الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 83، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يؤكد المقطع أن الإنسان يُعرف بقرينه ويُحاكم بمجالسته، فالصاحب ساحب والمؤثر في دين صاحبه وخلقه. وقد حذر السلف من مصاحبة الجاهلين وأهل البدع والهوى لئلا يفسد المرء أو تُسيء الناس الظن به.
يشرح المقطع حديثًا صحيحًا يفيد بأن لكل عمل شدة ونشاطًا ثم يليه فتور، وأن النجاة تكون في أن يكون هذا الفتور راجعًا إلى السنة والاعتدال. ويؤكد أن حال الفتن يقتضي التمسك بالعبادة وعدم الانجراف خلف الأهواء.
يؤكد المقطع على أهمية التوسط والاعتدال في العبادات وعدم التشدد فيها، اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم. كما يحذر من مصاحبة أهل البدع والأهواء، مستدلاً بحديث الأرواح جنود مجندة.
يختتم المتحدث الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مكتفياً بما ذُكر، ثم يختم المجلس بالتسبيح والاستغفار والدعاء بالتوبة. ويختتم الجلسة بالدعاء بالخير والقبول.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، فبقرينه الذي معه، يعني من البشر؛ لأن هذا دليل من الأدلة: إن كان قرينه صالحًا حُكم عليه بمثله، يعني إن كان مستقيماً على السنة يجاوره ويجالسه، فيقال: فلان يجالس فلان، فيُحكم عليه بممشاه. والنبي عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي في هذا الباب، قال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، يعني من يصاحب. والصاحب ساحب، كما قال بعضهم: على المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** إن القرين بالمقارن يقتدي سل عن قرين هذا الشخص. وهذا متعارف عند الناس: إذا سئل شخص، يقال: من أصحابه؟ من يجالس؟ فيحكمون عليه بمجالسته. قال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** إن المقارن بالمقارن يقتدي إن القرين بالمقارن يقتدي. وهكذا حذر السلف رحمهم الله تعالى من مصاحبة الأشرار والفجار وأهل البدع والهوى. لا يصحب المرء هؤلاء لئلا يصاب بالداء الذي هم عليه، ويصبح أيضًا سيء السمعة عند الناس عندما يقال: فلان مع فلان، وذاك فلان. وإن كنت أنت مثلاً، هذا الصاحب مثلاً لا يفعل الأشياء السيئة، لكن الناس نظرتهم إلى الصديق: هذا صديقه مثلاً يشرب الخمر، هذا صديقه مثلاً يفعل الفواحش، هذا صديقه مثلاً يدخل يخزن، نحو ذلك، فإنه يُحكم على الصاحب بمثله. وقال: هذا صديقه، هذا صاحبه، فماذا سيكون الأمر؟ فالناس على هذا الحكم، وهذا دليل واضح. فلذلك لا يصحب الإنسان أهل الريب، للشك، للبدعة، للهوى، لا يكون يتخذ صديقًا منهم؛ لألا يقال: إن فلانًا كان مع فلان. فلا تصحب أخا الجهل، فإياك وإياه، فكم من جاهل أردى حليماً حين أخاه، لقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ما شاه. وللقلب على القلب دليلاً حين يلقاه، وللنفس على النفس مقاييس وأشباه. أكذا قال بالحكمة: لا تصحب أخا الجهل، يعني رجل لا تصحب صديق جاهل، الصديق لا يعرف شيء من الدين، الصديق يكون العياذ بالله حاله التردي، فلا تصحب أخا الجهل، فإياك وإياه، فكم من جاهل أردى حليماً. هنا «أخاه» يعني واحد كان طيبًا، كان مصليًا، حابضًا على الصلاة، معتد، لكن لما صاحب ذاك فسد مثله، فسد مثله والعياذ بالله. انتبه بارك الله فيك. بعضهم يدخل من باب النية الطيبة، وصاحب هذا الشخص يقول: أنا سأسحبه، وما يلبث إلا ذاك كان يسحب صاحبنا. يقول: أنا سأسحبه، يعني إلى الخير، خليه كذا، التوفيق بيد الله عز وجل. ربما هذا الشخص حرف بعد مثله، ويصير مثل ذاك الذي يريد أن يسحبه إلى طريقه، فإذا هو انسحب إلى طريق الآخر. فكم من جاهل أرضى حليماً حين آخاه، قاس المرء بالمرء إذا ما المرء ما شاه، يعني مشى معه، يقاس به: هذا فلان صديقه، فمن أجل هذا. حتى عند الخطبة، عند الخطبة يعني يريد شخص أن يخطب، الناس يسألون عن سيرته، يسألون عن صلاته، استقامته، ويسألون أيضًا عن أصدقائه: مع من يجلس؟ مع أهل السهر والطرب واللهو والغناء، أم مع أهل الدين، مع أهل الاستقامة؟ حتى يأمنوا على ابنتهم لذلك الشخص. لهذا السلف رحمهم الله تعالى وضعوا هذه الضوابط، الضوابط أيضًا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». قال المؤلف حفظه الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل عابد شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنة فقد اهتدى، أي أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». وهذا الحديث صحيح، وهو صحيح مسند لشيخنا مقبل رحمه الله: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». لكل عمل قوة ونشاط يعمله الإنسان، يكون حين يكون نشيطًا قويًا صحيحًا، يعمل الأعمال الصالحة ويستزيد منها، ثم هذا النشاط وهذه القوة يأتي بعدها فتور، يأتي بعدها الفتور، يفتر الشخص بعد فترة من العمل الذي كان يعمله. هذا مشاهد، وهذا أيضًا عند الناس معلوم: يأتي فلان كان ما شاء الله عليه وكذا، ثم بعد ذلك كسل، وين الطاعات؟ وين العبادات؟ وين وين؟ هذا من أحوال الناس. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل عمل له قوة ونشاط، ثم بعد ذلك هاته الفتور». عند هذا الإنسان طيب، الفتور هذا عند هذا الشخص الذي ما كان يعمل، إما نكون فتور وركود إلى بدعة، وإما إلى سنة، يعني وإما نكون على خير، على خير، ما ما كان منه من ذلك الفتور إلا أنه ما ضعف وما زل، وإنما قلل من الأعمال، قلل من الأعمال والجهد إلى أعمال أخرى أقل، إلى أعمال أخرى أقل، فظل على ما كان عليه من السنة. وإما أن يؤدي به هذا الفتور، العياذ بالله، إلى البدعة، لأنه ينطلق إلى البدعة. لهذا قال: فمن كانت الفترة هذه التي صاحبت ذلك الشخص إلى السنة، بأن جلس لكن لكنه كان إلى السنة، إلى السنة، فهذا قد أفلح. ثم بعد ذلك يعود له النشاط مرة أخرى، حتى وين فترة في زمن من الأزمان أو فترة من الفترات، يعود له ذلك النشاط مرة أخرى، ويقوى بأهل السنة ومن معه، ومن معه، فيلهف أعمال أهل السنة. وهذا تقريبًا والله أعلم أن يكون ذلك حال الفتن عندما تأتي الفتن، فالكثير من الناس أو الشباب أو المتمسكين والصالحين تقل منهم الأعمال، تقل منهم ذلك. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم أمر حال الفتن بالعبادة، أمر حال الفتن الانشغال بالعبادة وترك الفتن، وعدم الإتيان والركون إلى هذه الفتن. ولهذا الشخص عنده حال الفتن وحال انقطاع الأعمال، مع إخوانه الذين كان يعمل معهم تلك الأعمال الصالحة، يجلس على هدى ويجلس على خير، وينظر في أمره، ينظر في أموره، وينظر في شأنه. فمن كانت هذه الفترة وهذا الفتور الذي صاحب الناس، صاحب تلك الأعمال، إلى خير وإلى هدى فقد أفلح، ومن كانت إلى غير ذلك، بأن ما استغل هذا الفتور، بل والعياذ بالله ذهب إلى أهل الأهواء والبدع، فقد هلك هذا الإنسان. قال أحمد شاكر رحمه الله في شرح هذا الحديث: قال: «إن حدة الأمر تناقص إلى هدوء وفترة، فيجتهد المجتهد في العبادة، وقد يغلو في الشدة والتمسك، ثم تهدأ حدته إلى قصد في الأمر»، يعني يأخذ الأمر أولاً بقوة وشدة وتمسك، ثم بعد ذلك يهدأ، فإن الدين يسر، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لن يشاد الدين أحد إلا غلبه»، وإن الله لا يمل حتى تملوا، «خذوا من الأعمال ما تطيقون». هكذا يقول عليه الصلاة والسلام. قال: فأبانا صلى الله عليه وسلم أن الفترة التي تعقب الغلو ينبغي أن تكون إلى السنة، يعني التي تعقب ذلك النشاط وتلك القوة عند الشخص، إذا جاءت له الفترة أن يكون إلى سنة، والأخذ بها، وعدم التهاون بتركها حتى يلزم طريق الهدى. أما إذا كانت الفترة إلى تقصير وإهمال، فإنها الهلاك: إذا قصر وأهمل ما كان عليه من العبادات والطاعات التي كان يعمل، وترك كل شيء، فإنه إلى هلاك والعياذ بالله. فالقصد، القصد: النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالقصد في العبادات: «خذوا من الأعمال ما تطيقون» من الأعمال الصالحة، سواء كان في الصلاة يعني من نوافل الصلاة، وهكذا أيضًا من نوافل الصيام، وهكذا أيضًا من الصدقات، وهكذا أيضًا من الحج والعمرة، يستطيع الشخص أنه يقتصد في ذلك، ويأخذ من أي عمل صالح ما يطيقه وما تحبه نفسه وتقبل عليه، حتى بعد ذلك ما يترك، ما يترك؛ لأنه لو أخذ بالشدة والغلو، بعد ذلك ستأتي فترة يترك هذا كله، العياذ بالله. والنبي عليه الصلاة والسلام لما رأى بعض نسائه، نسائه، رأى تقوم على حبل وهي زينب رضي الله عنها، قال: «حلوا هذا» أو قال: «فكوها»، «ليأخذ أحدكم نشاطه»، لماذا تكلف نفسك في العمل؟ النبي صلى الله عليه وسلم كان عليه الصلاة والسلام يحب إذا عمل عملاً أن يثبته، وأن يدوم عليه، وأن يدوم عليه. والنبي عليه الصلاة والسلام حذرهم في أمور أن يكونوا مثله، أنهم ليسوا مثله بالقوة والنشاط عليه الصلاة والسلام. مثلا مسألة الاعتكاف: لما جاء نساؤه وأردن أن يعتكفن بجانبه، والنبي عليه الصلاة والسلام لما رأى الخيام قال: «فكوها». وهكذا أيضًا في الصيام في الوصال: كان يواصل ونهى عن الوصال، شفقًا ورحمة بهم، يقول: «إنكم لستم مثلي». إذن نحن لسنا مثله عليه الصلاة والسلام في باب العبادات والطاعات والإقبال على الله عز وجل، لسنا مثله صلى الله عليه وسلم. هو يعمل هذا لأن الله أعطاه قوة، أعطاه قوة وتحمل على العبادات. وانظروا إلى الصحابة الذين صلوا معه في صلاة الليل، وأطال النبي عليه الصلاة والسلام، في حديث حذيفة، حديث ابن مسعود، يعني حتى يقول ابن مسعود: «هممت بأمر سيء، أن أجلس وأدع النبي» صلى الله عليه وسلم، واضح من شدة تحمله عليه الصلاة والسلام. فمن من يطيق ما كان عليه الصلاة والسلام يطيقه من الأعمال؟ بل هو عليه الصلاة والسلام أمر أمته بالقصد في العبادة، وأيضًا بالتؤدة والأخذ. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر الأمة أنهم يأخذوا من الأعمال ما يطيقون حتى لا يملوا، «فإن الله لا يمل حتى تملوا». لا تملوا من هذه العبادات، ويكون أمركم فيه القصد. فالشاهد من هذا الحديث أن المسلم لا يغلو، لا يغلو، ولا يأخذ الأمر بتعنت وتشدد، بل يأخذ رويداً رويداً سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويعمل من الأعمال الصالحة، من نوافل العبادات، ما يستطيع. ثم قال: قال صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، وتقدم هذا الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». ما تعارف من هذه الأرواح، تعارف على الخير، يأتلف، ويقع، والطيور على أشكالها تقع، كما قال أهل الخبرة: الطيور على أشكالها تقع، فيقع الحمام على الحمام، وسائر الطيور تقع على شاكلتها، فما يعيش غراب مع حمام، ولا حمام مع غراب. وهكذا الطيور على أشكالها تقع. فلذلك الإنسان يحذر من أن يصاحب أهل الشر، أهل الفساد، أهل الأهواء، لأن المرء يقاس بهم، فيقال: هذا وقع على الجماعة، إذن هو معهم، إذن هو معهم. وما تناكر منها اختلف: إذا تناكرت القلوب تنافرت، فيختلف. فالسني قلبه ينكر البدعة، وينكر أهل الأهواء والبدعة، فهل يجلس معهم؟ هل يصادقهم وصاحبهم ويمشي معهم؟ الجواب: لا، لأن قلبه يختلف، قلبه يختلف عما في قلب الآخر، ذاك مشرق بالحزبية والبدعة والهوى، وهذا بخلافه، فالقلبان متنافران، فإما أن يأتي هذا إلى وهذا إلى هذا، حدهما يغلب، يغلب الآخر. حديث النبي عليه الصلاة والسلام طيب، حتى ما نطيل، نكتفي بهذا القدر. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.