تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 97

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 97

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 97، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سبب نزول آية القتال والموعظة بقلة متاع الدنيا

يستهل المؤلف الكلام بذكر سبب نزول آية القتال في سورة النساء، مبيناً تخوف بعض المؤمنين من القتال، فوعظهم الله تعالى بأن متاع الدنيا قليل زائل، وأن الآخرة خير وأبقى للمتقين، حاثاً إياهم على الصبر على طاعة الله لتحمل مشاقها لنيل الراحة الدائمة.

تفصيل فضل الآخرة على الدنيا وعظمة نعيم الجنة

يفصل المؤلف في كون الآخرة خيراً من الدنيا في ذاتها ولذاتها وزمانها، مستدلاً بأحاديث موضع السوط في الجنة والجدي الأسك، ومبيناً أن نعيم الجنة صافٍ لا كدر فيه ولا هم، وقد أعد الله لأهلها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

المقارنة بين نعيم الدنيا والآخرة وفضل التقوى

يعقد المؤلف مقارنة واضحة تظهر تفوق نعيم الجنة الدائم على لذات الدنيا المشوبة بالآلام والمنتهية، مؤكداً أن الآخرة دار نعيم مقيم لأهل التقوى والعمل الصالح، مستشهداً بالآيات والأحاديث المحثة على الاستعداد للدار الآخرة.

خاتمة تفسير الآيات والاكتفاء بما ذكر

يختتم المؤلف تفسير الآيات المشار إليها بالإشارة إلى اكتفائه بما أورده من معانٍ وأدلّة، مفوضاً العلم كله إلى الله تعالى بقوله: والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فوقفنا عند تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾. ثم قال ربنا جل وعلا: إن هذه الآية نزلت في بعض أهل الإيمان ممن كان يريد أن يقاتل وهو في مكة، لكن من حكمة الله جل وعلا أنه لم يشرع القتال للمؤمنين في مكة، وأمرهم بالعفو والصبر. ثم لما جاءوا إلى المدينة أمر الله عز وجل أهل الإيمان بأن يقاتلوا المشركين، فحصل شيء من بعض هؤلاء المؤمنين من الخشية في بداية الأمر، وقالوا: ربنا لما كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب حتى نتجهز أو كذا. فوعظهم الله عز وجل بعد ذلك، فقال: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾. قال العلامة السعدي رحمه الله: ثم إن الله وعظهم عن هذه الحال التي فيها التخلف عن القتال، فقال: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ ﴾. أي: تمتع بلدات الدنيا وراحتها قليل، فتحمل الأثقال بطاعة الله في المدة القصيرة مما يسهل على النفوس ويخف عليها، لأنها إذا علمت أن المشقة التي تنالها لا يطول لبثها هان عليها ذلك. يقول السعدي رحمه الله: أن الله عز وجل وعظهم بهذه الموعظة العظيمة، وبَيّن لهم أن هذه اللذات التي يتمتع بها في الدنيا؛ لأن الإنسان إذا خشي الموت، خشي القتل أو أن يُقتل، فهذا يكون من تمسكه بالدنيا وتمسكه بمتاعها، فلذلك فهو يخشى الموت. وأما من زهد في الدنيا ولم تشغله لذاتها، فغالبًا لا يخشى الموت. فلذلك ذكر الله عز وجل من باب النصيحة لهم والوعظة لهم أن هذا الذي يتمسكون به من متاع الدنيا هي راحة قليلة، راحة قليلة، فتحمل الأثقال في طاعة الله في المدة القصيرة مما يسهل على النفوس ويخف عليها. فأنا الآن في هذه الدنيا ينبغي للمؤمن أن يشغل نفسه بطاعة الله، لأن هذه الدنيا هي ممر، دار ممر، وليست دار مستقر، وأيضًا متاعها زائل. لكن إذا أراد المتاع الحقيقي فهو متاع الآخرة، فهو متاع دائم ومؤبد وأكثر وأعظم. فلذلك يحمل نفسه على شيء من طاعة الله جل وعلا، ويشغل نفسه بطاعة الله في هذه الحياة حتى يلقى الراحة يوم القيامة، ويتلقى المتاع الحقيقي يوم القيامة. ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ ﴾. فلذلك فمن أشغل نفسه بطاعة الله وتحمل مشاق الطاعة هان عليه. ذهب هذا المتاع الذي هو من متاع الدنيا طال. فكيف إذا وازنت، كيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة خير منها في ذاتها ولذاتها وأوانها؟ أنا في كل هذه الأمور الآخرة خير من الدنيا. سميت الدنيا لأنها دون الآخرة بكثير، دونها في ذاتها، ودونها في لذاتها، ودونها كذلك في زمانها، فلذلك فهي دنيا عن الآخرة. قال: فذاتها كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الثابت عنه: «إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها». خير من الدنيا وما فيها، موضع السوط الذي يضعه الإنسان الذي يكون من أهل الجنة، موضع صوته أفضل من الدنيا بما فيها. فدل على أن ذات الآخرة عظيمة، والدنيا شيء حقير عند الآخرة. فلذلك متاع الدنيا لا شيء. موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، هذا موضع سوط فقط. قالوا: لذاتها صافية عن المكدرات. أن الدنيا فيها مكدرات: مرض، مصائب، أحزان، هموم، ونصب، تعب، وغير ذلك. أما الآخرة فهي صافية، ليس فيها مكدرات أبدًا، ليس فيها هموم ولا غموم، ليست فيها تعب ولا نصب، بل ليس فيها أيضًا غل ولا حسد ولا غير ذلك من الأمور التي تكون في الدنيا. فلذلك فلذاتها أعظم، يعيش المؤمن في الجنة بنعيم عظيم لا ينقطع أبدًا. هذا النعيم نعيم في نفسه في قلبه، ونعيم أيضًا بما يتمتع به من لذات الجنة ونعيمها. فلذلك فالنعيم العظيم الذي في الجنة لا يقاس بالدنيا أبدًا، بل الدنيا حقيرة عند الآخرة. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم، عن جابر لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم معه أصحابه إلى السوق، فوجد جديًا أسك، ميت، كلب أو أقصد جديًا أسك وميت. أسك معناه مقطوع الأذن، وميت. فأخذه بأذنه وقال: «من يشتري هذا بدرهم؟» فقالوا: يا رسول الله، لو كان حيًا كان عيبًا أن يشتريه أحد، لو كان حيًا لأنه مقطوع الأذن. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ل الدنيا أهون على الله عز وجل من هذا عليكم». فهذه الدنيا حقيرة، هذه الدنيا ولذاتها لا شيء عند لذات الآخرة ونعيمها. فقال: بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءَ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. لا تعلم نفس ما أخفي لها من الراحة العظيمة والنعيم المقيم في جنة الله جل وعلا. وقال الله عز وجل على لسان نبيه، وجاء أيضًا أنه قال الله على لسان نبيه، معنى جاء مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «أعد الله». وجاء أيضًا أنه حديث قدسي من كلام الله جل وعلا، حكاية نبيه عليه الصلاة والسلام، كلام الله جل وعلا: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا خطر على قلب بشر». فجعل الله عز وجل هذا النعيم العظيم والراحة التي لا يقدر قدرها، وأيضًا لا تقع في بال المؤمن، وصاحب الجنة. معنى لا يقع في باله هذا النعيم، نعيم عظيم جدًا لا يوصف. فلذلك قال الشيخ هنا رحمه الله: بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك. قال: وأما لذات الدنيا فإنها مشوبة بأنواع التنغيص، الذي لو قُوبل بين لذاتها وما يُقترن بها من أنواع الآلام والهموم والغموم، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه. فهذه اللذات التي يجدها في الدنيا هي لا شيء، وأيضًا زد على ذلك أنها أيضًا مشوبة، يعني فيها أيضًا مكدرات، فيها مكدرات من الآلام والهموم والغموم. لا تأتي بالسهل، لا تأتي لذات الدنيا بالسهل، بل هناك أشياء قبلها، سوى كانت هذه اللذات من الطعام والشراب، أو من النكاح، أو من غيرها، فتكون هناك أشياء قبلها. أما في الجنة فكل شيء سهل، كل شيء يأخذه الإنسان بدون هذه المنقصات. قالوا: أما زمانها فإن الدنيا منقضية، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء يسير. هذه الدنيا يعيش فيها الإنسان ستون سنة أو سبعون سنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وقليل منهم من يجاوز ذلك». هذا العمر القصير والمنقضي والمنتهي شيء يسير أمام الآخرة، بل لا يذكر. فلذلك قال المؤلف رحمه الله: أما الآخرة فإنها دائمة النعيم، وأهلها خالدون فيها. فإذا فكر العاقل في هاتين الدارين وتصور حقيقتهما حق التصور، عرف ما هو أحق بالإيثار والسعي له والاجتهاد في طلبه. في حديث ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام سُئل: أي الناس أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرًا، وأكثرهم استعدادًا له». هذا العاقل الذي يعلم أنه سينتقل إلى تلك الدار العظيمة، فلابد له من عمل فيستعد، فيستعد لها، فيستعد لتلك الدار العظيمة وذلك النعيم العظيم بالأعمال الصالحة. أكثرهم للموت ذكرًا، وأكثرهم استعدادًا له. قال الله عز وجل، أو قال: ولهذا قال الله: ﴿ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ ﴾. وقال هنا: ﴿ لِمَنِ اتَّقَىٰ ﴾ لأن الآخرة، أي الجنة، لا يدخلها إلا أهل التقوى. ﴿ اتَّقَى الشِّرْكَ وَسَائِرَ الْمُحَرَّمَاتِ ﴾. ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾. أي: فسعيكم للدار الآخرة ستجدونه كاملًا موفورًا غير منقوص منه شيء. وقد ذكر الله عز وجل في القرآن آيات كثيرة أنه أعد هذه الجنة لمن آمن وعمل صالحًا، وأعد هذه الجنة للمتقين، والآيات في ذلك كثيرة في كتاب الله جل وعلا. فيها حتى قال بعض أهل العلم أنها قرابة 250 آية في فضل التقوى وأهميتها وجزائها. حتى بيّن الله عز وجل جزاء أهل التقوى وما أعد لهم في الجنة من النعيم المقيم. وتجد أن الله عز وجل نوّع في ذكر النعيم لأهل التقوى ولأهل الإيمان والعمل الصالح. ثم قال جل وعلا: ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾. معنى: ما ينقص أبدًا شيء مما سيعطيكم الله، بل يوفيكم سعيكم، وزيادة على ذلك أنه ينعمكم النعيم العظيم. هذا ما ذكر المؤلف رحمه الله في تفسير هذه الآيات، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.