الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 71، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع سبب نزول آية ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ في سياق غزوة الخندق، حيث شغل المشركون المسلمين عن صلاتي الظهر والعصر فقضاها النبي ﷺ بركعاتهما كاملتين. وتبين الآية بشارة بنصر الله وإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، مع استنباط أحكام فقهية في قضاء الصلوات الفائتة لعذر شرعي.
يستفاد من حديث الخندق وجوب قضاء الصلوات الفائتة بالترتيب الذي فُرضت به، كما يُفسر قوله تعالى ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ بنصر الله في غزوة الأحزاب. ويبتدئ الشيخ بشرح سبب نزول آيتي التخيير مستعرضاً قصة حرص ابن عباس على سؤال عمر عن المرأتين اللتين نزلت فيهما آية التحريم.
يروي عمر بن الخطاب كيف كان يتناوب مع جاره الأنصاري على حضور مجلس النبي ﷺ لطلب العلم رغم انشغالهما بالكسب. ثم يروي موقفه حين راجعته زوجته فاستنكر ذلك، وذهابه لابنته حفصة لينصحها بعدم مغاضبة النبي أو هجرانه محذراً من غضب الله لغضب رسوله.
بلغ عمر خبر طلاق النبي ﷺ نساءه ففزع وتثبت، وصلى الفجر ثم استأذن ثلاث مرات حتى أذن له فدخل عليه فوجده متكئاً على حصير ورمال أثرت بجنبه. فسأله عن الطلاق فتبين كذب الإشاعة، وظهر زهد النبي ﷺ وتواضعه في حياته اليومية.
زار عمر النبي ﷺ في فترة اعتزاله نسائه، فوجد حياته بسيطة لا يرد البصر فيها شيء سوى ثلاثة أهبة من جلود غير مدبوغة. فسأله أن يدعو الله بالتوسع على أمته كما وسع على فارس والروم، فبين له النبي أن الكفار عجلت لهم طيباتهم في الدنيا بينما المؤمنون ينتظرون جزاءهم في الآخرة، فاستغفر عمر من كلامه.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نواصل قراءتنا في هذا الكتاب: الصحيح المسند من أسباب النزول، وقد قطعنا فيه شوطاً كبيراً في دروس ماضية، ثم لأمر ما انقطع هذا الدرس، وها نحن نشرع إن شاء الله تعالى في المواصلة فيه. وقد توقفنا في هذا الكتاب عند سورة الأحزاب، عند قوله تعالى: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾. ومن باب التذكير، فإن هذا الكتاب ألفه شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله، وهو من أشهر وأفضل كتبه، ويعد مرجعاً في بابه، فما تجد مفسراً وباحثاً في صحة سبب نزول إلا ويرجع إلى هذا الكتاب، لأن الشيخ رحمه الله تحرى فيه الصحة والدقة، فكان هذا الكتاب فريداً في بابه. ودراسة أسباب النزول مهمة جداً؛ لأنها تتعلق بكتاب الله، والعلوم التي لها تعلق بكتاب الله هي من تدبر وتفهم كتاب الله. ولذلك، من أعظم فوائد دراسة أسباب النزول فهم الآية، فسبب النزول يسهل لك ويسر لك فهم الآية، وهذا هو المقصد الأعظم من قراءة القرآن: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبر آياته﴾. وما جاء من أسباب النزول يعين على التدبر. هذا من باب التذكير، وإلا فقد مرت معنا هذه الفوائد في دروس ماضية. قال شيخنا رحمه الله: سبب نزول قوله تعالى: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾. قال الإمام النسائي رحمه الله: أخبرنا عمر بن علي، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما أنزل الله عز وجل: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام لصلاة الظهر، فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذن المغرب فصلاها كما كان يصليها في وقتها. الحديث رجاله رجال الصحيح، وأخرجه ابن جرير، وجاء في صحيح مسلم دون ذكر سبب نزول هذه الآية، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أشعر الله قبورهم ناراً، أشغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، صلاة العصر». وتعلمون بارك الله فيكم ما وقع في غزوة الخندق، وهي ما تسمى كذلك بغزوة الأحزاب، لما اجتمع معسكرات الشرك والكفر من المشركين من أهل مكة، ومن كذلك قبائل العرب، ومن المنافقين وغيرهم، اجتمعوا على ضرب الإسلام والمسلمين، وعلى كذلك دخول المدينة، مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعسكروا خارج المدينة، وكانوا عدداً كثيراً، ولم يستطيعوا الدخول لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع بقدومهم حفر الخندق، واستعدى المسلمون بصدهم ومنعهم من الدخول إلى المدينة. وابتلي المؤمنون في هذه الغزوة ابتلاءً عظيماً، لأن المشركين كان عددهم كثيراً، وكان المسلمون في شدة وجوع وبرد ونحو ذلك. وقد وصف الله عز وجل هذه الغزوة بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً * إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون * هناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً﴾. هذا وصف عظيم لهذه الغزوة، ولكن الله عز وجل ناصر جنده ومؤيد حزبه سبحانه وتعالى، فأرسل الله عز وجل على معسكر الكفر والشرك تلك الريح العاتية الشديدة، فأرعبتهم وفرقت جمعهم وشملهم، ففروا خائبين منهزمين، ولم يلتقي المسلمون مع هؤلاء المشركين في قتال، وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾. فبعد هذه الغزوة كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه: «لا يغزونكم بعد اليوم، وإنما أنتم تغزونهم». فبعد هذه الغزوة ضعف المشركون، ووقع في قلوبهم الهيبة للمسلمين، فلم يغزوا بعد هذه الغزوة، وإنما غزاهم النبي عليه الصلاة والسلام، فكان نصراً عظيماً للإسلام والمسلمين. ففي هذه الغزوة، ومع شدة الأمور التي وقع فيها الصحابة من الجوع وكذلك الخوف وشدة البرد ونحو ذلك، شغل المسلمون عن الصلاة، عن الصلاة، فلم يصلوا صلاة الظهر ولا العصر حتى غربت الشمس، يعني خرج وقت صلاة الظهر وخرج وقت صلاة العصر. وذكر العلماء أن تركهم لهذه الصلاة إنما هو انشغالاً بملاقات العدو وبالتجهيز لصد هذا العدو، ولم يكونوا متعمدين لترك هاتين الصلاتين حتى خرج وقتهما، وإنما انشغالاً بما أهمهم من شدة ومن ملاقات العدو. فيقول ابن أبي سعيد: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس، صلاة الظهر وصلاة العصر. وفي بعض الروايات ذكر النبي عليه الصلاة والسلام صلاة العصر فقط، ولكن يجمع بين الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر صلاة العصر لأنها هي الصلاة الأخيرة التي تركت، ولا يمنع من أن تكون هناك صلاة قبلها وهي صلاة الظهر كما في هذا الحديث. قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما أنزل الله عز وجل: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾، يعني قبل أن تأتي البشارة من الله عز وجل في هزيمة المشركين، وأن القتال قد رفع. فهم قبل نزول هذه الآية كانوا في انشغال وكانوا في شدة، فهذا الانشغال وتلك الشدة أشغلتهم عن هاتين الصلاتين. فلما نزل قوله تعالى: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾، علموا أن الأمر قد انتهى، وتفرغوا لهذه الصلاة، فقال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام لصلاة الظهر فصلاها. وهذا فيه أن من نسي عدة صلوات أو شغل عنها وذهل عنها ولم يتركها متعمداً، فإنه يصلي كل صلاة بركعاتها وبإقامتها، لأنه قال في هذا الحديث: فأقام لصلاة الظهر فصلاها كما كان يصليها لوقتها، بمعنى أنه صلاها أربعاً، صلاها أربعاً، لأنه الآن ليس بمسافر، هم في المدينة، هم في المدينة، فأراد أنه لم يقصر الصلاة لأن الخوف قد رفع، ولأن المقام مقام إقامة لا سفر، مقام إقامة لا سفر، فصلى صلاة الظهر أربعاً كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام للعصر لأنه ترك صلاة الظهر والعصر، فصلاها كما كان يصليها في وقتها، يعني صلاها أربعاً تماماً، ثم أذن المغرب. قال العلماء: الصلاة التي قد خرج وقتها لا يؤذن لها، الصلاة التي خرج وقتها لا يؤذن لها. ففي هذا الحديث لم يؤذن النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الظهر لأن وقتها قد خرج، الآن وقت مغرب، قد غربت الشمس. طيب، ولم يؤذن كذلك لصلاة ماذا؟ العصر، لأن وقتها قد خرج. لكن لما كان وقت صلاة المغرب لا يزال، فأذن عليه الصلاة والسلام، أو أمر بلالاً يؤذن لصلاة المغرب، لأن الأذان هو الإعلام بدخول الوقت، ووقت صلاة العصر والظهر قد خرج، فلا داعي للأذان. فلذلك أقام الصلاة لأن الإقامة لأداء الصلاة، فقبل أداء الصلاة تقام، فأقام ولم يؤذن في الظهر والعصر، ولكنه أذن في المغرب لأن وقتها لا يزال باقياً، لا يزال باقياً. هذا مما يستفاد من هذا الحديث، ومما يستفاد من هذا الحديث أن من شغل عن عدة صلوات أو نسيها أو نام عنها، وهذا قد يقع أحياناً لبعض الناس، ينام عن صلاة مثلاً الظهر والعصر، يقوم مع أذان المغرب، أو كذلك تفوته مثلاً صلاة المغرب والعشاء لانشغال، لمرض شديد نحو ذلك، فإذا كانت عليه عدة صلوات، فيبدأ في الصلاة بالترتيب، يبدأ في الصلوات هذه بالترتيب، فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أولاً صلى صلاة ماذا؟ صلاة الظهر، ثم صلاة العصر، ثم صلاة المغرب، فرتبها. وهذا خلاف ما يقوله بعض الناس أنه أولاً يصلي الصلاة التي هو الآن في وقتها، لا، هذا خطأ. لو نام إنسان عن صلاة الظهر والعصر وقام في المغرب، لا يصلي المغرب أولاً، لا، يصلي أولاً الظهر، لأن هذه الصلوات بالترتيب، هذه الصلوات بالترتيب يصليها مرتبة، فيصلي أولاً الصلاة الأولى صلاة الظهر، ثم صلاة العصر، ثم صلاة المغرب. هذا مما يستفاد من هذا الحديث، وعرفنا معنى قوله: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾، أي أن الله عز وجل كفى المؤمنين قتال المشركين في غزوة الأحزاب، فلم يكن هناك لقاء ومواجهة وقتال بين المسلمين والمشركين في غزوة الخندق، وإنما أرسل الله عز وجل عليهم تلك الريح فذعروا وخافوا وهربوا خائبين. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً﴾، والآيتان، يعني الآية أيضاً التي بعدها: ﴿وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً﴾، وهي ما تسمى بآيتي التخيير بأزواجه. قال شيخنا رحمه الله: قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر رضي الله عنه عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله لهما: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾، التي هي في أول سورة التحريم. وهذا من حرص ابن عباس على العلم، على العلم، فما كان يعلم ابن عباس من هاتان المرأتان التي نزلت فيهما هذه الآية: ﴿إن تتوبا﴾، هذا الضمير ضمير تثنية، ضمير تثنية: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾، من هاتان المرأتان؟ ابن عباس كان ما يعلم، لكن يعلم أن عمر عنده علم بهذا، وعنده خبر بهذا، فكان رضي الله تعالى عنه يعني ابن عباس حريصاً على هذا العلم؛ لأنه من القرآن ومن فهم القرآن، فكان حريصاً على معرفة ذلك وعلى سؤال عمر عن ذلك. قال: فحججت معه، خرج مع عمر الحج، فعدل وعدلت معه، ومعنى عدل: يعني انفصل عن الجيش لقضاء حاجته، عدل عن الجيش أو عدل عن القافلة وعن الحجاج ليقضي حاجته، فاستغل ذلك ابن عباس، وفي هذا تحين الفرص، إذا عندك سؤال لعالم أو لشيخ أو لأستاذ، فتحين الفرصة، كأن تراه يعني متفرغاً، وكذلك في زاوية أو في مكان تستطيع أن تسأله أو نحو ذلك. فاستغل هذه الفرصة، فابن عباس لما رأى عمر عدل عن القافلة، عدل معه، ذهب معه، قال: فعدل وعدلت معه الإداوة، الإداوة هو إناء من جلد يوضع فيه الماء، يوضع فيه الماء، فأخذ معه الإداوة، هذا الإناء، كي يتوضأ عمر رضي الله تعالى عنه، وكأن هذه القصة في وقت خلافة عمر، لأن كان الخليفة هو الذي يخرج بالحجاج، هو الذي يخرج بالحجاج. قال ابن عباس: فتبرز، يعني ذهب إلى الخلاء وقضى حاجته، قال: ثم جاء فسكبت على يديه من الإداوة فتوضأ، وفيه خدمة العالم، فلا بأس أن يخدم العالم أو الشيخ، فمثلا يؤتى له بالماء أو يسكب عليه الماء يتوضأ، أو يقرب إليه ما يحتاجه من وضوئه أو من حاجته أو نحو ذلك. قال: فتوضأ، فقلت: الآن فرصة، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، وهذا يؤكد أنه كان خليفة رضي الله عنه، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتين؟ عندكم، من المرأتين، في نسخة عندك يا محمد معك نسخة، مرأتان، صح، هذه نسخة فيها أخطاء كثيرة، فإن شاء الله من معه مثل هذه النسخة يصح، عندي: من المرأتان، صوابه: من المرأتان، لأنه خبر، لأنه خبر، قال: من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله عز وجل لهما: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾؟ فقال: أي عمر، وعجبا لك يا ابن عباس، يعني تعجب عمر من جهل ابن عباس لهذه المسألة، وهذا فيه أن العالم قد تخفى عليه مسائل سهلة، وربما يعلمها الكثير ممن هو دونه. ابن عباس حبر هذه الأمة، والذي دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، ومع هذا كان يجهل هذه المسألة، وفوق كل ذي علم عليم، فقد الرجل الفاضل يجهل بعض المسألة، مثل ما جاء في الاستئذان، عمر كان يجهل الاستئذان ثلاثاً حتى أخبره أبو سعيد بهذه السنة، وتثبت عمر فيها فعلم ثبوتها فعمل بها رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا فيه دليل على أن العلم لا يحويه أحد مهما بلغ من المنزلة، ومهما بلغ من العلم، ما حوى العلم جميعه أحد، لا، ولو عاش ألف سنة، إنما العلم كبحر زاخر، فاتخذ من كل شيء أحسن، العلم مثل البحر واسع عظيم كبير، فلا يحويه أحد ولا يحيط به أحد، فالله عز وجل هو الذي وسع علمه كل شيء سبحانه وتعالى، أما غيره فيعلم ويجهل. فانظر تعجب عمر رضي الله تعالى عنه من جهل ابن عباس في هذه المسألة، فقال: وعجبا لك يا ابن عباس، عائشة وحفصة، يعني لهتان المرأتان، عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، وحفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما. قال ابن عباس: ثم استقبل عمر الحديث يسوقه، استقبل عمر الحديث، يعني جعل يسرد حديث أزواج النبي عليه الصلاة والسلام مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديث طويل سيذكره بطوله رحمه الله تعالى. قال: فقال: إني كنت، عمر يقول: إني كنت، وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة. ما إعراب «وجار لي»؟ وجار، إني كنت وجار، إني كنت وجار، أو وجار، أه، وجار، نعم، إني كنت وجار، معطوف على الضمير المرفوع، كنت، أتى هنا اسم كان. وهذا فيه حرص عمر رضي الله تعالى عنه وعن العلم، وأن طلبه لإعفاف نفسه وأهله لم يمنعه من طلب العلم. قال: كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، يعني هذا الحي في عوالي المدينة، ليس في وسط المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي عليه الصلاة والسلام، فينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره، وإذا نزل فعل مثله. وهذا بوب له الإمام البخاري في صحيحه: باب التناوب على العلم. كان عمر يتناوب مع هذا الأنصاري، يوم يذهب عمر ويتخلف الأنصاري، يذهب عمر عند النبي عليه الصلاة والسلام ويأخذ العلم، يأخذ العلم، ثم يأتي إلى صاحبه الأنصاري ويخبره ما تحصل عليه من العلم، ثم يتخلف عمر في اليوم الثاني ويذهب الأنصاري فيطلب العلم عند النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يعود ويخبر عمر بما تحصل من العلم، وهكذا. انظروا على حرص، ما قال: أنا عندي عمل، سأترك طلب العلم، لا، يوم جعله لله، ما في عمل، اليوم طلب العلم، واليوم الثاني للعمل، وهكذا. وهكذا ينبغي لطالب العلم، لا يشغله شيء عن العلم، وإذا شغله شيء عن العلم ولابد منه، فليجعل وقتاً وحظاً للعلم، إذا كان عمله بالنهار فليجعل وقتاً المساء لطلب العلم، وإذا كان عمله في المساء فليجعل أول النهار لطلب العلم، وإذا كان يستطيع أن يعمل أياماً ويتفرغ لطلب العلم أياماً، يدرس أياماً في مثل المدارس النظامية، ثم يفرغ وقتاً لطلب العلم في وقت الإجازات أو الفراغ، فليفعل. المهم أن يكون همه وغايته وأمنيته تحصيل العلم، تحصيل العلم. وهكذا كان السلف رحمهم الله تعالى، فهذا عمر الفاروق كان يتناوب مع هذا الأنصاري يوم بعد يوم، ما منعه العمل والاكتساب عن طلب العلم. فتعجب من بعض طلاب العلم ينقطع عن العلم، ما لك يا فلان؟ قال: أنا مشغول. طيب، أنت مشغول، فاجعل وقتاً لطلب العلم، ولمراجعة العلم، ولحفظ العلم، أما كل الوقت في الدنيا وفي كذلك تنعيم الجسد، فمتى ستنعم القلب والروح وتغذي هذه الروح بغذاء الكتاب والسنة؟ قال عمر: ﴿وكنا معشر قريش نغلب النساء﴾، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم. ما معنى «نغلب النساء»؟ يعني المرأة ربما تتمرد على زوجها، ها، تتمرد على زوجها، يأمرها فلا تأتمر، أو يكلمها وينصحها فلا تنتصح، أو تقاطع، أو كذلك تطالب بما لا يطيقه، أو نحو ذلك، فهذا المراد بغلبة النساء، بغلبة النساء. فكان معشر قريش، قال: نغلب النساء، يعني المرأة ما سأتكلم عند زوجها، ما سأتكلم عند الرجل، ها، تتأدب وتسمع وتطيع. وقال: فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، يعني المرأة لها شان، ها، ولها كلمة ورأي، وربما يعني تطلب من زوجها شيء يكرهه أو لا يستطيعه أو نحو ذلك، هذا هو المراد. قال: فطفق نساؤنا، يعني نساء المهاجرين، يأخذن من أدب نساء الأنصار، يعني يأخذن من هذا الأمر الذي عليه نساء الأنصار من غلبتهن للرجال، من غلبتهن للرجال، هذا هو المراد. قال عمر: فصحت على امرأتي، يعني أمر فعلته ولا أرتضيه، فصحت عليها ألا تفعله، وهذا أمر قد جعله الله عز وجل للرجال، ﴿الرجال قوامون على النساء﴾. قال عمر: فطفق نساؤنا، قال عمر: فصحت على امرأتي، فراجعتني، يعني لم تستجب، وردت على عمر، ردت على عمر. قال: فأنكرت أن تراجعني، هذا شيء ما هو معهود منها، ما كانت تفعل هذا، هذا شيء مستنكر. قال: فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ تقول له زوجته: ولما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. قال: لو أنت تنكر علي، ذهبت إلى زوجات الرسول، وهن زوجات الرسول، وهذا فيه أن الناس ينظرون إلى القدوة، إلى القدوة، فلما كن نساء النبي عليه صلى الله عليه وسلم قدوة للنساء، استدلت زوجة عمر على فعلها بفعلهن، وهذا حتى في زماننا هذا، وعند عامة الناس، إذا فعل شيئاً فأنكر عليه، قال: انظر إلى الشيخ الفلاني هو يفعل هذا، انظر إلى الداعي الفلاني هو يفعل هذا، يستدل بفعله بفعل تلك القدوة التي يقتدي بها الناس، وهذا فيه أن القدوة ينبغي عليه أن يكون قدوة حسنة، لأن الأنظار متوجهة إليه. قال: فأفزعني هذا، كيف أزواج النبي عليه الصلاة والسلام تهجره حتى الليل وتراجع النبي عليه الصلاة والسلام، ومن زوجات النبي عليه الصلاة والسلام ابنته حفصة رضي الله عنه. قال: فأفزعني، خاف من هذا، هذه الظاهرة وهي غلبة النساء على الرجال، بل وصل الأمر إلى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فقلت: خابت من فعلت منهن بعظيم، يعني خابت خيبة عظيمة، وخسرت خسراناً عظيماً، من فعلت هذا مع النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ثم جمعت علي ثيابي، يعني لبس ثيابه، قال: فدخلت على حفصة ابنتي، فقلت: أي حفصة، أي، هذه أداة استفهام تستخدم للقريب، فقلت: أي حفصة، أتغاضب إحدىكن رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل، يعني من الصباح إلى الليل؟ قالت حفصة: فقلت، أو فقالت: نعم. أي حفصة، أكدت كلام زوجة عمر. قال: فقلت: أي، عمر، خابت وخسرت، أفتأمن أن يغضب الله لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتهلكين؟ يعني إذا غضب النبي عليه الصلاة والسلام فإن الله يغضب لغضبه، وإذا غضب الله عز وجل لغضبه، غضب الله على من غضب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاية الأمر أن غضب الله يكون على من غضب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا معنى كلام عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم قال: لا تستكثري على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني لا تكثري الطلب، لا تكثري الطلب، ولا تراجعي، لا تراجعي رسول الله، ولا تقاطعي، وإنما كوني له طوعاً. قال: ولا تراجعي في شيء، ولا تهجري. وهذا فيه نصيحة الأب لابنته، ولو بعد زواجها، لا يظن الأب أن هذه البنت إنما هي تنصح إذا كانت في بيته قبل زواجها، بل تنصح ولو بعد زواجها، فهو أب لها، فيتعاهدها بالنصيحة وبالأدب، يعني التأديب والتعليم ونحو ذلك، فهذا عمر يذهب إلى ابنته وينصحها هذه النصائح الغالية الثمينة. ثم قال لها: ولا تهجري، واسأليني ما بدا لك، يعني أي شيء تحتاجين، اسأليني أنا، ولا تؤذي أو تهجري أو تراجعي رسول الله، واسأليني ما بدا لك، ولا يغرنك إن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد عائشة، أوضأ، يعني أجمل وأحسن منك جمالاً وحسناً، يعني وإن فعلت عائشة ذلك لا تغتري بفعلها، لا تغتري بفعلها. قال: وكنا نتحدث، يعني هو وصاحبه الذي كان يتناوب معه، وكنا نتحدث أن غسان، يعني قبيلة من القبائل التي حوالي المدينة، تنعل النعال لغزونا، يعني تستعد وتجهز لغزو المسلمين في المدينة، أن غسان تنعل النعال لغزونا. قال: فنزل صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء، فضرب باب، باب، ضرباً شديداً، وقال: أنائم هو؟ يعني جاء صاحبه في بعد العشاء، وطرق الباب طرقاً شديداً، دق الباب دقاً شديداً، وهو يقول: أنائم، يعني أنائم عمر. قال عمر: ففزعت، خاف، هذا طرق، طرق إنسان يعني خائف، خائف، وفزع، فهو أمر عظيم وهول جسيم، ففزع عمر. قال: ففزعت، فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم، صاحبه يقول له: حدث أمر عظيم. قلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ مباشرة ذهب ذهن عمر إلى الحديث الذي كانوا يتحدثون فيه، أن غسان ماذا؟ بدأت تنعل النعال، تجهز، فظن عمر أن هناك هجوماً على المدينة، فقال: ما هو؟ أجاءت غسان؟ ما هو هذا الأمر العظيم؟ قال: لا، ليس الأمر هذا، بل هو أعظم منه وأطول، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. وهذا الأمر كما قال: هذا أعظم، لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو القدوة، وهو الأسوة، عليه الصلاة والسلام، فإذا طلق النبي عليه الصلاة والسلام نساءه، فكيف يكون حال غيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؟ فهذا أمر يحزن، وأمر يوقع في النفس ما يوقع، فلذلك استعظمه الأنصاري. قال: أي عمر، قد خابت حفصة وخسرت، ذكر ابنته، كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون، يعني أتوقع أن يكون هذا، لما يعني وقع منهن من معارضة وهجران للنبي عليه الصلاة والسلام. قال: فجمعت علي ثيابي. وهذا فيه التثبت عند الإشاعة، التثبت عند الإشاعة، عمر عد هذا الأمر إشاعة، وظن، ولم يعد يقيناً وجزماً، وهذا فيه أن المسلم إذا سمع عن أخيه شيئاً، يتثبت قبل أن يعتقد ويجزم، قبل أن يعتقد ويجزم. فعمر هنا قال: فجمعت علي ثيابي، فصليت الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، أخبره في الليل، ما أصبح الصباح إلا وهو عند النبي عليه الصلاة والسلام. واستدل العلماء بهذا أن في حال الإشاعة يعجل المسلم في التثبت، ولا يتأخر، حتى لا يقع في قلبه شيء، وحتى لا يستشري شر، وشرارة، وشرارة هذه الفتنة، هذه الفتنة والإشاعة، فيعجل في التثبت، حتى ينقطع الشر، حتى ينقطع الشر، وحتى تطفأ الفتن. قال عمر: فجمعت علي ثيابي، وصليت صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل مشربة، يجوز بضم الراء وفتحها، مشربة ومشربة، بفتح الميم وسكون الشين وضم الراء أو فتحها. قال: فدخل مشربة له، والمشربة هي الغرفة في ناحية، وقال لها مشربة، قال: فدخل مشربة له، فاعتزل فيها، اعتزل فيها، يعني جلس وحده فيها دون أن يكون معه أحد. قال: فدخلت على حفصة ابنته، فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ أولم أكن حذرتك؟ أطلق، أطلق، كنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أولاً، أراد أن يتثبت من، من، من صاحبة الشأن، من أحد زوجات النبي عليه الصلاة والسلام. فقالت: لا أدري، هو ذا في المشربة، ما تدري، هل طلق، لا، لأنه اعتزلهن شهراً كما سيأتي، فهي لا تدري ما هو هذا الاعتزال. فقالت: لا أدري. قال عمر: فخرجت، فجئت المنبر، منبر النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد، فإذا حوله، يعني حول المنبر، رهط، يعني جماعة، يبكي بعضهم، وبعضهم يبكي، وسبب بكائهم أنه بلغهم، بلغتهم هذه الإشاعة، بلغتهم هذه الإشاعة، فحزنوا، كيف نبي هذه الأمة يطلق جميع نسائه؟ أمر، أمر عظيم. قال: فجلست معهم قليلاً، جلس معهم قليلاً، ثم غلبني ما أجد، غلبني ما أجد، يعني من الحزن، ومن كذلك إرادة التثبت. قال: فجئت المشربة التي هو فيها، الغرفة، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان عليه بواب، هذا الغلام، لا يدخل أحد إلا باستئذان. فجاء عمر إلى هذا البواب، وقال له: استأذن لعمر، قل للنبي صلى الله عليه وسلم: عمر يستأذنك للدخول. قال: فدخل، أي هذا الغلام، هذا الحارس، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرج، فقال: ذكرتك له، فصامت، يعني لم يأذن، لم يأذن لعمر أن يدخل. قال: فانصرفت، حتى جلست مع الرهط، جلس مرة أخرى مع هؤلاء الجماعة الذين عند المنبر، الذين عند المنبر. ثم غلبني ما أجد، ما صبر، ما صبر عمر، يجد من الحزن، ويجد من الكرب، يخشى أن تكون هذه الشائعة حقيقة. قال: ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فذكر مثله، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم صمت، فجلست مع الرهط الذي عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، هذه المرة الثالثة، فقلت: استأذن لعمر، فذكر مثله، فلما وليت، خلاص منصرفاً، يأس عمر، وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأذن له. قال: وليت منصره، فإذا الغلام يدعوني، بعدما انصرف، دعاه الغلام، قال: أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فدخلت عليه، فإذا هو متكئ على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئ على وسادة من أدم، بفتح الهمزة والدال، وسيأتي شرحها، حشوها ليف. فسلمت عليه. وقوله هنا: فإذا هو متكئ على رمال حصير، يعني أن الأرض، أرض هذه المشربة، لم يكن مفروشاً، ولم يكن يعني مملساً، وإنما مفروش بالرمال، مفروش بماذا؟ بالرمال، وهناك حصير على هذه الرمال، حصير على هذه الرمال، ليس بينه وبينه فراش، يعني مباشرة من الحصير إلى الرمال، إلى جنب النبي عليه الصلاة والسلام، قد أثر الرمال بجنبه، يعني لم يكن هناك فراش بينه وبين الحصير، فلا شك أن هذه الرمال تؤثر على المتكئ عليها، المتكئ عليها. متكئ على وسادة، الوسادة ما يوضع تحت الرأس، ما يوضع تحت الرأس، وهو متكئ على هذه الوسادة، وهذه الوسادة من أدم، والأدم هي بفتحتين، اسم جمع للأديم، وهو الجلد المدبوغ، الجلد إذا دبغ يقال له أديم، وجمعه أدم، وجمعه ماذا؟ أدم. قال: حشوها ليف، ليف هو ما يخرج من النخل، معروف، تحشى به الجلود، وتتخذ وسائد في ذاك الزمان، وأنا على عهدي قد اتكأت على وسائد، وسائد، لكن من يعني قماش، أو يعني، نعم، من أقمشة، وداخلها ليف، حشوها ليف، حشوها ليف، وهذا يعمل به إلى الآن في بعض البوادي، في بعض البوادي. قال: فسلمت عليه، ثم قلت وأنا قائم: طلقت نساءك؟ وآه فيه زهد النبي عليه الصلاة والسلام، والحال الذي كان عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم، ومع هذا لم يكن عنده غرفة مفروشة ولا مليسة، وما عنده الفرش التي ينام عليها أو يتكئ عليها، وسيأتي معنا كذلك تأثر عمر بهذه الحالة الذي رآها من النبي عليه الصلاة والسلام. يؤذن المؤذن، ثم إن شاء الله نكمل هذا الحديث، وننتقل إلى الدرس الآخر. قال عمر رضي الله عنه: قال: فسلمت عليه، ثم قلت وأنا قائم: طلقت نساءك يا رسول الله؟ وهذا فيه أن الداخل على من أراد التثبت منها أن يسأله مباشرة، أن يسأله مباشرة عما أراد. فقال عمر: يا رسول الله، طلقت نساءك يا رسول الله؟ فرفع بصره إلي، يعني النبي صلى الله عليه وسلم رفع بصره إلى عمر، فقال: لا. فقال: لا. وفي رواية أن عمر من شدة الفرح كبر: الله أكبر. قال: ثم قلت وأنا قائم، قال: قلت وأنا قائم أستأنس، يا رسول الله، لو رأيتني، لو رأيتني، وكنا، وكنا، وكنا. قال: ثم قلت وأنا قائم أستأنس، يعني أستأنس، أدخل الأنس على النبي عليه الصلاة والسلام، أدخل الأنس على النبي عليه الصلاة والسلام. فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيتني، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم، فذكر، يعني ذكر ما وقع في أول الحديث. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه أن المكروب والمحزون، تدخل عليه الأنس، وتدخل عليه السرور، فانظر إلى قول عمر: وأنا قائم أستأنس، يعني يستأنس رسول الله، ويدخل عليه الأنس والسرور. فذكر له ما لحظه عمر من تأثير نساء الأنصار على نساء المهاجرين في غلبة الرجال. وجاء أثر عن ابن عمر أن أحداً دخل بيته، فرأى الجدران مسترة في الستر من الأقمشة، فقال له: ماذا يا ابن عمر؟ قال: غلبتنا النساء، غلبتنا النساء، يعني هذا بطلب من النساء، وكان ما كان من الاستجابة لطلبهن. قال عمر رضي الله تعالى عنه: ثم قلت، وهو لا يزال يدخل الأنس على النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، لو رأيتني، ودخلت على حفصة، فقلت: لا يغرنك إن كانت جارتك هي أوضع منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يريد عائشة. قال: فتبسم أخرى، نعم. وهذا أيضاً مما يستأنس به. قال: فجلست حين رأيته تبسم، ثم رفعت بصري في بيته، يعني في هذه الغرفة، جعل ينظر، ماذا في هذه الغرفة؟ قال: فوالله ما رأيت فيه شيئاً يرد البصر، يعني شيء يفرح البصر من أشياء طيبة، وأشياء يعني محبوبة، ومن أمور هذه الدنيا، ما هناك شيء يرد البصر، غير أهبة ثلاث، أهبة، بالفتح، فتح الهمزة والهاء والباء، وهو جمع إهاب، على غير القياس، وهو الجلد قبل أن يدبغ، الجلد قبل أن يدبغ، يقال له إهاب، وجمعه أهب. وكما جاء في الحديث: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، يعني أي جلد قبل أن يدبغ، ثم دبغ، فقد طهر. ومنهم من جعله اسماً، جعله اسماً للجلد مطلقاً، قبل دبغه وبعد دبغه، ولكن الأشهر أن الإهاب هو الجلد قبل أن يدبغ، قبل أن يدبغ ويطهر، يقال له إهاب. فعمر ما رأى شيئاً يرد البصر غير هذه الجلود الثلاثة التي هي غير مدبوغة. فقلت: أي، عمر، قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ادعُ الله فليوسع على أمتك، فليوسع على أمتك، يعني أنت في فقر، وفي شدة من الدنيا، وأنت رسول الله، فادعُ الله أن يوسع على أمتك، ويكون عندهم من حطام هذه الدنيا، ومن الأموال، ومن البيوت الطيبة، والفرش الرافعة، ونحو ذلك، هذا معنى كلام عمر. لذلك قال: فإن فارس والروم، وهم أعظم دولتين في ذاك الزمان، وسع عليهم، عندهم من الكنوز، وعندهم من الدنيا، مثل ما هو واقع اليوم في هذا الزمن، فإن دول الكفر هم أكثر وأوسع في أمور هذه الدنيا، في أمور هذه الدنيا. فعمر قال: فإن فارس والروم، وسع عليهم، وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله، هم كفار، مع هذا أعطوا الدنيا. وكان متكئاً، أي النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ ما ينبغي لك أن تأتي بهذا الكلام، يا ابن الخطاب، أنت في شك؟ ثم بين له صلى الله عليه وسلم، فقال: أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، في الحياة الدنيا، يعني الكفار، جنتهم هذه الدنيا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»، فهم يتمتعون فيها، فقد يعطون من الأموال، وتوسع عليهم في هذه الدنيا، لكن عجلت لهم طيباتهم، ويوم القيامة يكونون من أهل النار، والعياذ بالله. أما المؤمن، وإن ضيق عليه، وابتلي بشيء من الشدة، وقلة ذات اليد، إلا أنه يحتسب الأجر، ويؤمن بالله سبحانه وتعالى، ويعبد الله، رجاء أن يكون من أهل الجنة في يوم القيامة. فهؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم. ولذلك، عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، لما بلغه موت مصعب بن عمير، مات على فقر وشدة ذات اليد، فلما مات مصعب، ما وجدوا الثوب الذي يكفنونه به، ما وجدوا له إلا ثوباً واحداً، إذا غطوا وجهه بدت رجلاه، وإذا غطوا رجليه بدا وجهه. فقدمت، أو قدمت، طعام إلى عبد الرحمن بن عوف، وكان طعاماً طيباً، فبكى، وقال: نخشى أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا. كان السلف يحاسبون أنفسهم، مع أن هذا الأمر حلال، لكن استشعر ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه من الشدة وقلة ذات اليد. وهذا فيه أن المؤمن لا يبالي بإقبال هذه الدنيا أو بإدبارها، لا يبالي، يعبد الله، يستقيم على دين الله، وإن ابتلاه الله عز وجل بشيء من الشدة، فهو يرجو ما عند الله، فهو يرجو ما عند الله. قال عمر رضي الله تعالى عنه: فقلت: يا رسول الله، استغفر، يا رسول الله، استغفر لي، على ما خطأ كلامه، رضي الله عنه، فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر له. قال: فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم من أجل ذلك الحديث، حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهن شهراً، من شدة موجدته