الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 14، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وقد فسر بأنه الإسلام أو القرآن أو اتباع سنة الرسول. هذه التفسيرات متلازمة ولا تعارض بينها.
اتباع الصراط المستقيم وهو الإسلام أمر واجب، وهناك طريق واحد يوصل إلى الله. السبل الأخرى تكون معوجة وتؤدي إلى الضلال.
الطرق السريعة التي يروج لها لتحقيق أهداف كبيرة مثل إقامة دولة إسلامية مؤدية إلى الهلاك. الشبهات والبدع تصرف الناس عن الصراط المستقيم.
المؤلف يأمل أن يكون قد أشار إلى مسائل مهمة ويدعو الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال إمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه "فضل الإسلام": قال وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، قال مجاهد: السبل البدع والشبهات. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية في معرض كلامه في ذكر الآيات الدالة على باب وجوب الدخول في الإسلام، فذكر هذه الآية التي بين أيدينا، قال الله جل في علاه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، أمر ربنا جل وعلا باتباع الصراط المستقيم، فيا ترى ما معنى الصراط المستقيم؟ الصراط في لغة العرب بمعنى الطريق، وبعضهم يعبر بأنه الطريق الواسع، وأما المستقيم بمعنى الذي لا اعوجاج فيه، فالصراط المستقيم بلسان اللغة هو الطريق الواسع الذي لا اعوجاج فيه. وأفاد ابن القيم رحمه الله تعالى بفائدة طيبة متعلقة بهذا الأمر، فذكر رحمه الله تعالى أن الطريق لا يكون صراطًا إلا بخمسة أمور، أي ليس كل طريق يسمى صراطًا، فذكر رحمه الله تعالى خمسة أمور إذا توفرت في شيء من الطرق حينها يسمى صراطًا، قال: أولًا أن يعين أنه طريق، التعين ثانيًا أن يكون مستقيمًا، ثالثًا أن يكون فيه قرب، رابعًا أنه يوصل إلى الهدف، خامسًا أن يسعى المارين عليه، فهذه خمسة أمور اشترطها رحمه الله تعالى من كلام العرب في الطريق الذي يسمى صراطًا: لابد أن يعين، ولابد أن يكون مستقيمًا، ولابد أن يكون فيه قرب، ولابد أن يكون موصلًا للهدف، ولابد أن يكون فيه سعة بحيث يسعى المارين عليه. هذا ما يتعلق بالصراط في لغة العرب، لكن ما معنى الصراط المستقيم في لسان الشرع؟ الصراط الذي أمر الله جل وعلا بالسير عليه، العلماء رحمهم الله تعالى لهم عدة أقوال في هذه المسألة، فمن قائل بأن الصراط المستقيم هو القرآن، وذلك بالأخذ به، ومن من قال بأن الصراط المستقيم هو الإسلام، وذلك بأخذ تعاليمه، ومن قال بأن الصراط المستقيم هو محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وذلك باتباع سنته. وإن الناظر إلى هذه الأقوال المذكورة في تعريف الصراط المستقيم -إما قرآن أو الإسلام أو الرسول عليه الصلاة والسلام- من أمعن النظر في الثلاثة يجد أنها لا تضاد بينها، لا تضاد بل إنها فيما بينها تلازم، إذا أخذت بالأول سيلزمك أن تأخذ بالبقية، فمن أخذ بالإسلام، وهل يمكن أن تأخذ بالإسلام من غير الأخذ بالقرآن والسنة؟ مستحيل، ومن أخذ بالرسول وقال الصراط المستقيم هو الرسول، هل يمكن أن تأخذ بالرسول وتستغني عن الإسلام والقرآن؟ مستحيل، فهي متلازمة. ولهذا الصراط المستقيم هو اتباع ما أمر الله باتباعه، ما أمر الله باتباعه أمر باتباع دينه وهو الإسلام، أمر باتباع كتابه وهو القرآن، أمر باتباع نبيه وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا هو الصراط المستقيم. ومن ذهب إلى أن الصراط المستقيم هو الإسلام استدل بما رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه بإسناد صحيح من حديث النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، أدخلوا الصراط ولا تتفرقوا»، الحديث بطوله، في آخر الحديث قال عليه الصلاة والسلام: «وهو الإسلام»، إذن فالصراط المستقيم يطلق على الإسلام، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى، فهذا معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. هنا مسائل إخواني في الله نذكرها من فوائد هذه الآية وتفيدنا فيما نحن بصدده، أولاها إخواني في الله: فيه وجوب لزوم الإسلام، وهذا الذي بوجه عليه المؤلف في باب وجوب الدخول في الإسلام، وذكر من هذه الآيات هذه الآية الواضحة الدلالة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، نحن ملزمون باتباع الإسلام لأنه الصراط الذي ارتبه الله لعباده. يقول إمام السعدي رحمه الله تعالى: "فالهداية إلى الطريق لزوم دين الإسلام وترك ما سواه من الأديان"، هذا مقتضى هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾. فائدة أخرى من هذه الآية وهي: قال سبحانه: ﴿صِرَاطِي﴾ أضاف الصراط إلى نفسه العلية جل في علاه، قال العلماء: إضافة الصراط إلى الله سبحانه وتعالى ذلك لسببين اثنين، السبب الأول: لأن الله جل في علاه هو الذي وضعه وهو الذي أقامه وشرعه، فهو يضاف إليه، ما هناك أحد ولا يمكن لأحد أن يضع للبشرية طريق يسيرون عليه جمعًا إلا الله جل في علاه فعلًا، فأضاف الصراط لنفسه العلية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾. والسبب الثاني: أن الصراط أضيف إلى الله قال العلماء: لأنه موصل إلى الله سبحانه وتعالى، موصل إليه، فكان يضاف إلى الرب جل في علاه. الفائدة الثالثة من هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، تلاحظ يا عبد الله أن الله جل وعلا عندما ذكر الطريق الموصل إليه أفردها فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾، وعندما ذكر سبحانه وتعالى في نفس السياق الآية في نفس السياق عندما ذكر الطرق الموصلة والخارجة عن الإسلام عبر عنها بالكثرة والجمع: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، السبل، وهذا يدلك على أن الصراط الذي أراده الله جل وعلا بل إن الصراط الذي يوصل إلى الله هو صراط واحد. وهكذا قس في كل طريق وسبيل جعله الله إليك ما يكون إلا مفردًا موحدًا، فالسبيل والطريق الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو سبيل واحد، قال ربنا على لسان رسولك: «قل هذه سبيلي»، ما قال: "هذه سبل"، سبيلي، وإن الله جل وعلا عندما اصطفى الفرقة والطائفة اصطفاها بالنجاة في الدنيا والآخرة هي واحدة، كما قال نبينا: «كلها في النار إلا واحدة»، فالطريق واحد والصراط واحد والفرقة واحدة والسبيل والسنة واحدة، إذا ما عندي طرق، ما عندي فرق. وهناك رسالة نافعة للشيخ الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله تعالى حفظه الله تعالى وأطال في عمره وأبقاه، رسالة بعنوان "جماعة واحدة لا جماعات وصراط واحد لا عشرات"، يقرر في هذه القاعدة الربانية على أن الذي يوصل إلى الله شيء واحد. فما نسمعه من كثير من الناس على مستوى العموم أن الأديان كلها توصل إلى الله كذب، ما كلها توصل، الأديان ما توصل إلى الله دين واحد فقط يوصل إلى الله، ومن ظن أن هذه الفرق الموجودة على الساحة الإسلامية والدعوية أنها كلها توصل إلى الله هذا كذب وافتراء، هو السبيل واحد، نبينا ما أتى إلا بطريق واحد يسلك، فما عندي عدة طرق ولا عندي عدة سبل ولا عندي عدة جماعات ولا عندي عدة فرق، عندي فرقة واحدة، طريق واحد، صراط واحد، جماعة واحدة لا جماعات وصراط واحد لا عشرات. ومما يستفاد كذلك من هذه الآية إخواني من الفوائد: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، إذا كان من مقتضى الصراط أن يوصل إلى الله جل وعلا أن يكون صراطًا مستقيمًا، فإن السبل التي خرجت عن الجادة فإنها تفتقر من الاستقامة، فلا تكون إلا معوجة، مع كثرتها هي معوجة. ويؤيد هذا المعنى معنى الاعوجاج في السبل التي خرجت عن جادة الإسلام وانحرفت عن الصراط المستقيم ما رواه الإمام الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما خط خطًا في الأرض، ثم خط خطوطًا عن يمين هذا الخط وعن شماله، خط خطوطًا متعرجة، فأشار إلى هذا الخط بأنه الصراط المستقيم، وأن هذه سبل، ما من سبيل إلا وعليها شيطان، فأشار نبينا بحديثه وتمثيله إلا أن طرق الشيطان كثيرة وكثيرة، ما هي؟ كثرها الله، الطرق المؤدية إلى الضلال والهلاك كثر وهي كذلك، مع كثرتها مع هلاكها يقترب بها بعض الناس لقصرها قصيرة قصيرة، ولا يتفطن إلى اعوجاجها ولا يتفطن إلى اعوجاجها. ولهذا إخواني في الله لا تقترب بما تسمع بين الفينة والأخرى من طرق سريعة المفعول سريعة المفعول، كحال من يريد أن يؤسس ويقيم دولة إسلامية أو سهل سهل جدًا، أزح هذا الرأس وأضف رأسًا آخر وأقم الدولة الإسلامية هكذا، أو استولي على قبة البرلمان وستغير كل شيء مساء للتشريع والتشريع سيتغير جذريًا، لكن عليك بقبة البرلمان، وتهي الأمر، إيش هذا؟ الحلول السريعة المفعول هذا ليس من طريقة الله عز وجل، هذه سبل سريعة لكنها مؤدية إلى الهلاك. والواقع خير شاهد، الواقع خير شاهد، فعبد الله الصراط المستقيم أن تأتي بالإسلام بالذي أمرك الله جل وعلا به، وإن طال بك النفس استمر بك، صاحبي لما رأى الدربة دونه وأيقن أن لاحقين بقيصرة قلت: لا تبكي عينك إنما نحاول ملكًا أو نموت فنعذر. لا يمشي يا عبد الله، فإن توفاك الله وأنت على هذا الطريق توفاك الله على حسن خاتمة، ولا تمشِ يا عبد الله إلى هذه الطرق المعوجة السريعة لكن سرعان ما توصل إلى هلاكك وخاتمتك والفقر. الفائدة الخامسة من هذه الآية إخواني في الله ما ذكره مجاهد رحمه الله تعالى كما استدل بذلك المؤلف عندما أورد المؤلف هذه الآية، قال مجاهد: والسبل هي البدع والشبهات، هذا ليس من باب الحصر، السبل كثيرة ليست اثنتين وليست خمسة بل كثيرة لا كثرها الله، لكن مجاهد رحمه الله تعالى أشار إلى أضرها وإلى أشدها وأشنعها وأعظمها فتكًا بعباد الله، أعظم شيء صد الناس عن الإسلام عن اعتناقه أو التمسك به أو الاستمرار به أو الأخذ بحقيقته، أعظم ما صد الناس هذان الأمران: الشبهات والبدع. وتجد أن أهل الكفر إذا أرادوا أن يبعدوا الناس عن دين الله جل وعلا اتكأوا أعظم اتكاء على هذا الباب، أشد من اتكاهم على بث الشهوات، اتكأوا على مسألة البدع، فلا زالوا قديمًا ولا زالوا والحقائق تثبت ذلك، كم من أهل البدع والضلال من فرق محسوبة على الإسلام أو خارجة عن الإسلام من القديانية والبهائية كانت تدعى من قبل بريطانيا، ولا زالت فرق ضالة، سأل أهل أوروبا عن مراكز أهل البدع من الروافض وغيرهم من يدعمهم؟ أيادي كافرة تدعم هذا البدع. وقد صدق من قال من سلفنا: "البدع طرق بريد الكفر"، بريد يوصِّل إلى الكفر، ولهذا يهتمون أيما اهتمام أي الكفر بمسألة زراعة البدع وبث أهل البدع في ديار الإسلام، وانظر يا عبد الله بما ابتلت به دول الإسلام، دول الجوار في ليبيا في العراق في أرض اليمن في لبنان في سوريا الروافض، ولا زال لهم غطاء ودثار يحميهم، ولا يخفى هذا على أحد من العقلاء فضلًا عن العامة، يؤازرونهم لأن البدع هم صمام أمان وجود الكفر والعياذ بالله. وأيضًا الشبهات، الشبهات فلا زال الكفار وهكذا المبتدعة يحومون حول الشبهات يبثونها بين الفينة والأخرى عبر إعلامهم، محاضراتهم، كتبهم، لأنهم من أعظم ما يصد الناس عن دين الله جل وعلا البدع والشبهات. ولاحظ أن البدع والشبهات تقاربت على أمر هناك أمر يجمعهما وهي أنها مشوبة أو مشابة بشائبة الحق والخير، شائبة الحق وشائبة الخير، البدع فيها شائبة الخير، والشبهات فيها شائبة الحق، وهذا الذي أدى إلى انتشارها وإلى أن يبتلى الناس بها، فحق لمجاهد رحمه الله تعالى أن ذكر أن أعظم سبل صدت الناس عن الصراط المستقيم قال رحمه الله تعالى: البدع والشبهات. ولعل سيأتي من كلام المؤلف رحمه الله تعالى ما فيه إشارة لهاتين المسألتين، أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.