنة. فبهذا تتوحد كلمة المسلمين، وتتقوى شوكتهم. وأما أي دعوة خلاف هذه الدعوة، كالدعوات السياسية، أو الدعوات... التميعية، فإنها لا تزيد الطين إلا بلة، ولا تزيد الفرقة إلا فرقة، ولا الضعف إلا ضعفاً. فالشاهد من هذا: أن الأعداء يجتمعون على أهل الحق، فينبغي لأهل الحق أن يكونوا عقلاء، وأن تجتمع كلمتهم، وأن يتوحد صفهم، لأن كلما اجتمع أهل الإسلام، كلما قويت شوكتهم، وهابهم العدو، هابهم العدو. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾، يعني: قوتكم. فبالتنازع والتفرق والاختلاف يأتي الضعف والفشل، يأتي الضعف والفشل. ومن فوائد هذا الحديث: أن التمسك بالدين، وتحقيق التوحيد، سبب للأمن والأمان، والتمكين في الأرض، والاستخلاف في الأرض، كذلك بنص هذه الآية. وفي ذلك فضل الأمن والأمان. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر