شرح مختصر سيرة الرسول  38

شرح مختصر سيرة الرسول 38

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 38، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

موقف الوليد بن المغيرة من القرآن ومحاولة قريش تشويه الدعوة

استمع الوليد بن المغيرة لتلاوة النبي ﷺ فأعجب ببلاغتها واعترف بأنها ليست من كلام البشر، فخاف أبو جهل من تأثير ذلك على قريش وضغط على الوليد ليكذب القرآن. رفض الوليد الكذب واقترح على قريش الاتفاق على رأي موحد تجاه القرآن قبل موسم الحج.

مؤامرة قريش للاتفاق على وصف موحد للنبي صلى الله عليه وسلم

اجتمع كبار قريش برئاسة الوليد بن المغيرة وأبي جهل ليتفقوا على صفة واحدة يلصقونها بالنبي ﷺ كيلا تختلف أقوالهم، فرفض الوليد أوصاف الكاهن والمجنون والشاعر والساحر لعلمه ببطلانها. استقروا أخيرًا على وصفه بالساحر لأن كلامه يفرق بين المرء وأخيه، فأنزل الله في الوليد آيات سورة المدثر.

سبب نزول آية انشقاق القمر وتكذيب المشركين للمعجزة

طلب المشركون آية من النبي ﷺ فانشق القمر، فكذبوا بها وسموها سحرًا مستمرًا، وتحققوا من المسافرين فصدقوا وقوع الانشقاق. يبين المقطع حرص النبي ﷺ على إيمانهم بطلب الآيات، لكن الله لم يستجب لكل طلباتهم لعنادهم الذي يمنع الهداية رغم رؤية المعجزات.

عاقبة تكذيب الآيات وحكمة تأخير نزول بعضها

يوضح المقطع أن تكذيب الآيات بعد نزولها يستوجب عذاب الاستئصال لإقامة الحجة على المكذبين، وأن بعض الآيات تتأخر نزولها لحكمة إلهية بالغة. ويختتم الدرس بالإشارة إلى استكمال الحديث في جلسات قادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا يزال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في مختصر السيرة يبين ما كان في المرحلة المكية من معارضة الكفار لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام. فهم الذين يسألونه عن أمور غيبية فيجيبهم عليها، ولكنهم لا يؤمنون. وهم الذين كذلك يشوهون دعوته، فتارة يرمونه بأنه ساحر، وتارة كاهن، وتارة شاعر، وهكذا. فقال الشيخ هنا: قول الوليد بن المغيرة في القرآن: سحر. قال: وعن ابن عباس قال: إن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ علي. فقرأ عليه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ ﴾ من سورة النحل. فقال أي الوليد - وهو كافر -: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته. وما يقول هذا بشر. وهذا الأثر ذكره ابن إسحاق في السيرة هكذا مرسلاً إلى ابن عباس، وكما تقدم أن كثيراً من هذه الأحداث إنما نقلت مرسلة، فمنها ما ذكرت موصولة وصحت، ومنها ما بقيت على إرسالها كما سيأتي معنا في سبب نزول: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾. قاله في رواية. وبلغ ذلك أبا جهل، يعني بلغ أبا جهل أن الوليد بن المغيرة استمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال هذا القول في القرآن، وانتشر خبر الوليد بن المغيرة. ولا شك أن هذا يزعزع هؤلاء المشركين، كيف يعني كبير من كبرائهم يقول هذا القول الذي فيه من التزكية للقرآن، وفيه الاعتراف بأن هذا القرآن ليس بكلام بشر، وأنه مؤثر، وأن له حلاوة. هذا كالاعتراف منهم بصدق ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. هذا يزعزعهم، وهكذا يجعل كثيراً منهم لربما ترك كفره ورجع إلى الإسلام. فبلغ ذلك أبا جهل، فأتى الوليد بن المغيرة، فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً. يقول للوليد: أن قومك يريدون أن يجمعوا لك المال. قال: ولمَ؟ يقول له: لماذا أراد أن يجمعوا لك المال؟ قال: أتيت محمداً لتعوض مما قبله، يعني لتأخذ منه المال. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً. كيف أنا أريد مالاً وأنا من أكثر قريش مالاً؟ فكيف أنا أذهب إلى محمد من أجل أن يعوضني المال؟ أبداً، أنا... يقول: وقد علمت قريش أني من أكثرها مالاً. فقال له أبو جهل: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له، يعني ما ذهبت إليه مصدقاً له ومعترفاً بدعوته، وأنك منكر له. فقال: ماذا أقول؟ قال: فوالله ما فيكم أعلم بالأشعار مني... إلى آخره. يعني كيف ماذا أقول؟ أنا أعلم بالأشعار، لو كان شعراً لعرفت أنه شعر، فهو ليس بشعر. قال: وفي رواية أن الوليد بن المغيرة قال - وقد حضر الموسم، يعني موسم الحج -: ستقدم عليكم وفود العرب من كل جانب، وقد سمعوا بأمر صاحبكم، فاجمعوا فيه رأياً. يعني سمعوا بما قال الوليد بن المغيرة، بما مدح به هذا القرآن، فإذا... حتى لا يغتر الوافدون بدعوة هذا النبي، فأجمعوا أمركم على كلمة واحدة تقولون، حتى ما تضرب أقوالكم بعضها ببعض، فهذا يقول القول وذاك يقول القول، فيعلم الناس أنكم كاذبون. فأجمعوا على كلمة واحدة تتفقون عليها في أمر هذا النبي. فقال: لو فأجمعوا فيه رأياً ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضاً، ويكون هذا التكذيب سبباً لزعزعة ثقة الناس فيكم. فقالوا: فأنت فقل. فقال: بل قولوا وأنا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال أي الوليد بن المغيرة: ما هو بزمزمة الكهان، يعني الصوت الذي يصدره الكهان ويتمتمون به، ولا سجعهم، يعني الكلمات التي يرتبونها في كلامهم. قالوا: نقول مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه - خنقه يعني صرع - فإن المجنون ربما يصرع، ولا وسوسته، ولا وسوسته، ولا تخالجه، يعني ما يتصرف ويفعله المجنون من أعمال تخالف أعمال العقلاء. قالوا: نقول شعر. قال: ما هو بشعر، لقد عرفنا الشعر: زَجره، رَجزه، هَزجه - يعني هذه أنواع من أنواع الشعر وتراكيب من تراكيبه - وقريضه، ومقبوضه، ومبسوطه، يعني جميع أنواع الشعر نعرفها، فليس هو بأحد هذه الأنواع، وليس هو بنغم الشعر أبداً. قالوا: نقول ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة وسحرهم، فما هو بعقدهم ولا نفثهم. عقدهم يعني لأنهم يربطون السحر بالعقد وينفثون فيها، كما قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾. كانوا يعقدون السحر وينفثون فيه، فما أتى به ما هو بسحر، فما هو بعقدهم ولا نفثهم. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ يعني أبو جهل: قلوا ماذا نقول؟ قال: ما نقول من شيء من هذا إلا عرف أنه باطل. سبحان الله، يعرفون أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يوصف بشيء مما ذكر أبداً، وليس فيه صفة من تلك الصفات. وإن أقرب القول أن تقولوا: ساحر. خلاص، إذا كان لا بد، مع أن السحر ذكروه، لكن قالوا: أقرب شيء نقول ساحر، يسحر الناس بما يقوله من كلام حسن. لماذا؟ قال: يفرق بين المرء وأخيه، فلربما الأخ يكون مؤمناً وذاك يكون كافراً، فصارت بينهما العداوة والمفارقة. وبين المرء وزوجه، وربما الزوجة تكون كافرة والمرأة تكون مؤمنة، فيفارقها زوجها. وبين المرء وعشيرته، يعني قبيلته، فيسلم وتبقى قبيلته كافرة. قال: فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون للناس، لا يمر بهم أحد إلا حذروه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله في الوليد بن المغيرة: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾ إلى قوله: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾. وهذه الرواية ذكرها شيخنا - لو تذكرون - مرت بناءً على الصحيح المسند من أسباب النزول عند سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾ إلى آخره، وذكر نحو ما ذكر في هذا الموضع الذي قرأناه. ولكن تراجع شيخنا عن تصحيح هذه الرواية في نهاية البحث، حكم على هذا الحديث بالإرسال، حكم على هذا الحديث بالإرسال، فهو مرسل من كلام ابن عباس. نعم، فهو ضعيف، ولكن كما ذكرنا يتساهل العلماء في سرد السيرة لأن أكثرها ورد بالمرسلات. قال: وسبب النزول لا بد فيه من الصحة، سبب النزول خاصة لا بد فيه من الصحة لأنه يتعلق بكلام الله، يتعلق بكتاب الله، بخلاف الأحداث التي يرويها أهل السيرة، فلربما يتساهل فيها العلماء. قال: ونزل في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله، يعني أحياناً قالوا: نقول شاعر، أو نقول كاهن، أو نقول ساحر، يصنفون في رسول الله القول. فنزل فيهم هؤلاء وفيما جاء به من عند الله: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾، أي أصنافاً، يعني أصنافاً متعددة. قالوا: وكانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات، فمنها ما يأتيهم الله به لحكمة أرادها الله سبحانه. يعني كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فبعض الآيات تقع، بعض الآيات تقع. فمن ذلك كما سيذكر: انشقاق القمر. فسألوه هذه الآية، قالوا: إن كنت رسولاً حقاً فأرنا هذه الآية، أن ينشق القمر فيقع نصفين، هذا خلاف المعتاد. القمر عبارة عن جرم واحد، صح، عبارة عن جرم واحد، ليس هو نصفين. فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون القمر شقين، أن يكون القمر شقين. فالله سبحانه وتعالى حقق هذه الآية، فانشق القمر. ولذا قال: انشقاق القمر. فمن ذلك أنهم سألوه أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر، وأنزل قوله: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾. فقالوا: سحركم. انظروا إلى السفار، السفار الذين يكثرون السفر، يعني هل هذه الآية وقعت في مكة فقط، أو وقعت في الشام، وقعت في المدينة، وقعت في غيرها من البلاد البعيدة؟ لأن القمر واحد، فإذا انشق في كل البلاد سيراه من في تلك البلاد، من في تلك البلاد. فقالوا: إنما هذا سحر، نظرتم فرأيتم القمر شقين، وإلا هو في الحقيقة منشق القمر، هكذا يقولون. فقالوا: انظروا إلى السفار، أو إلى السفاء، السفار نعم، الذين يكثرون السفر. فإذا كانوا رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق. إذا رأيتم انشقاق القمر هذا في الشام، في المدينة، في غيرها من البلاد، فهذا دليل على أنه صادق. فقدموا من كل وجه، يعني من كل جهة، من كل بلد، فقالوا: رأينا. وهذا الحديث أصله في مسلم، وذكره شيخنا في الصحيح المسند من أسباب النزول. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما طلب من الآيات التي يقترحون رغبة منه في إيمانهم. يعني لماذا النبي صلى الله عليه وسلم يطلب الآيات التي يطلبونها؟ من حرصه عليه الصلاة والسلام على إيمانهم وعلى هدايتهم، فلعلهم إذا رأوا هذه الآيات يقع الإيمان في قلوبهم. فهذا هو سبب طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه ظهور الآيات. وكان رسول الله ربما طلب من الآيات التي يقترحون رغبة منه في إيمانهم، فيجاب بأنها لا تستلزم الهدى، لأنهم أهل عناد. فكم رأوا من الآيات؟ كم رأوا من الآيات؟ انشقاق القمر، هل آمنوا؟ لا. وما هي الآيات الأخرى التي كذلك رأوها؟ سؤالهم النبي عليه الصلاة والسلام عن الروح، وعن الفتية، وعن غيرها من الأسئلة، فيجيبهم كما أخبرهم أهل الكتاب، فهل يؤمنون؟ ما يؤمنون. ولو أتتهم كل آية فلم يؤمنوا به عليه الصلاة والسلام. فيجاب النبي عليه الصلاة والسلام بعدم ظهور بعض الآيات التي يطلبها عليه الصلاة والسلام بأنه لا تستلزم الهدى. ليس معنى إذا ظهرت هذه الآيات سيهتدي هؤلاء القوم، لا. ولذلك قال: بل توجب عذاب الاستئصال لمن كذب بها. يعني إذا نزلت هذه الآيات فكذبوا بها ولم يؤمنوا، لربما نزل عليهم العذاب، لأن قد قامت عليهم الحجة والبينة. فلذلك تتأخر بعض تلك الآيات فلا تقع لهذه الحكمة، لهذه الحكمة. وتظهر بعض الآيات كما في شقاق القمر، وفي غيرها من الآيات. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في دروس قادمة. إلى هنا، والله أعلم.