الصحيح المسند من أسباب النزول  39

الصحيح المسند من أسباب النزول 39

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 39، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول آية الزينة وآداب التزين للصلاة

نزلت آية «يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ» لرد عادة الجاهلية في الطواف عراة، فأمرت بستر العورة والتزين عند كل مسجد. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يحرصون على لبس الثياب النظيفة، العمامة، السواك، وتجنب الروائح الكريهة تعظيماً للوقوف بين يدي الله.

أحكام الزينة والستر في الإسلام

الإسلام يبيح الزينة للطاعات والجماعات كصلاة الجمعة والعيد، ويحرم فقط ما ورد فيه نص كذهب الرجال والإسبال ووصل الشعر للنساء. آيتا «خُذُوا زِينَتَكُمْ» و«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ» نزلتا للنهي عن طواف الجاهلية عراة، مؤكدة أن الستر والعفة من نعم الإسلام العظيمة.

أصل الزينة في الإسلام الإباحة وخطر العلم بلا عمل

الأصل في الزينة الحل ما لم يرد نص بتحريمها أو تسبب ضرراً، ويشمل ذلك المكياج والملابس وصبغ الشعر. تحذر الآيات من الانسلاخ عن العلم باتباع الهوى كما فعل بلعم بن باعوراء وأمية بن الصلت، مبينة مصير علماء السوء الذين يعلمون الحق ولا يعملون به.

أمية بن الصلت وموقف العلماء من آيات اتباع الهوى

أمية بن الصلت عرف الحق وآيات المعجزات ولم يسلم، فأنزل الله فيه «أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ». يستدل العلماء كشيخ الوادعي بهذه الآيات للرد على علماء الضلال الذين عرفوا السنة وأصروا على البدع، دون أن يلزم من ذلك تكفيرهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول سورة الأعراف، سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. قال شيخنا رحمه الله: قال الإمام مسلم: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حاء، وحدثني أبو بكر بن نافع، واللفظ له، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافاً تجعله على فرجها؟ وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله، فما بدا منه فلا أحله. فنزلت هذه الآية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. الحديث. عزاه الحافظ ابن كثير إلى النسائي وابن جرير، وهو في ابن جرير، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول. معنى هذا الحديث: أن أهل الجاهلية قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام لهم عبادات من بقايا دين إبراهيم عليه السلام، ومن ذلك تعظيم الكعبة والطواف بها، ولكن كان عندهم اعتقادات فاسدة. فمن تلك الاعتقادات: كانوا يعتقدون أن أحدهم إذا أراد أن يطوف بالبيت فلا يطوف في ثياب عصى الله فيها، كانوا يرون أنه لا يطوف بالبيت في ثياب عصى الله فيها. وكانت هناك ثياب تجعلها قريش لمن أراد أن يطوف، فيخلع ثيابه ويلبس هذه الثياب. ولكن لقلة هذه الثياب وكثرة الطائفين، ربما ما يجد الطائف ما يلبسه من تلك الثياب التي يزعمون أنها طاهرة نقية، فاضطُر أحدهم أن يطوف بالبيت عرياناً دون ثياب كما خلقه ربه، الرجال والنساء. وهذا من الجاهلية، من الجاهلية. فكانت المرأة تريد هذه الثياب فلا تجد، فتقول: من يعيرني تطوافاً تجعله على فرجها؟ فلا تجد، فتطوف عريانة، وتقول: هذا البيت الذي فيه... أنها تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله. يعني: أحياناً تجد فقط ما تستر به سوأتها المغلظة، وأحياناً ما تجد حتى سوأتها المغلظة، تكون مكشوفة. فهذا معنى قولها: "اليوم يبدو"، يعني: يظهر بعضه أو كله. ثم تقول: "فما بدا منه فلا أحله"، يعني: تعظيماً لهذا البيت، لا يحل لأحد أن ينظر أو أن يلمس أو يقرب، فما بدا منه فلا أحله، وليس بحلال، ليس بحلال. فنزلت هذه الآية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. فالمُراد بالزينة: ستر العورة، بل كل ما يعمه لفظ الزينة، كل ما يعمه لفظ الزينة. فلذلك جاء في السنة أن المصلي إذا أراد أن يقابل ربه بالصلاة، أن يدخل إلى الصلاة في أحسن وأجمل زينة. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر، يأمر الصحابة بأن لا يصلي أحدهم في ثوب واحد، لأن هذا نقص في الزينة، نقص في ماذا؟ في الزينة. ونهى كذلك أن يصلي المصلي وهو كاشف العاتقين، ليس عليهما شيء، وهذا أيضاً من الزينة. وأيضاً كان عليه الصلاة والسلام إذا توضأ، وكذلك دخل في الصلاة، يستاك، وهذا من الزينة، هذا أيضاً من الزينة. وكان يلبس العمامة وهو في الصلاة، وهذا أيضاً من الزينة. فينبغي للمسلم إذا أتى المسجد أو وقف بين يدي الله مصلياً أن يلبس أحسن وأجمل ما يملك. ولذلك من الأخطاء التي يقع فيها كثير من المصلين: أنه يأتي إلى المسجد بأي ثياب، ربما أتى إلى المسجد بثياب النوم، الثياب التي ينام فيها، يأتي ويصلي، هذا خطأ. أو الثياب التي يعمل فيها الأعمال الشاقة، يأتي ويصلي فيها. لا، اجعل لك ثياباً للصلاة خاصة، وللعمل ثياباً أخرى. وهذا من امتثال قول الله عز وجل: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. أنت الآن في هذه الصلاة تقابل رب العالمين. أرأيت لو قيل لك، ولله المثل الأعلى: غداً يريدك الرئيس أو الوزير أو المدير، كيف ستقابله؟ هل تأتي بثياب النوم عنده؟ ها؟ هل ستأتي بثياب المتسخة، ثياب العمل، أو ستأتي بأحسن وأجمل زينة؟ لا شك الثاني. وهكذا في الصلاة: تحرص على أن تأتي إلى الصلاة وأنت على أحسن هيئة. ولذلك جاء عنه عليه الصلاة والسلام أيضاً: إخراج من وجد فيه رائحة كريهة، وهذا من آفات الزينة. وهكذا نهي أن يأتي المصلي إلى المسجد وقد أكل ثوماً أو بصلاً: «من أكل الثوم أو البصل فلا يقربن مصلانا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم». وهذا كان فهم السلف وفعل الصحابة. فقد ثبت عن نافع مولى ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي في ثوب واحد، وأنا أصلي في ثوب واحد، يعني: إزار يلبسه ويضعه فوق سرته ويصلي على هذه الهيئة. فقال له ابن عمر: «ألم أكسك؟» يعني: ألم أشترِ لك ثياباً حتى تصلي في ثوب واحد؟ قال نافع: قال نافع: قلت: بلى. فقال له ابن عمر: «فلو بعتك كنت تذهب هكذا؟» يعني: تذهب إلى سيدك وأنت على هذه الهيئة، أو أنك تتجمل وتتزين حتى تظهر بأحسن مظهر؟ قال: قلت: لا، لا أذهب بهذه الهيئة. فقال له ابن عمر: «فالله أحق أن يتزين له، فالله أحق أن يتزين له». حسّنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فإذن ينبغي للمسلم أن يأتي إلى الصلاة وهو في أحسن هيئة، يلبس الثياب النظيفة والكاملة التي تستر جميع جسده، يعني: من الثياب المعروفة التي تلبس. وهكذا يحرص على لبس العمامة، فإنها من الزينة. لبس العمامة خصوصاً في الصلاة من تمام الزينة، من تمام الزينة، إلا إذا لبسها يقلل من الخشوع في الصلاة لشدة حر أو لوجود حكة أو نحو ذلك، فالخشوع أولى من الحرص على هذه الزينة، الزينة. لكن إذا لم يوجد شيء من ذلك، فاحرص أن تصلي وأنت مستور الرأس بعمامة أو قلنسوة أو نحو ذلك. هذا أيضاً من الزينة، وهذا كان يحث عليه العلماء. فالعمامة عادة كانت عليها العرب، فأقرها الإسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يلبس العمامة كما جاء في كثير من الأحاديث، وكانت عليه عمامة سوداء، وهذا الغالب في فعله. ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ذات مرة خرج وحاسر الرأس لشدة حر، فهذا لا بأس، شدة حر أو نحو ذلك، تجعل العمامة على كتفك أو على ظهرك. ليس معناها واجبة لا تفارقها، لا، عند الحاجة إلى مفارقتها: عند النوم، عند الحر، عند الجلوس في بيتك. لكن تلبسها عند مقابلة الناس أو عند الصلاة والوقوف بين يدي الله، تحرص على ذلك. فهذا أيضاً من الزينة، هذا أيضاً من الزينة. وهكذا لا تصلي في فلينة داخلية، هذا أيضاً من عدم التزين، من عدم التزين. فلينة الداخلية: هذا إنما يجلس فيها في البيت أو ينام فيها أو نحو ذلك. أما عند التزين، فإنه يلبس عليها شيئاً كقميص أو هذه العادة الموجودة عندنا مما يسمى بالشميز ونحو ذلك. فهذا أيضاً من الزينة. فالمهم: أن المسلم إذا أتى إلى الصلاة وإلى المسجد يحرص على التزين ما استطاع. ولذلك كان من سنة النبي عليه الصلاة والسلام التزين يوم الجمعة، لماذا؟ لأن المسلم يخرج من بيته إلى المسجد، ويكون هناك جمع في هذا المسجد. فلذلك استحب الإسلام أن المسلم عند الجمع ومخالطة الناس أن يكون على أحسن هيئة وأحسن زينة. لذلك من السنة التجمّل يوم الجمعة، وكذلك يوم العيد. وهذا من فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا دليل على أن الإسلام دين الجمال، ودين كذلك التزين. كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال». لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقال رجل: يا رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس». هذا هو الكبر، ليس الكبر أن تظهر نعمة الله عز وجل عليك بالثوب الحسن والطيب الحسن. وأنا رأيت عادة طيبة عندكم هنا: وجود الطيب في المسجد. هذه عادة طيبة، وهي من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فجاء في حديث عائشة، وعند الترمذي، ويحسّنه العلامة الألباني: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بتطييب المساجد، بتطييب المساجد، ووجود الطيب، ووجود كذلك الدخنة في المساجد. هذا أمر طيب، وهو من الجمال الذي يحبه الله. فدخول المسلم إلى الصلاة وهو متطيب، وهو متزين، وهو كذلك في الثياب النظيفة، هذا أمر رغب فيه الإسلام. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وفي هذا الحديث: ما عليه أهل الجاهلية من فحش وقلة حياء. فأكرم الله عز وجل أهل الإسلام بهذا الإسلام العظيم الذي دعا إلى الطهر وإلى العفة وإلى الستر. فجعل المرأة كلها عورة، حتى شيء من كفيها أو وجهها لا يجوز لها أن تظهره أمام الأجانب. ليس مثل أهل الجاهلية اليوم: يبدون بعضها وكلهم. لكن هذا ما يجوز لها أن تبدي شيئاً أبداً، كما جاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي: «المرأة عورة». حديث عام، لم يستثنِ النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً. وأما حديث أسماء: استثناء الوجه والكفين، فهو حديث ضعيف لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفعل الصحابيات يدل على ذلك. فما في حديث عائشة في الحج: «كنا نكشف وجوهنا، فإذا رأينا الرجال أسدلنا»، يعني: غطينا وجوههم أو وجوهنا. فهذا مما أكرم الله عز وجل به أهل الإسلام. السوءة المغلظة لا يجوز للمسلم أن يبديها إلا لزوجته أو ما ملكت يمينه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «استر عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك». فلا يجوز أن تبديها لا لأخيك، ولا لعمك، ولا لأمك، ولا لأبيك. ولا هذه السوءة المحرمة المغلظة. فهذا إكرام حتى يبقى الطهر ويبقى العفاف بين أهل الإسلام. فلا يظنّن أن تبرج المرأة: تقدم حضارة، بل هو رجعية وتقهقر وتخلف، لأن منه البلاء، والعياذ بالله. فليفهم هذا، فيحمد الله المسلم على ما منّ به عليه من نعمة الستر، ونعمة الحياء والعفة والطهر، رجالاً ونساءً. ثم قال الشيخ: وأخرجه الحاكم من طريق شعبة به، وفيه: نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية. ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وسكت عليه الذهبي. فلعل الآيتين نزلتا معاً لهذا السبب، والله أعلم. يعني: أن طواف المرأة عريانة من غير ثياب، هذا السبب نزلت فيه آيتان. الآية الأولى المتقدمة: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، ولا تطوفوا بالبيت وأنتم عراة. واضح. والسبب الثاني: يعني هذا السبب نفسه نزل في آية أخرى، ﴿وَقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِلْعِبَادِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. يعني: من حرم عليكم أن يطوف الطائف في ثياب عصى الله فيها، فإن هذا كان اعتقادهم. لماذا يطوفون عراة؟ قالوا: هذه الثياب عصينا الله بها، وهذا بيت معظّم، لا ينبغي أن يكون فيه شيء عصي الله به. هذا كان اعتقادهم، وهذا اعتقادهم باطل. فمن حرم الطواف في ثياب عصي الله فيها، ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يعني: أن هذه الطيبات، لما يعبد المسلم ربه بها ويشكر الله عز وجل، فإنه يوم القيامة ينعم عليه بما هو أعظم من هذه النعم. ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يتمتع بها في يوم القيامة. وأما الكافر، فإنه لا ينالها في يوم القيامة، ولا يتمتع بها، ولا يتمتع بها. فمن حرم زينة الله... هذا من نوادر أسباب النزول: أن سبب نزول واحد يأتي في آيتين، عكس ما تقدم معنا. وهذا كثير: أن تكون آية واحدة لها أكثر من سبب. هذا العكس: أن يكون سبب واحد له أكثر من آية، أكثر من آية. فهذا السبب، وهو طواف المرأة عريانة في الجاهلية، نزلت فيه آيتان. فهو سبب واحد، ونزلت فيه آيتان: الآية الأولى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، والآية الثانية: وهي أيضاً من سورة الأعراف: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. وهذه الآية أخذ العلماء منها قاعدة فقهية، وهي: أن الأصل في الزينة الحل والإباحة، والإباحة، إلا ما جاء الشرع بتحريمه. الأصل في الزينة الإباحة. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾. فقل ما أخرج الله لعباده من الزينة، فالأصل أنه حلال على بني آدم. فأصل أنه ماذا؟ حلال على بني آدم، إلا ما يتزين... يتزين به الناس، وجاء النص الصريح في الكتاب أو السنة على تحريمه. مثل التزين: تزين الرجال بالذهب. ما يأتي إنسان ويلبس... ويلبس خاتم الذهب، ويقول: الأصل في الزينة الحل. هذا من الزينة. يقول له: نعم، لكن يا... الشرع بتحريم هذا. نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتختم الرجال بالذهب. نص في هذه المسألة. هكذا التزين بالإسبال. الآن بعض الشباب، لما تنصحه في الإسبال، يقول لك: هذا موضة، هذا من الزينة. كيف سول لهم الشيطان... ما هو مثل ما تجعله أنت ساقك... أو لا، لما يكون تحت، يسول لهم الشيطان أن هذا زينة. قل له: نعم، هذه زينة، لكن نهى الشرع عنها: «ما أسفل الكعبين ففي النار». فهذه زينة محرمة. واضح. وهكذا في النساء: تأتي المرأة وتشقر أو تفلج أسنانها، أو كذلك تعمل الحشو في رأسها وتصل الشعر. فنقول لها: هذه زينة، لكنها محرمة، لأن جاء النص بتحريمها. بل لعن من فعلت ذلك. فإذا هذه القاعدة: الأصل... نعم، الشيء مسكوت عنه، نقول: تزين به، سواء كان الرجال أو النساء. وذلك اختلف العلماء في بعض أشياء، بعض ما حولها، مثل: المكياج. هذا للنساء من الزينة. نقول: الأصل فيه الحل، الأصل فيه الحل، إلا ما ظهر من هذا المكياج يخالف قواعد الشرع، كالضرر. فالضرر يزال. فإذا ثبت أن بعض هذه المكياجات تضر، فيكون تحريمها لا لأن زينة محرمة، وإنما للضرر الناتج عنها. وهكذا. فالأصل الحل، الأصل الحل، إلا ما جاء الشرع في التحريم. واضح. وهكذا قل في اللباس. مثلاً: تسأل المرأة: ما حكم لباس المِكْرَع؟ تعرفون المِكْرَع الذي يعني: يكون فقط على الكتف، فيظهر الإبط، ويظهر كذلك المنكب، وربما شيء من الصدر. فنقول: هذا ما يجوز، ما يجوز تزين به. لأن عندنا عورة المرأة أمام المرأة، فهو موضع الزينة. لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾. وموضع الزينة: يعني الموضع الذي توضع عليه الزينة. فالزينة توضع على العَضُد، توضع على شيء من الصدر، لكن ما توضع الزينة على الإبط، أو على الكتف، أو على الثديين. صح؟ فإذا ظهر شيء من ذلك، قال العلماء: هذا لا يجوز أن يتزين به، لا يجوز أن يتزين به. وهكذا قل في الرجال: مثلاً، بعضهم يتزين بصبغ الشعر الأبيض بالأسود. عنده شعر أبيض، يصبغه بالأسود، يقول: هذا من الزينة. يقول: لا، هذا لا يجوز، لأنه جاء النهي عن ذلك. صح. جاء النهي عن ذلك، كان في حديث والد أبي بكر، قحافة، لما جئ به ورأسه كالثغامة. الثغامة: يعني كالشجر الأبيض. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «غيروا هذا، وجنبوه السواد، جنبوه». وجاء حديث آخر أيضاً: أن هذا يقع في آخر الزمان، أنه ناس يصبغون رؤوسهم كحواصر الطير، لا يدخلون الجنة، أو بهذا المعنى. وحديث حسن، حسّنه العلامة الألباني. فمن كان متزيناً بتغيير شيبه، فليكن بغير السواد. وقس على هذا. فهذه قاعدة مهمة تأخذ من هذه الآية: أن الأصل في الزينة الحل، إلا ما جاء الشرع بتحريمه، إلا ما جاء الشرع بتحريمه. قال شيخنا رحمه الله: سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الآية. قال: قال الإمام النسائي رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني يعلى بن عطاء، قال: سمعت نافع بن عاصم يقول: قال عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: «نزلت في أمية». قال: حاء، حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله... عبد الله بن مسعود. قال: وحدثنا عمر بن علي، قال: وحدثنا عمر بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سعيد بن السائب، عن غطيف، عن أبي صخر، عن يعقوب ونافع ابني عاصم، عن عبد الله بن عمر. أولا: معنى الآية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾، يعني: اذكر ذاك الذي علم العلم والحق، ثم انسلخ منها. انظر إلى هذا التعبير القرآني: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. الانسلاخ هو الانخلاع بسرعة. تنسلخ: يعني تخرج بسرعة، ويكون هذا الانخلاع عن تمكن. تقول: انسلخ الجلد من الشاة، يعني: خرج منها، وقد كان لاصقاً فيها. فكان عنده علم. المراد: أن عنده علماً، لكنه لم ينتفع بهذا العلم، فترك هذا العلم ولم يعمل به. ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. يعني: صار صديقاً ومعيناً للشيطان. فالشيطان اتبعه، وهو اتبع الشيطان في انسلاخه من العلم، فكان من الغاوين: يغوي نفسه ويغوي غيره، فهو يضلل الناس. وهذه الآية يستدل بها العلماء على وجود دعاة الضلال والهوى، ومن آثر الدنيا على الآخرة، وعلى العلم فانسلخ منها، فاتبع الشيطان، فكان من الغاوين. ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: متى يرفع الإنسان بالعلم؟ إذا عمل به، إذا عمل به. ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾: بمعنى اغتر بهذه الدنيا وافتتن بها، فآثر الدنيا على الآخرة، فآثر الدنيا على الآخرة. ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: فقدم ما تهواه نفسه على الحق والعلم الذي علمه. فمثله كمثل الكلب: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾. يعني: يجري خلف الدنيا ليل نهار، ولا يلقي للعلم بالاً. هذا هو المعنى الإجمالي بهذه الآية. فهذه الآية جاء في هذا الحديث: حديث عبد الله بن مسعود، وكذلك عبد الله بن عمر، أنه أمية. والمراد بأمية: هو أمية بن الصلت. أمية بن الصلت. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: قال: «يشبهه». يعني: أمية بن الصلت يشبه من قال العلماء: أن هذه الآية في الأصل ذكرت في رجل كان من الأمم السابقة. فقد جاء عن ابن مسعود، وجاء كذلك عن ابن عباس: أن هذا الرجل الذي انسلخ، رجل من بني إسرائيل، يقال له: بلعم بن باعوراء. وقيل: رجل يقال له: صيف بن الراهب. طيب، لماذا جاء في هذا الحديث أنها نزلت في أمية؟ نزلت في أمية، لأن أمية من هذه الأمة، فهو أشبه ذاك الذي من بني إسرائيل، وكان هذا وصفه. ولذلك قال سفيان الثوري رحمه الله: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى». لأن علماء اليهود كانوا عالمين بالتوراة، ولكن لم يعملوا بها، كما قال الله عز وجل حاكياً عنهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. هذا وصف لعلماء الضلال، وعباد الضلال: كانوا يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، مع علمهم بما أنزل على الأنبياء. ولكنه الهوى والخلود إلى الأرض، كما جاء في هذه الآية. فيستدل بهذه الآية على كل من فسد من علماء هذه الأمة. فلذلك قال الحافظ ابن كثير في أمية بن الصلت، الذي جاء في هذا الحديث: أن هذه لا تنزلت فيه، قال: «يشبهه». يعني: يشبه بلعم بن باعوراء، أو صيف بن الراهب. فإنه يعني: أمية بن الصلت كان قد اتصل إليه علم كثير، كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه، لكنه لم ينتفع بعلمه. فإنه أدرك... أي: أمية بن الصلت، فإنه أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته، وظهرت لكل... لكل من له بصيرة. ومع هذا اجتمع به... يعني: أمية اجتمع بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين. يعني: أمية بن الصلت صار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم. قال: «ورث أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة، قبحه الله». يعني: أثنى على من قتل من المشركين في بدر. وكان يجيد الشعر والبلاغة والفصاحة. قال: «وقد جاء في بعض الأخبار أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه». فإن له أشعاراً رائقة وحكماً وفصاحة، ولكنه لم يشرح الله... ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام. انتهى كلام الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله. فهذا هو أمية بن الصلت: علم الحق، وعنده معرفة بالآيات والمعجزات والآثار التي سمعها من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه لم يؤمن، لم يؤمن. وكما ذكر له... يعني: أشعار، حتى في الإسلام، لكنه لم يوفق للإيمان في الإسلام، أو للدخول في الإسلام. وما ذاك إلا لهذا الوصف: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. فإذا هذه الآية... وهذا فيه: أنه يجوز إنزال هذه الآية في من اتصف بشيء من هذه الصفات من علماء الضلال، ولا يلزم من ذلك التكفير. فكان شيخنا الوادعي رحمه الله يستدل بهذه الآية على الرد على علماء الضلال، كالقرضاوي والزنداني، وغير هؤلاء، الذين اتبعوا الشهوات والهوى، وضيّعوا... وبين لهم الحق وعلموا السنة، ولكنهم أصروا على هذه البدع والضلالات. فكان كثيراً ما يستدل بمثل هذه الآية، وغيرها من الآيات، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فلاجتماع هذه الأوصاف، يجوز الاستدلال بمثل هذه الآيات، ولا يلزم منها تكفير من... يعني: ذكرت في حقه مثل هذه الآيات. والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله.