الصحيح المسند من أسباب النزول  38

الصحيح المسند من أسباب النزول 38

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 38، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير آيات الشهادة في الوصية عند السفر (المائدة: 106-108)

يستعرض الشيخ أحكام الشهادة على الوصية عند حضور الموت في السفر، مبيناً أن الأصل شهادة عدلين مسلمين مع جواز شهادة كافرين عند الضرورة، وتفصيل إجراءات تحليفهما بعد الصلاة إذا ارتب في أمانتهما، ووجوب أداء الشهادة بالحق دون محاباة أو رشوة.

سبب النزول: قصة السهمي والجام الفضي وخيانة تميم الداري وعدي بن بداء

يسوق المقطع سبب نزول الآيات الوارد في صحيح البخاري عن ابن عباس، وهو قصة الرجل السهمي الذي مات في أرض غير مسلمين، فخانه صاحبه تميم الداري وعدي بن بداء في إناء من فضة مخوص بالذهب، ثم ظهور الخيانة بمكة وحلف وليي الورثة مكان الشاهدين الخائنين.

تحليل رواية البخاري للحديث: صيغة "قال لي" ومسالك الإسناد

يناقش المقطع رواية البخاري للحديث بصيغة "قال لي" بدلاً من "حدثنا"، مبيناً أن ذلك لوجود نظر في اتصال الإسناد أو لكونه موقوفاً، مع توضيح الفرق بين المذاكرة والمناولة والسماع في مصطلحات المحدثين.

ختم أسباب نزول سورة المائدة والانتقال إلى سورة الأنعام

يذكر المقطع حديثاً عن استحلال الحرير والخمر والمعازف في الأمة، ويختتم به أسباب نزول سورة المائدة، معلناً الانتقال في الدرس القادم إلى أسباب نزول سورة الأنعام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الواجعي رحمه الله تعالى في كتاب "صحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتُ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذَا لَمِنَ الْآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذَا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال شيخنا: وقبل أن نذكر هذا الحديث، يفضل أن نبين تفسير هذه الآيات من الآية مائة وستة إلى الآية مائة وثمانية من سورة المائدة، فبمعرفة تفسير هذه الآيات يسهل ذلك معرفة سبب النزول. فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾، هذا كله خبر، يعني: أو كله مبتدأ يحتاج إلى خبر، مبتدأ يحتاج إلى خبر، فيقول الله عز وجل: شهادة من حضرته الوفاة، الموت، وهو في بلد كافر. هذه الآية فيمن مات في بلد أهل الكفر، في بلد أهل الكفر، وأراد أن يوصي، أراد أن يوصي بشيء من ماله، فيشهد على هذه الوصية اثنان، فاثنان هذا هو الخبر، خبر قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾، فيكون التقدير: شهادة اثنين، شهادة اثنين، فحذف المضاف وهو "شهادة"، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو ماذا؟ اثنان، اثنان هو المضاف إليه، فأقيم مقام المضاف، فيكون التقدير: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية شهادة اثنين، يعني: يشهد على هذه الوصية اثنان، يشهد على هذه الوصية اثنان. قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، أي: يكون هذان الشاهدان من ذوي العدل، إن يشترط في الشهادة العدالة، يشترط في الشهادة ماذا؟ العدالة، فوصف هذين الشاهدين أن يكونا عدلين، ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. "منكم" هنا اختلف فيها، فجمهور أهل العلم على أن المراد بقوله ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، من المسلمين، وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بقوله ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من أهل الموصي ممن مات وأوص، فالشاهدان يكونان من أهل الموصي، يعني: هذا الميت الذي أوصى قبل أن يموت، وقول الجمهور هو الأظهر، ويدل عليه حديث ابن عباس في سبب نزول هذه الآية كما سيأتي معنا. وأما قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، يعني: إن لم يوجد مسلمان، وهذا قد يقع، مسلم كان في بلد الكفر، فحضرته الوفاة، وما عنده مسلمون، ما عنده مسلمون، وأراد أن يوصي، فقال أهل العلم: هذه حالة استثنائية في جواز شهادة اثنين من الكفار، في جواز شهادة اثنين من الكفار، فهذا معنى قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، لكن اشترط أهل العلم في شهادة هذين الكافرين شرطين، الشرطان، كلاهما ما ورد في الآية: الشرط الأول: أن يكون ذلك في سفر، ليس في الحضر، في السفر، لقوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، ما معنى ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؟ يعني: سافرتم. الشرط الأول: أن تكون هذه الشهادة شهادة الكافرين في حال السفر. والشرط الثاني في جواز شهادة هذين الكافرين: أن يكون في الوصية، لقوله تعالى: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾، فقط. أما في غير هذين الشرطين، أما إن لم يوجد هذان الشرطان، فلا تجوز شهادة الكافر، واضح. فهذا معنى قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، أي: من غير المسلمين، وهذا قول الجمهور. ومن فسر ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من أهل الموصي، فسر قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعني: من غير أهل الموصي، واضح. ومن فسر ﴿مِنْكُمْ﴾ بالمسلمين، فسر قوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير المسلمين، من غير المسلمين. وأما قوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، أي: يحلفان بالله، لما يرجع هذان الشاهدان أو يؤتى بهما للإدلاء بالشهادة، يحلفان على هذه الشهادة، وهذا معنى قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾، يعني: حضره الموت، حضره الموت، فأوصى، وسمي الله عز وجل الموت مصيبة، ولذلك يسترجع المؤمن عند الموت لأنها مصيبة، ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، فسمي الموت مصيبة. وقال: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾، أي: ليكون ذلك أوكد في عدم الخيانة، وفي عدم كذلك التلاعب بالشهادة، فقيل: من بعد الصلاة، صلاة العصر، لأنها الصلاة المشهودة، وهي الصلاة الوسطى، وهي أفضل الصلوات، وقيل غير ذلك، المهم أن يؤتى بهذين الشاهدين بعد صلاة، يصلي المسلمون، فيقام هذان الشاهدان، ويقسمان بالله، يعني: يحلفان بالله، وهذا الأمر إنما يلجأ إليه عند الارتياب، يعني: عند الشك في أمر الشاهدين، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، يعني: إن شككتم في أمر شهادتهما، إن شككتم في أمر شهادتهما، أنهم قد خانا، أو غلوا، يعني: أخذا شيئاً من هذه الوصية أو من ذاك الإرث، فإن دخلتم شيئاً من الشك والريب، فتفعلون هذا الأمر، تحبسونهما من بعد الصلاة، فيقسمان بالله، يعني: يحلفان بالله عز وجل، ﴿وَاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا﴾، تيب، فيقسمان بالله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، يعني: هذا اليمين لا نعطاب عنه بعوض قليل من متاع هذه الدنيا الفانية، يعني: لا نعرض حلفنا من أجل أن نأخذ شيئاً من متاع هذه الدنيا، فنعطاب بهذا المال القليل بالحلف بالله سبحانه وتعالى كذباً وزوراً، هذا معنى ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، يعني: ولو كان هذا المشهود عليه قريباً إلينا، فإننا لا نحابه، ولا نجامله، ولا نستحي منه، بل نحلف بالحق، نحلف بالحق، هذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾، يعني: لا نخفي شهادة حق نشهد بها لله سبحانه وتعالى، فإن فعلنا ذلك، حلفنا كذباً من أجل شيء من متاع هذه الدنيا، أو محاباة لهذا، هذا القريب، ﴿إِنَّا إِذَا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، يعني: لمن الآثمين، أي: المخطئين المستحقين لعقاب الله سبحانه وتعالى. وأما قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾، ومعنى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾، أي: فإن اشتهر، وظهر، وتحقق من الشاهدين الوصيين أنهما خانا، أو غلا من المال الموصى به إليهما، وظهر عليهما، وذلك: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾، بمعنى: قد أحياناً يحلف من اعتاض واغتر بهذه الحياة الدنيا، قد يحلف كذباً، فإن تحقق كذب هذين الشاهدين، فإن تحقق كذب هذين، كذب هذين الشاهدين، فتنتقل الشهادة إلى أهل الموصي، فيقوم اثنان مقام هذين الشاهدين، مقام هذين الشاهدين، فيشهدان أن هذين الشاهدين قد كذبا، وأن الحق كذا وكذا، ويحلفان على ذلك لوجود قرائن تدل على قولهما. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾، أي: الشاهدان الأولان، ﴿فَآخَرَانِ﴾، أي: من أهل الموصي، ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾، ما معنى ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾؟ أي: اثنان من الورثة المستحقين للتركة، ويكونان هذان الشاهدان من أولى من يرث الميت، من أولى، ولذلك قال: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾، بمعنى: أولى الورثة، فإن وجد مثلاً أب وأبناء، فالأب والأبناء هما الذين يشهدان، واضح، يقومان مقام الأولين، فيشهدان على كذب هذين الشاهدين، ويستحق المال الذي في الأصل هو موصى به، أو هو لهما، وليس لغيرهما، وليس لغيرهما، فهذا معنى قوله: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾، يعني: أولى الورثة. ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، لابد أيضاً من أن يقسم بالله، ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، يعني: شهادة الأقربين أحق من شهادة الأبعدين، ممن قد دلت القرائن على خيانتهما، أو كذبهما، أو نحو ذلك. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾، يعني: أحرى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، يعني: ربما يدخلهم شيء من الخوف أن يحلفوا كذباً وزوراً، ثم أمرهم بتقوى الله، وأمرهم كذلك بقول الحق، وأن الله لا يهدي القوم الفاسقين، فإن من الفسق: الحلف كذباً وزوراً، الحلف كذباً وزوراً. هذا خلاصة ما ذكره المفسرون في تفسير هذه الآيات، وبهذا إن شاء الله يسهل علينا معرفة هذا الحديث الذي ورد في سبب نزول هذه الآيات. قال شيخنا رحمه الله: قال الإمام البخاري: وقال لي علي بن عبد الله المديني، وهو من شيوخ البخاري: قال: حدثنا يحيى بن آدم، وهنا لم يصرح الإمام البخاري بالتحديث، ويأتي من كلام الحافظ أن البخاري إذا لم يصرح بالتحديث عن شيخه، فهذا يدل على أن الحديث عنده فيه نظر، أو أنه ليس بمتصل، أو نحو ذلك. قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري، وعدي بن بداء، عندك هكذا بتخفيف الدال، بتخفيفها، بتشديد الدال، صح؟ قال: وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، يعني: أرض فارس، وكان تميم الداري وعدي بن بداء نصرانيين، لم يكونا مسلمين، إنما أسلم تميم الداري فيما بعد، فهذه الحادثة وقعت قبل إسلامه، قبل إسلامه، رضي الله تعالى عنه، فكانوا جميعاً في أرض النصارى يتجرون، ولم يكن بها مسلم، ولعل ذلك في أول بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، لأن نعم، الآية نزلت بعد ذلك، فدل ذلك على أن النبي عليه الصلاة قد أوحي إليه. قال: فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاماً، والجام هو الإناء، لكن هذا الإناء كما جاء وصفه: قال: من فضة، من فضة، مخوصاً، في ضم الميم، وفتح الخاء، وتشديد الواو، مخوصاً، ومعنى مخوصاً: أي فيه ذهب مثل الخوص، فيه ذهب مثل الخوص، يعني: صيغة فيه صفائح مثل الخوص، ولكنها من ذهب، والخوص هو سعف النخيل، سعف النخيل يقطع صغيراً ثم يعمل به الحصير ونحو ذلك، كما قال نساء الله سلام: ﴿تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَعَرْضِ الْحَصِيرِ عُودًا عُودًا﴾، فربما تربط هذه العيدان بهذا الخوص، بهذا الخوص، فهذا الإناء من فضة، ومخطط، ومنقوش، وفيه خطوط دقيقة طوال من ذهب، قالوا: وكان هذا أغلى ما يملك في تجارته، أنهم كانوا يذهبون للتجارة، وللبيع، ونحو ذلك، فإذن هو إناء ثمين، إناء ثمين، وجاء في بعض الروايات أنه بيع بألف دينار، بألف دينار. قال: قدما بتركته، فقدوا جاماً من فضة، مخوصاً من ذهب، فأحلف، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: أحلف تميم وعدي، ولم يكونا مسلمين بعد، ولم يكونا مسلمين، فحلف، قال: ثم وجد الجام بمكة، فقالوا: يعني: هذا الإناء وجد بمكة، وفقد، يعني: غير موجود، فحلف تميم وعدي أنهما لم يأخذا، ثم وجد هذا الإناء بمكة، فقالوا: أي: من وجد عندهم هذا الجام، ابتعناه من تميم وعدي، يعني: اشتريناه، والبيع قد يطلق ويراد به الشراء، تقول: ابتعت سيارة، يعني: اشتريتها، يجوز هذا، فقولهم هنا: ابتعناه من تميم وعدي، يعني: اشتريناه من تميم وعدي. إذا تبين الآن أن تميم وعدي قد كذبا، هذه قرينة، أليس كذلك؟ مثل ما يسرق شيء الآن، فيوجد في السوق، فيقال للمشتري: من أين أتيت بهذا؟ يقول: اشتريته من فلان، إذا التهمة واقع على من؟ على فلان، وهذا مثله الآن، التهمة واقع على من؟ على تميم وعدي، لأن من اشتراه قال: اشتريته من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، يعني: من أقاربه وورثة هذا السهمي الذي مات بأرض الكفار، فحلفا، يعني: أقسما: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمْ وَأَنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ﴾، حلفوا على هذا، وحلفهم كان مبنياً على قرينة، وهو وجود هذا الجام بمكة، وكذلك قول المشتري: إنه اشتراه من عدي، ومن تميم، فهذه قرينة. وقال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، إذن هذا الحديث يبين لنا معنى الآية، فأولاً: السهمي مات بأرض الكفر، ثانياً: لم يوجد مسلمون، فكان الشاهد في ذلك اثنان من الكافرين، تميم وعدي، فحلفهم النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه معنى قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، إذن الآن قسما، أي: حلف الشاهدان، حلف الشاهدان، انتهى الأمر، لكن لما دلت القرائن على كذبهما، وخيانة الشاهدين، وخيانة الشاهدين، قام رجلان من أولياء، من أولياء الميت، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾، الآن عثر، يعني: ظهر، وتبين أن الشاهدين الأوليين قد خانا وكذبا، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾، يعني: ممن هو قريب وأولى للميت، فلذلك قام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا: لشهادتنا حق، من شهادتنا، نحن نشهد أن هذا الجام لصاحبنا، وأن الذي أخذه هما هذان، هما هذان الشاهدان، فهذا تفسير واضح لمعنى هذه الآيات، بمعنى: هؤلاء الآيات. ورد في حديث آخر أيضاً في البخاري: أن تميماً لما أسلم، شعر بالذنب، فأتى عند أهل هذا الميت، وأعطاهم، وأعطاهم خمسمائة دينار، نصف قيمة هذا الجام، ثم دلهم على عدي بن بداء، ليأخذوا منه النصف الآخر، ليأخذوا منه النصف الآخر، وذكر أن هذه الآية: ليس أحد له نصيب منها إلا أنا وعدي بن بداء، يعني: أنها نزلت فيهما، أنها نزلت فيهما، فإذا هذا الحديث واضح في تفسير معنى هذه الآية، وكما تقدم أن من فوائد أسباب النزول: تفسير الآية التي فيها نزل هذا السبب، التي فيها نزل هذا السبب. قال شيخنا: الحديث ليس فيه تصريح البخاري بأن شيخه حدثه، يعني: لفظة "حدثنا"، و"سمعت"، يعني: قال ماذا البخاري؟ قال: "قال لي علي بن المديني"، وقال: ليس مثل "سمعت"، وليس مثل "حدثنا"، فيها التصريح، لكن قال الحافظ في الفتح: قد أخرجه المصنف في التاريخ، فقال: "حدثنا علي بن المديني"، وهذا مما يقوي ما قررته غير مرة من أنه يعبر بقوله: "وقال لي" في الأحاديث التي سمعها، لكن حيث يكون في إسناده عنده نظر، أو حيث تكون موقوفة، فهو يعمل ذلك، لهذا السبب: لماذا ما يقول "سمعت" و"حدثنا"؟ إنما يقول: "قال لي"، وهو قد سمعه منه، لأن في هذا الحديث نظر عنده، قد يكون عند غيره صحيح، أو أن هذا الحديث ليس بموصول متصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، إنما هو موقوف، ليس بمرفوع. قال: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي أُخِذَتْ فِي الْمُذَاكَرَةِ أَوِ الْمُنَاوَلَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، المذاكرة يعني: يجتمع أهل الحديث، ليس على سبيل أخذ الحديث وكتابته، وكتابته، وإنما على سبيل المذاكرة، المذاكرة مثل ما تقول: المراجعة، مراجعة المحفوظات، أو المناولة، يعني: أن يناول الشيخ التلميذ صحيفة، أو كتاب، أو أحاديث مكتوبة، فتسمى مناولة، وليست تحديثاً وسماعاً، لكن هذا ليس عليه دليل. الصحيح أنه إذا قال ذلك، كما قال الحافظ: إذا قال البخاري: "قال لي فلان"، وهو شيخه، فهذا يحمل على السماع، ولكن جاء بهذه الصيغة لأن الحديث فيه نظر، أو ليس بمرفوع، إنما هو موقوف، هذا عنده، وقد يكون عند غيره موصول. قال: الحديث، خرّجه التلميذ، وقال: هذا حديث حسن غريب، ومثل هذا حديث المعازف، حديث أبي مالك الأشعري، قال البخاري: قال هشام بن عمار، وهشام بن عمار من شيوخه، فبعضهم طعن في هذا الحديث، وقال: هذا الحديث ليس بموصول، ليس بموصول، بل هو من معلقات البخاري، لا، ليس من معلقاته، ما هو الحديث المعلق؟ أن يحدث المصنف شيخه فأكثر، هل من البخاري حدث شيخه؟ ما حدث شيخه، شيخه موجود، لكن أتى بصيغة محتملة، ليست صريحة في السماع، فقد يكون قال ذلك لأن الحديث عنده فيه نظر، لكن هو متصل، وعلى شرطه، لكن ما هو هذا النظر؟ ما صرح به، ولكن جاء في غير البخاري التصريح، وأن الحديث صحيح: ﴿لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ﴾، فإذا هذا مثله، والله تعالى أعلم. وبهذا نكون قد انتهينا من أسباب نزول سورة المائدة، في الدرس القادم إن شاء الله نبدأ في أسباب نزول آيات سورة الأنعام، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر