الصحيح المسند من أسباب النزول  86

الصحيح المسند من أسباب النزول 86

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 86، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

صلح الحديبية وشرط رد الرجال وقصة أبي بصير

يتناول المقطع سياق صلح الحديبية وشرط رد الرجال المسلمين إلى قريش، ويسرد قصة أبي بصير رضي الله عنه في فراره إلى المدينة ورد النبي صلى الله عليه وسلم له التزاماً بالصلح، ثم قتله لمرافقه وهروبه، مع بيان موقف النبي صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله: "ويل أمه مسعر حرب".

تكوين الجماعة واعتراض القوافل ونزول آيات الممتحنة

يشرح المقطع كيف فهم أبو بصير من تلميح النبي صلى الله عليه وسلم الانطلاق إلى ساحل البحر، فلحق به أبو جندل ومن أسلم، فاعترضوا قوافل قريش حتى طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم استلامهم وإلغاء شرط الرد، فنزلت آيات سورة الممتحنة في النساء المؤمنات المهاجرات مستثنيات من الشرط، وآية ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾، مع الرد على استدلال الخوارج بهذه القصة.

الفوائد الفقهية المستنبطة من القصة والصلح

يستعرض المقطع جملة من الأحكام والفوائد الفقهية، منها: حرمة بقاء المسلمة تحت مشرك وطلاق عمر لزوجتيه، وجواز قتل المعتدي غيلة، وعدم رد المستضعف إلا بطلب المشركين، وتحديد ميقات ذي الحليفة، وتفضيل الحلق على التقصير، وأحكام الإحصار، ومشروعية العيون والخدعة في الحرب، وآداب التابع مع المتبوع.

دروس منهجية: مكانة العلماء وقاعدة درء المفاسد

يؤكد المقطع على دور العلماء في كشف الفتن ووجوب الرد إليهم، ويستخلص من الصلح جواز الأخذ بخبر الكافر إذا قامت قرينة صدقه كما فعل النبي مع الخزاعي، ويُطبّق على قبول شهادة الطبيب الأمين، ويبرز قاعدة درء أعلى المفسدتين بأدناها متخذاً من شرط رد المسلم للمشركين مثالاً على ارتكاب مفسدة صغرى لدفع مفسدة كبرى كاستباحة الحرم وسفك الدماء.

التفريغ النصي الكامل

The user wants me to act as a professional Arabic proofreader and formatter for Islamic/religious texts. I need to correct errors, add proper punctuation, format into paragraphs, handle Quranic verses and Hadiths with specific formatting, and maintain the classical scholarly style. No diacritics (tashkeel), no additions, no deletions, no introductory/closing remarks. Just the corrected text. Let me process the input text step by step. Input text analysis: - It's a transcript of a lesson/commentary on the Treaty of Hudaybiyyah, specifically focusing on the story of Abu Basir and the verses of Surah Al-Mumtahanah. - Contains Quranic verses (need ﴿ ﴾). - Contains Hadith/narrations (need « »). - Many run-on sentences, missing punctuation, repetition, transcription errors (e.g., "يَا أَيُّعَ" instead of "يَا أَيُّهَا", "علال" instead of "آله", "جمز" instead of "جمز/هرول", "الصفا والمروة" written as "الصفة والمروة", "العير" vs "القافلة", etc.). - Needs paragraph breaks by topic. Plan: 1. Read through the whole text to understand structure. 2. Segment into logical paragraphs: - Introduction/Hamdalah + Sheikh's intro. - Text of the narration (Hadith of Hudaybiyyah/Abu Basir). - Commentary on the women believers verse (Al-Mumtahanah). - Commentary on Abu Basir story details. - Commentary on "Wail ummah" phrase. - Commentary on Abu Jandal joining Abu Basir. - Refutation of Khawarij misuse of this story. - Conclusion of the story (Quraysh asking Prophet to take them back). - Tafsir of verse "Wa huwa alladhi kaffa..." and discussion on reason of revelation (Ibn Hajar/Al-Wadi'i). - Benefits/Fawa'id extracted from the story (multiple points: killing harbi treacherously, not returning unless asked, miqat, halq vs taqsir, hady for muhsar, espionage, obedience to leader, trusting kafir informant, dar' al-mafasid, examples from Ibn Abbas/Aisha, da'wah wisdom). - Closing reference to Zad al-Ma'ad. 3. Correct obvious typos (e.g., يَا أَيُّعَ -> يَا أَيُّهَا, علال -> وآله, الصفة -> الصفا, جمز -> جمز/هرول - keep as in text but punctuate, سيف البحر -> ساحل البحر explanation). 4. Add punctuation: periods, commas, colons for quotes. 5. Format Quran: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ حَتَّى بَلَغَ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾ (approx). The text says "حتى بلغ بعصم الكوافر". I will put the quoted part in ﴿ ﴾. 6. Format Hadith/sayings in « ». 7. Ensure no Tashkeel. 8. No markdown, just plain text paragraphs separated by blank lines. Let's start drafting the corrected text mentally. Paragraph 1: Hamdalah + Intro. "الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال شيخنا رحمه الله فيما ذكره في كتابه الصحيح المسند من أسباب النزول، وفي ذكره لحديث صلح الحديبية: قال: ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ﴾ حتى بلغ ﴿ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾. فطلق عمر يومئذ امرأتين كانت له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى رجلين، فخرجا به حتى بلغ ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه به، فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا الرجل ذعرا. فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله، والله قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه، مسعر حرب، لو كان له أحد - أو: مسعر حرب لو كان له أحد، سيأتي معنا ضبطه." Paragraph 2: Continuation of narration. "قال: قال: فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل ابن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة - أو: عصابة. فوالله ما يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت - فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم، لما أرسل - فمن آتاه فهو آمن. فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليهم. فأنزل الله تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ حتى بلغ ﴿ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾. وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. الحديث أخرجه عبد الرزاق، وأحمد، وابن جريج." Paragraph 3: Commentary on women believers. "طيب، نأخذ تفسير ومعاني وفوائد هذا الجزء من هذا الحديث. قال: ثم جاءه نسوة مؤمنات، يعني: من كن في مكة، فأسلمن، فجئن مسلمات مهاجرات، مهاجرات إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وظاهر هذه الرواية أنهن جئن إليه وهو بالحديبية، أنهن هؤلاء النسوة جئن إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو بالحديبية، وليس الأمر كذلك، وإنما جئن إليه - يعني: جئن إليه في أثناء المدة، وبعد ذهابه إلى المدينة، وبعد ذهابه إلى المدينة. وإنما ذكر في هذا الحديث هذا من باب - يعني: ما ورد فيما وقع أثناء مدة الصلح، ففي أثناء مدة الصلح جاء نساء، أو جاء نساء مؤمنات مهاجرات. وهذا فيه أن الشرط - الشرط: أن من جاءه مسلما إنما هو من المقاتلة من الرجال، أما النساء فمستثنيات من الشرط الذي ورد في الصلح، أنه جاء في بند من بنود هذا الصلح: أن من جاء من مكة مسلما إلى النبي عليه الصلاة والسلام يرده إليهم، يرده إليهم. ثم قال: فأنزل الله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ﴾، يعني: اسألوهن واختبروهن، هل هن حقا مسلمات؟ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم، ولا هم يحلون لهن. نعم، لأنه لا يجوز لكافر مهما كانت ديانته أن يتزوج بمسلمة أبدا، لا يجوز ذلك. فطالما أن هذه المرأة قد أسلمت، فلا يجوز أن ترد إلى زوجها المشرك الكافر. وهكذا المسلم لا يجوز له أن تبقى في عصمته امرأة كافرة مشركة، وإنما استثنى الله عز وجل وأجاز للرجال أن يتزوجوا بالكتابيات، بالكتابيات من أهل الكتاب، أما المشركة الكافرة التي لا تدين بكتاب، فلا يجوز لمسلم أن يتزوجها. لذلك قال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿ وَلَا تَمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾، كوافر: جمع كافرة، فلا تمسكوا بعصم الكوافر، يعني: لا يكون هؤلاء النساء أزواجا لكم، أزواجا لكم. ولذلك جاء: فطلق عمر يومئذ امرأتين كانت له في الشرك، يعني: كانتا مشركتين، فطلقهما عمر، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَلَا تَمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾. فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، وكان كافرا، والأخرى صفوان بن أمية." Paragraph 4: Return to Medina and Abu Basir details. "قال: ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. انتهى من صلحه، ومن تحلله، وذبح هديه، فرجع إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، وأبو بصير رجل من حلفاء قريش، واسمه - واسمه عتبة بن أسيد، اسمه عتبة بن أسيد، ويكنى بأبي بصير، رضي الله تعالى عنه. فجاء وهو مسلم، فر وخلص من الكفار، فجاء إلى المدينة مسلما. قال: فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. لأن من بنود الصلح: أن من جاءه مسلما يرده إلى مكة إلى المشركين. وهذا جاءه هاربا، قد رد عليه الصلاة والسلام وهو في الحديبة، وعند كتابة الصلح: من أبو جندل؟ ها، رد أبو جندل، وها هو الآن يأتي أبو بصير، فيأتي الكفار يطالبون به وفاء بما جاء في الصلح، في الصلح. قال: فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى رجلين. وفي رواية ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بصير، إن هؤلاء القوم صالحون على ما علمت، وإنا لا نغدر. يعني: قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بصير كالمعتذر له أن يبقى معه. فقال أبو بصير للنبي عليه الصلاة والسلام: أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني ويعذبونني؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا. اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا. قال: فدفعه إلى رجلين، أعطاهم - أعطاهم، أو أعطاه هذين الرجلين. قال: فخرجا به من المدينة إلى مكة راجعين به، حتى بلغ ذا الحليفة، يعني: ميقات أهل المدينة، وهي تبعد قليلا من المدينة، هي أقرب إلى المدينة، تبعد قليلا من المدينة. فنزلوا يأكلون من تمر لهم، يعني: نزلوا يأكلون تمرا، وأبو بصير معهم مأسور معهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا. قال له: ما شاء الله، هذا السيف سيف جيد، سيف طيب. قال: فاستله الآخر، استله: أي صاحب السيف، يعني: أخرجه من غمده، أخرجه من مكانه. قال: فقال: أجل والله إنه لجيد، إن شاء الله، أصابه شيء من الفخر، أصابه شيء من الفخر. نعم، ما شاء الله، أنا هذا السيف جيد، لقد جربت به ثم جربت، يعني: قد قاتلت به وفعلت به، فهو جيد. فقال أبو بصير لهذا الرجل: أرني أنظر إليه، طالما أنه جيد، أعطيني إياه حتى أنظر إليه، وأنظر من - يعني: قوته، وكذلك من حسن حده ونحو ذلك. قال: فأمكنه به، يعني: دفع هذا الرجل، فضربه حتى برد. ومعنى: فضربه حتى برد، يعني: حتى خمدت حواسه، حتى خمدت حواسه، وهي كناية عن الموت، أي: قتله، لأن الميت تسكن حركته إذا مات، ما يتحرك. فمعنى برد: يعني: خمدت حواسه، فمات. فلما رأى ذلك الآخر هرب، وفر الآخر هرب يجري حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، دخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا الرجل زعرا. ومعنى زعرا: يعني: خوفا وفزعا، لما - لما رأى من حاله، لما رأى من حاله. وإذ ذلك قال: فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول - أي: إن لم تردوه عني سيقتلني. وجاءت رواية فيها: وجمز الآخر، يعني: هرب، وأتبعه أبو بصير حتى دفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، يعني: جرى خلفه أبو بصير حتى جاء إلى النبي عليه وسلم، وهو عاد على أسفل ثوبه، ووضع أسفل ثوبه في ثمه، وهذه علامة من يسرع في الجري حتى لا يسقطه الثوب، يأخذ طرف ثوبه ويمشي، نحن نقول: يشمر، يشمر ويجري. فهذا الرجل جاء في الرواية أنه جاء وهو عاد على أسفل ثوبه، وقد بدا طرف ذكره، يعني: من شدة رفع الثوب بدا شيء من ذكره. قال: والحصى يطير من تحت قدميه، من شدة الجري، يفرفر بالحصى، مثل السيارة ما شاء الله، يفرفر بالحصى، وأبو بصير يتبعه، أبو بصير يجري حلفه، حتى وصل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله، والله قد أوفى الله ذمتك، والله أنت ما عليك حرج الآن، وما عليك معاتبة، لأنك قد رددتني إليهم، فخلصت منهم، فقد أوفى الله ذمتك، ما عليك الآن غدر ولا شيء، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم. فقوله: قد والله أوفى الله ذمتك، أي: فليس عليك منهم عقاب فيما صنعت، أنا الذي صنعت هذا، فليس عليك شيء، فإذا لي الحق أن أجلس معكم، وأن أكون مع المسلمين. ولذلك ذكر الحافظ أنه يستفاد من هذا: أن للمسلم الذي يجيء من دار الحرب في زمن الهدنة، قتل من جاء في طلب رده، يجوز له أن يقتل من رده. لماذا؟ لأن هذا الرجل ليس داخل في الصلح، ليس داخلا في الصلح، فهو باعتباره ليس من - من هو مع المسلمين، هو الآن في المدينة، هو الآن في مكة، وإن جاء مسلما، لكن لا يعد منهم في المدينة، لماذا؟ لأن من شرط هذا الصلح: أن يرد إلى المشركين، أن يرد إلى المشركين. ولذلك قالوا: لم ينكر النبي عليه الصلاة والسلام على أبي بصير قتله الرجل، ولا أمر فيه بديّة ولا شيء، فدل ذلك على أن فعل أبي بصير فعل ليس فيه غدر، وليس فيه مخالفة، لأنه ليس بداخل في الصلح، ليس بداخل في الصلح. وهكذا فيما سيأتي: المسلمون الذين اجتمعوا في سيف البحر، أيضا ليس عليهم جناح، وفعلهم فعل أقره النبي عليه الصلاة والسلام، لأنهم ليسوا بداخلين في الصلح، ليسوا بداخلين في الصلح. هكذا ذكر الحافظ رحمه الله تعالى." Paragraph 5: "Wail ummah" commentary. "ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ويل أمه، مسعر حرب. قالوا: مسعر بالفتح، فتح الراء وكسر الميم، مسعر حرب. وعرب: مسعر، يعني: حال - حال لأبي بصير، يعني: كون حاله مسعر حرب. ومعنى مسعر: يعني: مشعل، مشعل حرب، فوصفه بصفة الإقدام في الحرب، والتسعير لنارها، والتسعير - والتسعير لنارها. قال العلماء: وهذا فيه تلميح من النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بصير، لأبي بصير، أن يذهب، ويكون له جماعة، ويحارب، ويحارب المشركين، لأنه قال: ويل أمه، مسعر حرب، لو كان له أحد، يعني: كأنه يقول لأبي بصير: اجعل لك أناسا وجماعة وعصابة، ها، ثم واجه الكفار، ولا تأتوا إلينا، لكنه بأسلوب ما فيه تصريح، ها، ما فيه تصريح. وأما قولهم: ويل أمه، هذه كلمة يطلقها العرب، أو يطلقها العرب من باب الذم، فهي كلمة ذم تقولها العرب، ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم، ما يقصدون، لأن الويل بمعنى الهلاك، بل قد يطلقونها ويريدون بها المدح. قال العلماء: كما في هذا الموضع، ويل أمه، كلمة اعتاد عليها العرب، فلا يراد معناها وحقيقتها، لا يراد معناها وحقيقتها. فهذا كما ذكرنا: فيه إشارة إلى أن لأبي بصير أن يذهب، ويكون له عصابة وجماعة، ويشعلون حربا مع المشركين، يشعلون حربا مع المشركين. وهذا ما فعله أبو بصير، وهذا ما فعله أبو بصير. قال: فلما سمع ذلك - وأما قوله: لو كان له أحد، يعني: لو كان له أحد ينصره ويناصره، ويناصره. فكما تقدم: أن هذا فيه إشارة إلى أن - أن أبو بصير يهرب ويفر، لأن لا يرده إلى المشركين، لأنه لو بقي مع النبي عليه الصلاة والسلام لرده إلى المشركين، بحسب ماذا؟ بحسب الصلح الذي كتبه مع المشركين. فهذا فيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من أبي بصير أن يفر، وأن يكون له أنصار ينصرونه ويعاضدونه، ويشعلون حربا مع المشركين، ويشعلون حربا مع المشركين. قال: فلما قال - فلما سمع ذلك، أي: أبو بصير، عرف أنه سيرده إليهم إذا بقي في المدينة عند النبي صلى الله عليه وسلم، سيرده النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه مقيد بشروط الصلح. قال: فخرج، أي: أبو بصير، حتى أتى سيف البحر، سيف: بالكسر، أي: ساحل البحر، وهذه الكلمة حتى موجودة عند عامة الناس اليوم، يقول لك: تخرج سيف، هذا موجود عند أصحاب الشعر، واللي بتخرج السيف، السيف ما يريدون، بساحل، ساحل البحر، ساحل البحر. فخرج حتى أتى سيف البحر، أي: ساحل البحر." Paragraph 6: Abu Jandal and the group. "قال: وينفلت منهم أبو جندل، أبو جندل قد مر معنا أنه رد، لما جاء مكبلا مقيدا في رجليه، عند كتابة الصلح، فأبى سهيل بن عمرو، والده، إلا أن يرد، فرد إلى مكة، فهرب مرة أخرى، حتى لحق بأبي بصير. قال: وينفلت منهم أبو جندل ابن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، كل من أسلم في مكة، وهرب من المشركين، وجد له مأوى، وهو ماذا؟ وهو جماعة أبي بصير، جماعة أبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، يعني: جماعة، جماعة. قال: فوالله ما يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم. والعير: هي القافلة، ومعنى اعترضوا لهم: أي: وقفوا في طريقها بالعرض، كناية عن منعهم لها من السير. اعترضوا لها. وللأسف أن بعض الفرق الضالة في هذا الزمان تستدل بهذا الفعل على جواز قتل المسلمين وأخذ أموالهم، وكذلك تفجير أجسادهم، وهم جماعة الخوارج، من القاعدة، أو الدواعش، أو نحو ذلك، بل بعضهم يسمي كتيبة، كتيبة أبي بصير، يريدون من ورد في هذا الحديث، ويستدلون بهذا الحديث. قال: انظروا كيف هذه عصابة اجتمعت، واعترضت لأعداء الرسول عليه الصلاة والسلام، وهم كفار قريش. وهذا استدلال ليس في محله، استدلال بعيد جدا. لماذا؟ لأن أبا بصير ومن معه اعترضوا للكفار، اعترضوا للكفار، وأذلوهم، والمصلحة متحققة في أخذ أموال هؤلاء الكفار وقتلهم. أما هؤلاء فيقتلون من - يفجر نقطة عسكرية، عنده القرآن، وقد صلى الفجر، هذا مشرك، هذا كافر، حتى تستحل دمه، حتى تقتله، فرق بعيد بين هذه القصة، وبين ما يفعلون. يجلسون في الجبال، ويكونون جماعة، ثم يخرجون يقتلون أهل الإسلام، ألا ذهبتم إلى اليهود تقتلون فيهم؟ ألا ذهبتم إلى الروافض الذين يبغضون السنة وأهل السنة، ويقاتلون في سبيل الشيطان؟ لماذا تقتلون أهل الإسلام؟ هذه شبهة ضعيفة، وليس لهم مأخذ ولا وجه في استدلالهم بهذه القصة. لأن أبا بصير ومن معه لا يستطيعون اللحاق بإمام المسلمين، لوجود الشرط بينه وبين الكفار، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام كأنه لمح لهم بفعل هذا، في قوله: ويل أمه، مسعر حرب، لو كان له أحد. فلما وجد له من الأنصار والأتباع، وكان فعلهم فيه إذلال، وفيه تحقيق لمصلحة عظيمة، كان فعله ذلك محمودا. بخلاف هؤلاء الخوارج. ولذلك جاء في هذا الحديث: قال: فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم، يعني: تأذوا من فعل أبي بصير وعصابته، تأذوا من ذلك، فلذلك ناشدوا النبي عليه الصلاة والسلام، فجاءوا وقالوا: فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم، لما أرسل - يعني: أرسل إلى هؤلاء، كتب إليهم، كتب إليهم أن يكفوا عن هذا الفعل. ثم قالوا: فمن أتى فهو آمن، يعني: راجعوا عن الشرط، فقالوا: من أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام فهو آمن، ويبقى مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يؤذينا، ويتقطع ويقتل فينا. وفي رواية: أن أبا بصير لما جاءه الكتاب، لأنه قال: فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه، فأبو بصير رضي الله عنه، لما أتاه الكتاب، مات رضي الله عنه وأرضاه، وهو يقرأ الكتاب، جاءه الأجل. فجاء أبو جندل ومن معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، فبقي أبو جندل إلى خلافة عمر رضي الله عنه، فاستشهد في خلافة عمر بن الخطاب. ففرج الله عز وجل عن هؤلاء، كما قال النبي عليه صلى الله عليه وسلم لأبي بصير: فإن الله سيجعل لك فرجا ومخرجا، فجاء الفرج، إن كان أبو بصير قد توفي، لكن توفي على الإسلام، وهذه كرامة، وبقية من كانوا معه، فرج الله عنهم، فالتحقوا بالنبي عليه الصلاة والسلام." Paragraph 7: Verse "Wa huwa alladhi kaffa..." and Ibn Hajar's view. "فأنزل الله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾. الحافظ، الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، قال في شرحه لهذا الحديث: وظاهره - ظاهر هذا الحديث أنها نزلت في شأن أبي بصير، هذه الآية: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾. قال: وفيه نظر، يعني: ارتضى الحافظ أن تكون هذه الآية نزلت في أبي بصير ومن معه. قال: والمشهور في سبب نزولها ما أخرجه مسلم عن أنس، ثم ذكر الحديث الذي سيأتي معنا إن شاء الله بعد هذا الحديث، وأنه هو السبب في نزول هذه الآية. وشيخنا الوادعي رحمه الله، في آخر هذه السورة، في ذكر أسباب نزولها، ونزول بعض الآيات منها، كذلك أيد كلام الحافظ، فقال شيخنا: ويؤيد ما قاله الحافظ رحمه الله، أن في الآية: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾، ببطن مكة، وأبو بصير وجماعته لم يكونوا ببطن مكة، إنما هم خرجوا إلى سيف البحر، سيف البحر ليس في مكة، بعيد منها، بعيد من مكة. فالأقرب، والله أعلم، أن هذه الآية لم تنزل في أبي بصير وجماعته، إنما نزلت كما سيأتي في جماعة آخرين، منهم ثمانون رجلا من أهل مكة، أرادوا الإغارة على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وهم في الحديبية، فتفطن المسلمون لذلك، فقبضوا عليهم، ثم فكوا سراحهم، كما - كما سيأتي معنا في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه." Paragraph 8: Benefits/Fawa'id. "وهذا الحديث، أولا: قصة أبي بصير، فيها فوائد، نبه إلى بعضها الحافظ ابن حجر رحمه الله. فمن فوائد قصة أبي بصير: جواز قتل المشرك المعتدي غيلة، يعني: بدون مواجهة، وإنما غدرا، غيلة: بمعنى غدرا، لأن أبا بصير أخذ السيف، وأوهمهم أنه سينظر إلى قوة وحسن هذا السيف، فقتل به صاحبه، فلا يكون ذلك غدرا منه، لأنه يجوز قتل المعتدي المشرك، اعتدوا عليه، وأرادوا منعه من الالتحاق بأهل الإسلام، وهو ليس عليه شيء، لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة، ولذلك لم ينكر النبي عليه الصلاة والسلام عليه، ولم يجعل فيما فعل فدية، ولا كذلك دية، ولا شيء من ذلك. وفي قصة أبي بصير كذلك من الفوائد: فيه أنه كان عليه الصلاة والسلام لا يرد على المشركين من جاء منهم إلا بطلب منهم، يعني: إذا جاء مشرك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء، ويقول له: لا، نحن بيننا عهد، ارجع، لا يرد، إلا إذا طالب به المشركون، رده إليه. فأبو جندل طالب به أبوه، فرده، وأبو بصير أرسل المشركون له برجلين، فرده النبي عليه الصلاة والسلام. ففي هذه المسألة: أن لا يرد على المشركين من جاء منهم إلا بطلب منهم، في حال الصلح والمعاقدة، والمعاقدة. ومرت معنا فوائد كثيرة في هذا الصلح، كلما قرأنا جزءا من هذا الصلح، قرأنا بعض فوائده، وهناك فوائد أخرى لعلها لم تذكر، منها بعض الفوائد التي تتعلق بالمناسك، تتعلق بالمناسك، ففي هذا الحديث المناسك، بمعنى: الحج أو العمرة. ففي هذا الحديث: أن ذا الحليفة ميقات أهل المدينة للحاج والمعتمر، أنه جاء في هذا الحديث أنه لما جاء ذا الحليفة، أهل بالعمرة عليه الصلاة والسلام. وجاءت رواية، لعلها ما ذكرت في هذا الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق الصحابة، دعا للمحلقين ثلاثا، ودعا للمقصرين مرة واحدة، فدل ذلك على أن الحلق أفضل من التقصير، الحلق أفضل من التقصير، خصوصا إذا كان هناك فترة ينبت فيها الشعر بين العمرة والحج، أما إذا كان الوقت ضيقا، كأن ذهب المعتمر وهو متمتع، ولم يبق من الحج إلا فترة يسيرة، أيام قليلة، فهنا الأفضل له أن يقصر في عمرته، حتى إذا جاء الحج، وطاف طواف الإفاضة، وسعى بين الصفا والمروة، حلق رأسه، لأنه إذا حلق في العمرة، ما سيجد ما يحلقه في الحج، سيكون أصلع، فهكذا قرر العلماء. وفي هذا الحديث أيضا من الفوائد: أن الحلق، وكذلك ذبح الهدي، نسك في حق المعتمر، محصورا كان أو غير محصور، لأن الصحابة حوصروا عن دخول البيت، عن دخول البيت، فما قال النبي عليه الصلاة والسلام: فلا ترجعوا، به الهدي، لأننا لم نعتمر، لا، وإنما ذبحوا هديهم، ذبحوا هديهم. وهكذا من أراد الحج، من أراد الحج، وأحصر، فإن عليه الهدي، لأن الحاج عليه هدي، خصوصا إذا كان متمتعا، والآن لا يكون الحج في الغالب إلا بالتمتع، في جميع الحملات، فلو أحصر الإنسان، كيف أحصر؟ خصوصا إذا لم يشترط، إذا لم يقل: وإن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني، إذا اشترط، ما عليه شيء، لكن إذا لم يشترط، فإن عليه الهدي. يريد الحج، فمرض مرضا شديدا، لم يستطع معه الاستمرار في الحج، لم يستطع معه الاستمرار في الحج، فهنا يتحلل، يحلق، ويذبح هديا، في المكان الذي حبس فيه. يريد الحج، فمنع بسبب، مثلا: حرب، أو بسبب قطاع طريق، أو نحو ذلك، فهنا عليه أن يحلق، ويذبح هديه، وبذلك يكون قد لم يلزمه شيء، وعليه الحج متى ما استطاع. ليس معناه: إذا أحصر، فحلق وذبح، قد تمت عمرته، أو تم حجه، لا، إنما هذا يكون كالتحلل له من الحج، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾، فأمر الله عز وجل بإتمام الحج والعمرة، فلا يقطع الحاج والمعتمر حجه وعمرته، إلا إذا أحصر، فيحلق ويذبح، فيحلق ويذبح، هذا هو المراد. ومن فوائد هذا الحديث فيما يتعلق بالجهاد: استحباب تقديم العيون بين يدي الجيش، فالنبي عليه الصلاة والسلام استعان بذاك الخزاعي، أن ينظر له الأمر، وهذا أمر مهم جدا في الغزوات والجهاد، أن يكون مع قائد الجيوش عيون، تأتيه بالخبر، خبر العدو، فإن ذلك يساعد في التحرك والاستعداد والتجهز للحرب، ونحو ذلك، وهذا أيضا مما يدل عليه هذا الحديث. ومما يدل عليه هذا الحديث: جواز الخداع في الحرب، فلما قدم ذاك الرجل من بني كنانة، وكان يحب - ماذا؟ الإبل، فقال: بعثوا الصحابة، ابعثوها له، التي أتوا بها هديا، فجمعوها، وبعثوها له، فلما رآها انبهر، وعلم أن هؤلاء ما يريدون إلا العمرة، ما يريدون القتال، ما أتوا من أجل القتال، ولذلك ذهب إلى قريش، وعلمهم بذلك، فهذا فيه شيء من الخداع للعدو في الحرب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الحرب خدعة، وليس هذا من الكذب، وليس هذا من الكذب. وهكذا من فوائد هذا الحديث، حديث صلح الحديبية: أن التابع لا يليق به الاعتراض على المتبوع، أو على المتبوع، بمجرد ما يظهر في الحال، بل عليه التسليم، لأن المتبوع أعرف بمآل الأمور، غالبا، بكثرة التجربة، ويريدون - ويريدون - ويريدون بقولهم: الاعتراض على المتبوع، الإمام أو العالم، الذي قد رسخ في العلم، ورسخت قدمه في السنة، فهذا ينظر ما لا ينظر طلاب العلم، وعامة الناس، وعامة الناس. هذا يؤخذ من ماذا؟ نعم، من اعتراض عمر، ومراجعة عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فينبغي لطالب العلم أن يستفسر العالم، ولا يعترض عليه، ويجادل، ويشغب، ويخالف، وإنما يستفسر. لذلك جاء عن بعض السلف أنه قال: إذا جاءت الفتنة، فإن - فإنها، أو: فإن العالم يعرفها عند إقبالها، وأما الجاهل، فلا يعرفها إلا عند إدبارها، بعدما تنتهي، يقولون: وهذه فتنة، والحمد لله، سلمنا الله منها، ووقعنا في شيء منها في البداية، وكنا كذا وكذا، لكن العالم تجده من أول ما تظهر، وهو يحذر منه، فيستغرب الناس: ليش هذا؟ ليش هذا العالم يقول كذا؟ ليش يحذر من فلان؟ ليش يحذر من الجماعة الفلانية؟ ليش كذا؟ ليش يعترض؟ فتمر الأيام والسنين، فيتبين صحة ما كان عليه ذلك العالم، من التحذير من هذه الفتنة. فاحذر من كثرة الاعتراض على العلماء، فإن الله عز وجل قد بين في كتابه أنهم أهل الاستنباط، وهم أهل الفتوى، الذين يرجع إليهم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾، ومن هم أولو الأمر في هذه الآية؟ هم العلماء، قولا واحدا، في هذه الآية، المراد بأولي الأمر هم العلماء. ﴿ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. فاحذر يا طالب العلم أن تعترض على كبار العلماء، وإنما تتأنى، وتنظر إلى كلامهم، وتنظر إلى كلام غيرهم، ممن هو في درجتهم، وفي مستواهم، ففي التأني السلامة، وفي العجلة الندامة. ومن فوائد صلح الحديبية فيما يتعلق بالجهاد: فيه جواز الاعتماد على خبر الكافر، إذا قامت القرينة على صدقه. من أين نأخذ هذا؟ من إرسال النبي صلى الله عليه وسلم للخزاعي إلى أهل مكة، كانوا حلفاء لقريش، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعرف أنه لا يخون، فلذلك اعتمد على خبره. ولذلك ذكر العلماء: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اختار هذا الخزاعي لهذه المهمة، مع كفره، ليكون أقدر له على الدخول فيهم، والاختلاط بهم، وهذه من السياسة الشرعية، لو أرسل مسلما، لتوجس منه، ولما قبل الجلوس معه أصلا، ولكن هذا يعلمون أنه مثلهم كافر، فلذلك اختار النبي عليه الصلاة والسلام هذا، حتى يختلط بهم، ويطلع على أسرارهم. واستدل العلماء في هذا الزمن على جواز قبول خبر الطبيب الكافر، بشرط أن تدل القرائن على صدقه، وعدم خيانته، وعدم خيانته. فمثلا: يضطر الإنسان يذهب إلى مصر علاج، مثلا: هناك نصارى، بعض الأطباء نصارى، ولكن هم مخلصون في مهنتهم ووظيفتهم، فما عرف عنهم، مثلا: قتل للمسلمين، أو خطأ، أو نحو ذلك، متعمد، فإذا كان الأمر كذلك، فيجوز قبول خبر الطبيب الكافر، مثلا: إنسان مصاب بمرض، وما يدري، هل هذا المرض إذا صام يضر عليه، أو يضر به، هذا المرض ربما أدى به إلى التهلكة، فيقول العلماء: أن الفصل في هذا الأمر، هل هذا المرض يصلح معه الصيام، أو لا يصلح معه الصيام، يكون بإخبار الطبيب، إن وجد الطبيب المسلم، فهذا هو الأفضل والأكمل، إن وجد الطبيب المسلم، لأنه محل ثقة، لكن إذا لم يوجد الطبيب المسلم العالم الخبير بهذا المرض، وإنما وجد كافر، هل نقول: لهذا كافر، ربما يعطينا الدواء؟ لا، يقال: إن دلت القرائن على أنه لا يكذب في وظيفته، ولا يخون، ومجرد - فلا بأس بذلك، لا بأس بذلك. وهذه من فوائد صلح الحديبية. فيه قاعدة أصولية مشهورة، وهي: دفع أعلى المفسدتين بأدناهما، دفع أعلى المفسدتين بأدناهما. فانظروا إلى بنود هذا الصلح، فيه مفاسد، فيه مفاسد، منها: رد المسلم إلى أهل الكفر وأهل الشرك، هذا مفسدة، صح، لعله يفتن في دينه، ما يستطيع أن يقيم دينه كما ينبغي، مفسدة، لكن من أجل تحقيق - أو من أجل دفع مفسدة أعظم منها، ارتكبت هذه المفسدة الدنيا. ما هي المفسدة العظمى؟ كما تقدم: لو دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، لربما انتهكت حرمة الحرم، وزهقت الأرواح، ومنها الأرواح المسلمة المستضعفين، الذين كانوا في نعم مكة، وغير ذلك من المفاسد العظيمة. فينبغي للعالم وطالب العلم أن يجعل هذه القاعدة نصب عينيه، ولا يقول: أي شيء فيه مخالفة، أنا ما سأفعله، لا، قد تضطر إلى فعل مخالفة، من أجل أن تحقق مصلحة عظمى، وأن تدفع مفسدة كبرى، وأن تدفع مفسدة كبرى. وهذا هو فقه الصحابة، ابن عباس رضي