حقارة الدنيا

الخطبة بعنوان حقارة الدنيا، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 25 جمادى الآخر 1443هـ الموافق 28 يناير 2022م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحذير النبي من الاغترار بنعيم الدنيا

يشرح النبي صلى الله عليه وسلم خطورة الاغترار بنعيم الدنيا ويبين قلة قيمتها عند الله، وأن من اغتر بها ولم يستعد للآخرة خسر. كما يستدل بحديث يبين أن أنعم أهل الدنيا من أهل النار سيعذب في النار.

عذاب الكافرين والمجرمين يوم القيامة

يُنبه الخطيب إلى خطورة الاغترار بالدنيا وعدم الإيمان بالله، ويوضح أن نعيم الدنيا يُنسى بمجرد التعرض لعذاب النار، ويستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية على عذابهم يوم القيامة.

نعيم الجنة وفضل الاستقامة

يذكر النبي حال المؤمن البائس في الدنيا الذي يكون من أهل الجنة، حيث يغمس في الجنة غمسة واحدة فينسى بؤس الدنيا، ويحث على الاستقامة على دين الله واجتناب المعاصي.

أدعية الإصلاح والتسبيح

يتضمن المقطع أدعية متنوعة لطلب الإصلاح في الدين والدنيا والآخرة، والتمنيات بحياة مثمرة وموت يريح من الشرور، وينتهي بتسبيح الله والصلاة على النبي محمد.

  • 25 جمادى الآخرة 1443هـ - 28/01/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، رؤى الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيغمس في النار غمسة غمسة واحدة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت نعيمًا قط؟ هل رأيت خيرًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت نعيمًا قط، ولا رأيت خيرًا قط». ويؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة، فيغمس في الجنة غمسةً واحدة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت بؤسًا قط، ولا رأيت شدة قط. هذا الحديث، عباد الله، يبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم فيه حقارة هذه الدنيا، وأنها لا قيمة لها عند الله، ولا منزلة لها عند الله جل وعلا. انظروا إلى حال هذين الصنفين، وهذين القسمين، من كان في هذه الدنيا من أهل النعيم، ومن أهل الترف، ممن وسع الله عز وجل عليه في متاع هذه الحياة، في الأموال، وفي المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب، وغير ذلك من متاع الدنيا. إن كان بعيدًا عن طاعة الله، بعيدًا عن الإيمان بالله جل وعلا، لم ينفع هذا النعيم الذي تنعم به في هذه الدار. يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، أنعم أهل الدنيا، لك أن تتخيل أيها المسلم ماذا معه من النعيم، ماذا يملك. أنعم أهل الدنيا من الدراهم والدنانير، ماذا يملك من الدور والقصور، ماذا يملك من المراكب والسيارات، ماذا يملك كذلك من النساء الحسان من زوجات وغير ذلك من نعيم الدنيا. أنعم أهل الدنيا، لكنه من أهل النار، غره هذا النعيم عن الإيمان بالله جل وعلا، غره هذا النعيم عن طاعة الله سبحانه وتعالى، غره هذا النعيم عن الاستعداد للآخرة وللقاء الله جل وعلا. يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، قال عليه الصلاة والسلام: «فيغمس في النار غمسة واحدة»، وفي رواية: «فيصبغ في النار صبغة واحدة»، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت نعيمًا قط؟ هل رأيت خيرًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت نعيمًا قط، ولا رأيت خيرًا قط. هو لا يقول ذلك جحودًا وإنكارًا وكذبًا وزورًا، وإنما يقوله من شدة عذاب النار، ومن شدة عذاب الجحيم. صبغة واحدة صبغ بها في النار، أنسته نعيم الدنيا، أنسته نعيم تلك السنين التي عاشها في هذه الحياة، وعاشها في هذه الدنيا، وهو يتقلب في خيراتها ويتقلب في نعيمها، فنسي ذلك النعيم بصبغة واحدة في النار. فكيف إذا دخلها؟ وكيف إذا سكنها؟ وكيف إذا كانت النار هي داره وهي مستقره، مأكله منها ومشربه منها وملبسه منها، وحياته كلها في النار والجحيم، عياذًا بالله. إذا كان صبغة واحدة أنسته نعيم الدنيا، أنسته نعيم الدنيا كله، فكيف إذا كانت النار هي داره ومستقره؟ انظروا عباد الله إلى حقارة هذه الحياة، وإلى حقارة هذه الدنيا، مهما تنعم فيها الإنسان، ومهما تقلب فيها في خيراتها، إن لم يكن مؤمنًا بالله، وإن لم يكن طائعًا لله، وإن لم يكن مستقيما على دين الله وعلى شرع الله، لم ينفع هذا النعيم الذي تنعم به في هذه الدار. ولذلك، هذا الكافر، وهذا المجرم، لو استطاع يوم القيامة أن يفتدي بالدنيا وما فيها، بل بأحب الناس إليه وأقرب الناس إليه، لفعل ذلك، مما يرى من عذاب الله جل وعلا الذي لا يستطيع أن يتحمله. قال الله جل وعلا: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾. وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. هذا حال الكافر، وهذا حال الفاجر الذي اقترف بهذه الدنيا، وبهذه الحياة، وبزخارفها ومتاعها وزينتها، فكان ذلك سببًا في شقائه في الآخرة، الشقاء الأبدي الذي لا سعادة بعده. نعم، عباد الله، فانظر أيها المسلم إلى حقارة هذه الدنيا، فاحذر أن تغتر بها، وأن تركن إليها، وأن تسعى إليها، وأن تضيع آخرتك لأجل دنياك، فتكون من الخاسرين يوم القيامة. إن الله عز وجل قد طلب من ابن آدم في هذه الدنيا ما هو أهون من ذلك، أن يقوم بعبادته، وأن يقوم بطاعته، وأن يفرده جل وعلا بالعبادة. والله عز وجل يجازيه في الآخرة بجنات النعيم. جاء في الصحيحين، من حديث أنس، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يقول الله عز وجل لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو كان لك من الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقول: نعم، يريد أن يفتدي به حتى ينجو من عذاب الله. فيقول الله: لقد أخذت أو طلبت منك ما هو أهون من ذلك وأنت في صلب آدم، أن تعبدني فلا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك بي». هكذا تذهب نعيم الدنيا، ويذهب متاعها، حين يرى العبد عذاب الله جل وعلا، ويرى الجحيم والنار، وما فيها من نكال عظيم، فلا تكون لهذه الدنيا مكانة، ولا منزلة، ولا قيمة عند صاحبها التي غرته في هذه الحياة. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، ذكر النبي عليه الصلاة والسلام حال أنعم أهل الدنيا يوم أن يغمس في النار غمسة واحدة، فينسى نعيم الدنيا، وما كان فيه من لذات وشهوات في هذه الحياة. ثم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام حال المؤمن في هذه الحياة، وفي هذه الدار، إذا كان من البائسين، وكان من الفقراء والمساكين. «يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة»، أبأس أهل الدنيا، أفقر الخلق، وأشدهم حاجة، وأكثرهم بؤسًا. لك أن تتخيل حال هذا الإنسان، حال هذا المؤمن الذي يعيش في هذه الحياة، وهو في غاية من البؤس والفقر. أبأس أهل الدنيا في مأكله، في مشربه، في ملبسه، في مسكنه، في مركبه، في سائر حياته. أبأس أهل الدنيا، لكنه من أهل الجنة. ما صده بؤسه وفقره أن يكون مطيعًا لله، ما كذلك منعه بؤسه وشدته أن يكون مستقيمًا على دين الله جل وعلا، محافظًا على الفرائض، مجتنبًا للمعاصي والمحرمات. يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة. انظر أيها المسلم، يا من ضاقت عليك الحياة، ويا من اشتدت عليك أمور الدنيا، ما دمت مطيعًا لله، ومستقيما على دين الله جل وعلا، فلا يغرك ما فاتك من هذه الحياة، ولا كذلك يمنعك ما فقدت من متاع هذه الدنيا. ما دمت مطيعًا لله، ومستقيما على شرع الله. قال عليه الصلاة والسلام: «فيغمس في الجنة غمسة واحدة»، وفي الرواية الأخرى: «فيصبغ في الجنة صبغة واحدة»، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت بؤسًا قط، ولا رأيت شدة قط. انظروا عباد الله، نسي تعب الدنيا، ونسي بؤس الدنيا، ونسي فقر الدنيا، ونسي شدة هذه الحياة التي مرت عليه في هذه الدار، من سنين عديدة، وهو في حالة يرثى لها من قلة ذات اليد، ومن فقر وحاجة. نسي ذلك كله بغمسة واحدة في الجنة، بغمسة واحدة في الجنة، رأى فيها ما رأى من النعيم، فنسي بؤس الدنيا. فكيف إذا دخلها؟ وكيف إذا سكنها؟ وكيف إذا عاش فيها؟ كيف إذا سكن قصورها المبنية من الذهب والفضة؟ كيف إذا أكل من طعامها، وشرب من شرابها؟ كيف إذا نكح نساءها من الحور العين، التي خلقهن الله جل وعلا لأهل الجنة؟ كيف سيكون حاله؟ فلا شك ولا ريب أنه سيذهب عليه ما لقيه في هذه الدنيا من تعب ونصب. هذا حال هذه الحياة، أيها المسلم، وحال هذه الدار، التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء». رواه الترمذي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه. لو كانت الدنيا تساوي جناح بعوضة، لم يمسك منها الرب ذا الكفران، لكنها والله أهون عنده من ذا الجناح القاصر الطيراني. يا عباد الله، نعيم يتنعم به الإنسان في هذه الحياة، ويتقلب فيه، ينسى بصبغة واحدة في النار. إذن، هذه الدنيا حقيرة، لا تساوي شيئًا، وليس لها منزلة عند الله. ألا فاحرص أيها المسلم أن تكون مستقيمًا على دين الله، وملازمًا ومحافظًا على فرائض الله، ومجتنبًا للمعاصي والمحرمات. وما هي إلا أيام وأشهر وسنين ستمر عليك سريعة، ما بينك وبين دخول الجنة أو النار إلا أن تموت، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك». ألا فاحرص أيها المسلم على نزول أعمال أهل الجنة حتى تكون من أهلها، وأن تجتنب أعمال أهل النار حتى تنجو من عذابها ونكالها. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.