الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الدرس يبدأ بشرح آية قرآنية تؤكد وجوب الدخول في الإسلام كاملاً دون انتقائية أو ابتداع طرق جديدة. يُوضح أن الإسلام هو الدين المقبول عند الله بعد بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
يتم تفصيل مفهوم الخسارة في الآخرة، حيث تُفرق بين الخسارة الكبرى للأكفار والخسارة الصغرى التي قد تشمل المسلمين المبتدعين. يُوضح أن الخسارة الحقيقية تُحسب بناءً على الآخرة وليس الدنيا.
يُؤكد الدرس على أن التمسك بالإسلام هو السبيل لتجنب الخسارة في الآخرة، مشيرًا إلى أن كل من لم يلتزم بالإسلام يعتبر خاسرًا، سواء كان كافرًا أو مسلمًا مبتدعًا.
يختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على العلم الإلهي والرغبة في نيل الرضا الإلهي والبركة.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. هذه الآية هي من أوائل الآيات التي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا التأليف، والذي مر معنا في درس أمس، حيث بوّب بقوله: «باب وجوب الدخول في الإسلام»، وذكرنا ما فيه من فوائد ومسائل حري أن نتعرف عليها. فبعدما بوّب رحمه الله تعالى هذا التأليف، استدل لهذا الباب بهذه الآية. قوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. وهذه الآية، إخواني في الله، من تأمل فيها وجد أنها اجتمعت على شرط وعلى جزائه. الشرط بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينا﴾، وجزاؤه جوابه: ﴿فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينا﴾، من الذي يدخل في هذه الآية؟ يدخل في هذه الآية أولا كل من أراد أن يتقرب إلى الله جل وعلا بدين غير دين الإسلام. فيدخل في ذلك كل ملّة من يهودية، نصرانية، إلحادية، بوذية، مجوسية، كسائر الأديان. قد يقول قائل: حتى الكتابي؟ ومما يدل على ذلك من أصل الآية، ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينا﴾، نكرة وقد جاءت في سياق الشرط، وهي تفيد العموم. تفيد العموم، فأي دين ينتحل به نحلة يظنها تقربه إلى الله جل وعلا، فهو يدخل في هذه الآية، سواء كان كتابيا أو غير كتابي. وأيضا مما يدخل في هذه الآية: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينا﴾، كل من أراد أن يتقرب إلى الله جل وعلا بطريقة غير الطريقة التي جاء بها الإسلام. الإسلام ذكر وبيّن لنا الطرق المؤدية والموصلة إلى الله جل وعلا، وذلك عن طريق الأخذ بكتاب الله والأخذ بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام. فمن ارتأى أنه بإمكانه أن يصل إلى الله من غير الأخذ بالكتاب ولا بأخذ من السنة، وإنما عن طريق الأهواء والبدع والمحدثات، فإن هذا ممن يدخل في الآية. فهؤلاء اتخذوا وابتغوا دينا غير دين الإسلام. ولهذا يستدل العلماء على أن المبتدع ما يتخذه لنفسه من بدع وطرائق تسمى دينا، أنهم يستدلون عليهم بقول الله جل وعلا: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾. فتجد أن أهل السنة قاطبة يستدلون بهذه الآية على أهل البدع بأن ما التزموه من البدع تعد دينا. ولهذا فالمبتدع، أيًا كانت نحلته، إذا وجد أن الطريقة التي يسير عليها هي الطريق الأفضل من طريق الإسلام، فهو يدخل في الآية. مثل الخوارج والمرجئة والقدرية وهكذا، قل الأشاعرة والماتوريدية والصوفية، وجماعات من أهل الملل والنحل. هؤلاء اتخذوا طريقة يرون أن طريقتهم أهدى وأفضل وأبيّن وأحسن مما جاء الله به في كتابه، ونبينا في سنته عليه الصلاة والسلام. ولهذا هم أيضا يدخلون في هذه الآية: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينا﴾. جزاؤه جوابه: قال سبحانه: ﴿فلن يقبل منه﴾. لن يقبل منهم الذي أتوا به. فإذا جاء اليهود بيهوديته، أو جاء النصراني بنصرانيته عند الله جل وعلا، فإن الله يردها على وجهه. وهذا مقيد إذا جاءوا بذلك بعد بعثة رسول الله عليه الصلاة والسلام بهذا القيد. أما إن جاء اليهود بيهوديته وهو على دين موسى، فهذا يقبل. أو جاء النصراني بدين النصرانية على ملة عيسى، فهذا يقبل، أي في أزمانهم. لكن بعد بعثة محمد عليه الصلاة والسلام، فإن هذه الأديان نسخت، فلا بقاء لها. فمن أراد أن يتعبد الله باليهودية بعد بعثة محمد، فلن يقبل منه. ومن تعبد الله بدين النصرانية بعد بعثة محمد، لن يقبل منه. وهكذا قس سائر الأديان والملل، فلن يقبل منه. وهكذا قل في حق أهل البدع والحوادث والمحدثات. فمن جاء بطقوس، أو جاء بأعمال، أو أقوال، أو أوراد، وظنها أنها طريقة يتعبد بها الرب سبحانه وتعالى، فلن يقبله الله منه. وسيأتي معنا في قوله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». ما يقبله الله، لا من الكافر ما جاء به من طريقة وملة، ولن يقبل الله من المبتدع ما جاء به من طقوس وأعمال وبدع ومحدثات. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. قال العلماء: الخسارة على نوعين: خسارة كبرى وخسارة صغرى. الخسارة الكبرى هي الخسارة التي بها لن يدخل صاحبها الجنة البتة، وإنما يقع في نار جهنم خالدا مخلدا فيها. وهذا كل من أتى بطريقة أو ملّة غير ملّة الإسلام، فهذا خالد مخلد في نار جهنم، لن يدخل الجنة البتة. وهذا الحكم، إخواني في الله، ليس فقط ينطبق على من هو الذي تدين بهذا الدين، لا. قد يكون شخص مسلم، مسلم بين أظهرنا، إلا أنه يسوغ للآخرين جواز الدخول. كمن يفتح الباب على مصراعيه، يقول: أشفي إن شئت كن يهودية، وإن شئت كن نصرانية. حتى بعضهم يقول: أنا ما أرى أي حرج أني أكون اليوم مسلم، وغدا أكون يهودي، وبعد غد أكون نصراني، ثم أرجع للإسلام. قال: كلها مثل المذاهب الأربعة، كلها مثل المذاهب الأربعة. أتنقل منها من هنا ومن هنا كيف أشئت. فمن سوّغ هذا، فهذا مرتد بإجماع العلماء، هذا مرتد كافر. إذا فتح الباب بهذه الطريقة أن يجعل مسلم يتنقل من دين إلى دين، وهو قد يكون لازال معنا مسلم، يقول: أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنا محمدا رسول الله، لكن غيري له أن يحب أن يخرج يخرج. تريد أن تجرب، جرب يا أخي اليهودية، طيبة فيها التلمود، فيها التوراة، فيها تعاليم. أو إذا أحببت أن تتعلم الرهبانية، فعليك بالنصرانية، طيبة ادخل في النصرانية حتى شهر، شهرين، ما في شيء. لا، إيش هذا؟ شهر، شهرين، هذا كفر. فالذي يدخل كافر، والذي ما دخل لكنه يسوغ الدخول، فهو كافر أيضا. فهو في الآخرة من الخاسرين. هذه الخسارة الكبرى. ونوع آخر من الخسارة، وهي الخسارة الصغرى، هي دون ذلك. وهو الذي يمنع من دخول الجنة الدخول الأولي. يدخل أهل الجنة الجنة، لكن هؤلاء يحبسون، يمنعون من الدخول مع الأوائل. هؤلاء الذين اقترفوا البدع والمحدثات، يؤخرهم الله عز وجل على قدر مخالفتهم، وهم أيضا تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى. أو أنهم ما يسلمون من العذاب، ما يسلمون من العذاب، بل لابد أن تلفحهم النار، وذلك على قدر مخالفتهم وعلى قدر ذنبهم، وهم كذلك تحت مشيئة الله جل وعلا. وهذا الذي يسميه العلماء بالخسارة الصغرى. وأولئك وهم في الآخرة من الخاسرين. مع التنبيه أيضا على مسألة مهمة، وهي أن هذه الخسارة، نقصر الخسارة الكبرى، تشمل كل كافر. قد يقول بعض الناس، وقد يجد في قلبه الحرج، يقول: كل كافر، هل ترون أن هذا من العدل؟ يقول: وكيف ذاك؟ يقول: يا أخي، أنا عاشرت النصارى، فرأيت منهم القسيسين، رأيت منهم الأحبار والرهبان. أتدري أنا أتحدث عن من؟ أتحدث عن رجل ولد ونشأ وترعرع في الكنيسة، ما يعرف حراما وما خاض في الحرام، بل متبتل، انقطع عن النساء، ما تزوج. كل ذلك في خدمة الرب، على دينه، لكن يخدم دينه. هل هذا في الآخرة من الخاسرين؟ هل هذا مخلد في نار جهنم؟ أو يتحدث عن يهودي، لو ربما هو منكب على تعاليم التوراة، لا يعرف خمرا ولا يعرف حراما ولا يعرف شيئا، وإنما منكب على تعاليم التوراة، يتعلمها لنفسه ويعلمها لغيره. أهذا في الآخرة من الخاسرين، خالد مخلد في نار جهنم؟ أو يحدثني كذلك عن بعض المبتدعة الذين رفعوا بعض الرايات، كرايات التعبد. منهم من هو عابد زاهد، منهم من هو ربما بكاء، يبكي الليلة والنهار. هل هذا كذلك يخسر من الخاسرين؟ ولن يقبل الله ما جاء به من طريقة؟ الجواب: نعم، هؤلاء في الآخرة من الخاسرين. فكل من لم يتمسك بالإسلام، إما من أصله كان يتخذ دينا غير دين الإسلام، أو اتخذه كيفية وطريقة غير الطريق الذي جاء به الإسلام، فهو خاسر، إما خسارة كبرى أو خسارة صغرى، بغض النظر عما جاء به من عبادات وتعبدات. وقد مر معنا وتذكرون حديث الخوارج: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم»، ومع ذلك «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». مع التنبيه أيضا على فائدة: الكافر من عدل الله، من عدل الله، أن الكافر إذا فعل حسنة في الدنيا، فإنه يطعم بها. يطعم بها، لا يظلمه ربنا عز وجل خيرا فعله. نعم، الكفار ما يستوون. هناك كافر فاجر، منبعث على فعل الفواحش والمنكرات. وهناك كافر، نعم كافر، لكنه خير، خير، يعطي الأرامل، يعطي المساكين، يصل أرحامه، له سلس هي محب للخير. فهذا الذي يفعله من خير، يعطيه ربنا، يعطيه ربنا في دنيا من صحة، ومن سلامة، ومن مال، ومن نعمة، يعطيه ربنا، لا يظلمه ربنا. لكن الشاهد: وهو في الآخرة من الخاسر. العبرة بالآخرة، أخواني في الله، العبرة بالآخرة. وهذا كذلك فيها فائدة لنا: ليس المقياس الدنيا، ليس المقياس الدنيا. بعض الناس، إخواني في الله، لربما يتشكك في دينه، يقول: يا أخي، إذا كنا نحن على الحق، فعلى ما نجد الكفار لهم الظفر، لهم النصر، لهم القوة، لهم السيادة، لهم الريادة؟ لماذا هم كذلك ونحن أهل الإسلام على الحق، لنا الخزي، لنا الضعف، لنا الفقر، لنا التخلف؟ فنقول: يا عبد الله، هذا ليس معيار. المعيار ليس الدنيا، المقياس الآخرة. عمر رضي الله تعالى عنه عندما دخل على رسول الله، ووجد ما أصاب نبينا من الفقر، حتى بكى بكى عمر، فاستيقظ نبينا على إثر بكاء عمر، قال: «ما يبكيك؟» قال: يا رسول الله، أنت رسول الله، وهذا الحصير قد أثر على جنبك، وما أرى من بيتك إلا قفيز شعير، هذا الذي تملكه. وهؤلاء الفرس والروم يعيشون في الجنات والأنهار. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ أما ترضى؟» قلت: بلى يا رسول الله. قال: «فاحمد الله». قال: «فاحمد الله». العبرة بالآخرة، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. فلا تقيس يا عبد الله بما يعطاه الكافر من نصر أو ظفر أو فتوحات في هذه الدنيا، فالعبرة في الآخرة. ولهذا قال ربنا عز وجل: ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. فهذه، الإخوانين في الله، ما اجتمعت عليه هذه الآية من مسائل، والشاهد من المؤلف رحمه الله تعالى واضح جلي في هذه الآية، أعظم دلالة على وجوب الدخول في الإسلام، إذ أنه من لم يدخل في الإسلام ودخل في غيره، فإن الله لن يقبله منه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.