الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 20، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يفسر الأثر الذي يفيد بأن كل عام يكون شرًا من الذي قبله، مشيرًا إلى أن هذا الشر يتعلق بنقص العلماء وخيار الناس. هذا التدهور يؤدي إلى تدهور الدين.
يشرح كيف أن ذهاب العلماء يؤدي إلى نقص في الدين، إما بوفاتهم أو بعدم الرجوع إليهم، وأن الركون إلى الآراء والقياس الفاسد يسبب هدم الإسلام وتشويهه.
يُحذر من استخدام العقل والقياس الفاسد في الدين، مستشهدًا بقصة إبليس التي تبين كيف أوقعته هذه الأسباب في المعصية، ويحذر المسلمين من الوقوع في الشرك والضلال بنفس الأسباب.
ينهي الحديث بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، معبرًا عن الاحترام والتقدير لهم، ويختتم بالتأكيد على العلم الإلهي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن محمد بن وضاح أنه -أي حذيفة- كان يدخل المسجد فيقف على الحلق فيقول... فذكره. وهذا الكلام إنما هو تتمة للأثر السابق، وهو ما مضى معنا من أن حذيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: يا معشر القراء استقيموا، فإن استقمتم فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا. هذا أين كان يذكره؟ ذكر محمد بن وضاح رحمه الله تعالى، وهو صاحب كتاب البدع والنهي عنها، وهو من أشمل وأوسع الكتب التي اختصت بذكر الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين في باب البدع. وكان حذيفة يدخل المسجد فيقف على الحلق فيقول هذا الكلام، أي حاثًا أهل الحلق ومجالس العلم من طلابي ومن حمله بما سمعت وبما مر معنا. ثم قال رحمه الله تعالى: وأنبأنا سفيان عن عيينة عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه: ليس عامٌ إلا والذي بعده شرٌ منه، لا أقول عامٌ أمطر من عام، ولا عامٌ أخضب من عام، ولا أميرٌ خيرٌ من أمير، لكن ذهاب علمائكم وخياركم، ثم يُحدث أقوامٌ يقيسون الأمور بآرائهم فيهدم الإسلام ويُثلم. هذا الأثر من كلام عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وكما ذكرنا أن المؤلف -وهو الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى- عندما يُبوي بالأبواب يبدأ أولًا بذكر الآيات ثم الأحاديث ثم الآثار المنقولة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهذا الأثر الذي بين أيدينا أثرٌ عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهذا الأثر رواه الدارمي رحمه الله تعالى في سننه، وهكذا ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، وهكذا ذكره الهيثمي رحمه الله تعالى في مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه مجالد بن سعيد، وقد اختلط. هذا الأثر إخواني في الله مما أراد فيه عبد الله بن مسعود قوله: ليس عامٌ إلا والذي بعده شرٌ منه، أي لا يأتي زمان إلا والزمان الذي يأتي بعده فيه شر إضافي، وفيه شر زيادة عن العام الذي نحن فيه. وهكذا يدخل العام الذي بعده وفيه كذلك من الشر ما لم يكن في العام الذي قبله، وكلما دخلت في الأعوام كلما رأيت من الشرور ألوانًا وأشكالًا وأصنافًا. هذا الذي أراد ابن مسعود أن يبينه رضي الله تعالى عنه، لكنه فصل وأراد أن يبين لك أين مكمن الشر وما هي صور الشر الذي تزداد عامًا بعد عام. فقال رحمه الله تعالى: ليس عامٌ إلا والذي بعده شرٌ منه، لا أقول عامٌ أمطر من عام، ولا عامٌ أخضب من عام، ولا أميرٌ خيرٌ من أمير، أي لا تفهم من كلامي أني أتكلم عن هذه المسائل. يعني لا يرون أن يتكلم عن حالة الطقس، فأقول أن الأمطار عندنا طيبة وكثيرة بخلاف ما سيأتي على الناس، سيأتي عندهم قحط وجدب وجفاف. لا أنا ما أعني هذا، ولا أعني أن هذه الأزمان الأولى سيكون فيها من الخصب ومن المرعى ومن العشب الكثير، ما أن الزمان الذي يأتي بعده سيقل هذه المراعي. لا أنا ما أعني هذا، ولا أتكلم عن باب الإمارة بأن الأمراء في هذا الزمان -الزمن الأول- عندهم من القوة وعندهم من الإيمان وعندهم من نظام الإمارة والملك والحكم ما هو أفضل ممن يأتي بعده، ممن يأتي بعده. لا أتكلم عن نظام الحكم ولا عن نظام الإمارة، إذا ما الذي يعنيه ابن مسعود؟ أين الذي يقول أن ما يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه؟ أين الشر؟ أين يكون النقص؟ سيتحدث الآن ابن مسعود رحمه الله تعالى عن مكمن النقص. قال رحمه الله تعالى: ولكن ذهاب علمائكم وخياركم، هنا النقص، هذا هو وجه الشر الذي سيجده الناس، وذلك في نقص الدين، ليس في نقص الدنيا. ليس النقص إخواني في الله ما يكون من نقص المراعي أو الأمطار أو حياة الأبهة والترف الذي يطلبه الناس. الشر مكمن في نقص الدين، هذا الزمان الأول فيه الدين أكمل وأقوى، الزمن الذي بعده ينقص، والذي بعده ينقص، والذي بعده ينقص وينقص وينقص. ما الذي ينقص في حياتنا؟ هو الدين، يكمل الدين ينقص. وأشار رحمه الله تعالى إلى إشارة إلى أين مكمن النقص في الدين؟ هو بذهاب أهله، بذهاب المستقيمين، بذهاب الملتزمين بالدين، على رأسهم بذهاب حملة الدين، يذهبون شخصًا بعد شخص، شخصًا بعد شخص. هذا الذي أراد، وله رحمه الله قال: ولكن بذهاب علمائكم وخياركم. وذهاب العلماء إخواني في الله له عدة أوجه، كيف يذهب العلماء من الزمان؟ إما يكون ذهابًا حقيقيًا، وجه ذلك بأن الله سبحانه وتعالى يقبض أرواحهم، فتجد أن العلماء والأخيار قلة، لأن أرواحهم قبضت، كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور الناس، ولكن ينتزع العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا». فالسؤال هنا: كيف كان ذهاب العلم بقبض حملته؟ تجد في بعض المجتمعات إذا أردت أن تحصي أهل العلم لا تجدهم يتعدون أصابع اليد الواحدة، لأنهم قلة. هذا وجه من وجه ذهاب العلم. وهناك وجه آخر لذهاب العلم، ألا وهو الذهاب المعنوي، أنك تجد في بعض الفترات أو قل في بعض الأماكن تجد أن العلماء كثرة، وأن حملة العلم من قلبه ومن دعاتهم كثير، قد ملأوا المساجد والجوامع، لكن ذهابهم ماذا؟ بعدم رجوع الناس إليهم، أي أصبح وجود العلماء كعدمه، وجودهم كعدمه، ما أحد يحتاج إليهم، ما أحد يرجع إليهم. هذا يسمى الذهاب المعنوي، وما صور وما سبب ذلك؟ سبب ذلك هذا الذي يذكره لنا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في هذا الأثر، قال رحمه الله تعالى: لكن ذهاب علمائكم وخياركم، ثم يحدث أقوام يقيسون الأمور بآرائهم فيهدم الإسلام ويُثلم. إذن كان من سبب عزوف الناس عن الرجوع إلى العلماء وإلى أهل العلم هو الركون إلى عقولهم إلى آرائهم، أنهم فتحوا هذا الباب -باب القياس- قاسوا الأمور، وجدوا أنفسهم أنهم ليسوا بحاجة إلى العلماء. وهذه من أعظم البلايا التي ابتليت بها الأمة، حيث استطاع جماعات من الناس أن يبعدوا أنفسهم عن العلم وعن مضمار العلم وعن حملة العلم. انظر يا عبد الله إلى أول زمن الخوارج، ما الذي أبعدهم وأخرجهم عن دائرة التمسك بالصراط المستقيم؟ هو قياس، قاسوا الأمور بعقولهم فخرجوا. القدرية قاسوا الأمور بآرائهم وأهوائهم فخرجوا، المرجئة خرجوا، ثم قس على ذلك باقي الفرق ممن عطل أسماء الله وصفاته من المعطلة، من المشبهة، من المجسمة. ما الذي أقحمهم؟ هو أنهم قاسوا الأمور بآرائهم بعقولهم، فهم يرون أن ما هم فيه -ما هم فيه من الرأي ومن القياس- يكفيهم ويغنيهم عن الرجوع إلى العلم والعلماء. فكان هذا سببًا عن عزوف الناس عن أهل العلم، بتركهم العلماء. ثم جاء كذلك الخلوف بعد ذلك وأدخلوا مسألة القياس حتى في الفقهيات والتوسع في هذا الباب أيما توسع. هذا الفعل إخواني في الله ما الذي مؤدى ما ذكره ابن مسعود في آخر أثره؟ قال: فيهدم الإسلام ويُثلم، يخدش، تكون فيه ثلمة، خج وكسر بسبب هذا الفعل الذي صنعه الناس. وهنا إخواني في الله تأتي مسائل مستفادة من حديث عبد الله، من أثر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. أولًا: أن هذا التفسير الذي فسر لنا أنه ما يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، فيه إشارة إلى التفسير الصحيح لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري من حديث أنس، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه». فإن قال قائل: وأين الشر هنا؟ يأتي أثر ابن مسعود، إنما الشر يكون بذهاب الخير وانتشار الشر، هنا الشر الذي يعنيه نبينا، ليس المقصود به حياة الدنيا ومصالح الناس، لا، إنما الشر بنقصان الدين. وقد أشار نبينا إلى ذلك كما جاء في الصحيح، قال: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فيقبض العلم، وينقص العمل، ويكثر الهرج». قيل: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: «القتل، القتل». فهذا من صور انتشار ونقصان الخير، أن يكثر الشر في الأمة. والفائدة الثانية من أثر ابن مسعود: البيان لأن من أعظم ما يكون من نقصان الخير والدين في الأمة ما يكون بذهاب الأخيار، بذهاب أهل الصلاح، بذهاب العلماء. وقد أشار إلى ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم كما في قوله: «يأتي على الناس زمان خيرهم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فدل على أن أفضل الناس من كان في زمنه، ثم ينقص الخير بنقصان أهله، بذهاب الخير عنهم. وهكذا من أثر ابن مسعود يستفاد كذلك أن من أخطر ما يوقع الناس في الشر هو استخدام الأقيسة -والمقصود بالأقيسة الأقيسة الفاسدة- إدخال العقول، إدخال الآراء. انظر ما الذي أوقع إبليس في الذي أوقعه فيه حتى جلب على نفسه سخط الرب سبحانه وتعالى؟ ما أوقعه فيه إلا أنه أدخل عقله، استخدم القياس، عندما أمره ربه جل وعلا بأن يسجد لآدم، قال: «أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين». كيف هذا؟ كيف أيهم أفضل يا رب؟ النار ولا الطين؟ هو في مقام استخدام الأمر مع ربه، أمره ربه بأن يسجد يسجد، لكن ما الذي فعل؟ صده عن أمر ربه، إدخال عقله، فقال: «أنا خير منه». هذا ما يصح، القياس الصحيح أن الطين هو الذي ينبغي أن يخضع للنار، لأن النار تخضع للطين، قياس فاسد، قياس أمام أمر ربه جل وعلا، فجلب عليه سخط الرب. وهكذا قس كما سمعت، الفرق الضالة، ما يتعلق بأسماء الله وصفاته، بل ما كان من استحلال دماء المسلمين، ما استحل الدماء المسلمين إلا بالتأويل -تأويل فاسد- ما قتل عثمان إلا عن طريق التأويل، ما قتل علي إلا عن طريق التأويل، ما استحل الخوارج دماء المسلمين إلا عن طريق التأويل الفاسد. وهكذا الفتن من حمامات الدماء، ما كان ذلك إلا عن طريق التأويل والقياس الفاسد. انظر إلى عباد القبور، ما الذي أدخلهم في الشرك الصراح؟ أدخلهم كذلك القياس وإدخال العقول. تجد أن بعضهم يأتي بهذا الدين، وهو صرف الطاعات والعبادات للمقبورين، ينذر لغير الله، يذبح لغير الله، ينخنع وينذر لغير الله. فإن قلت: لماذا تفعل ذلك؟ لماذا لا توجه ذلك كله لله؟ يقول: أنعم بالله، أنعم بالله سبحانه وتعالى، لكن كيف أدخل على ربي؟ أنا حالي مع الله كحالنا مع ملوك الدنيا. وهكذا والله يعبرون عن ذلك بهذا النص في كتبهم وعند طلابهم: نحن كيف ندخل على ربينا؟ نحن من؟ نحن أهل ذنوب، أهل معاصي، حالنا كحال تعاملنا مع ملوك الدنيا، لا ندخل إليهم إلا عن طريق بوابين وعن طريق وزراء وعن طريق شفعاء ووسطاء. هؤلاء إذا استطعنا أن نسلب قلوبهم وأن نأخذ عطفهم علينا، هم بدورهم سيدخلوننا على الأمير. قال: ونحن كذلك في فعلنا مع ربنا، نقرب لأولياء الله من القرابين حتى إذا رضوا عنا أدخلونا على ربنا، قياس فاسد، ثم أدخلهم هذا القياس في الشرك الصراح. كل ذلك البلاء إخواني في الله عندما أحدث الناس الأقيسة والآراء. وهكذا عباد الله، الفائدة تذكر في هذا الباب أن أعظم ما كان في هدم الإسلام هو هذا الباب. قدم الإسلام، صار في الإسلام الفرق الضالة والجماعات المنحرفة والتأويل الفاسدة والأقيسة الباطلة التي زلزلت أركان الدين، من كله من هذا الباب، وهو بترك سلطان العلم وإدخال سلطان العقل والآراء والأهواء. وبهذا نعلم إخواني في الله أن هدم الإسلام لا يكون فقط من الخارج. تجد بعض من يريد أن يجند نفسه بأن يحمي حمى الدين وحمى الشريعة، تجده يمسك البوابات الخارجية على الدين، فينظر إلى ما يخطط له اليهود والنصارى والماركسية واللادينية، يقول: نعم هذا من حماية الدين، لأنها من الأعداء ممن لو استغلوا غفلة الإسلام لا هجموا علينا. لكن لا تنسى أن هناك عدو من داخل أنفسنا كذلك يأكل في ديننا، وما يكون من نقصاننا لأمر ربنا عز وجل وتفريطنا في شريعتنا. قال عمر رضي الله تعالى عنه: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية». وجاء كذلك بمعنى من حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، أولها الحكم وآخرها الصلاة». بأفعالنا، بأعمالنا نحن سنهدم الإسلام. فليس إخواني في الله شرط أن هدم الإسلام يكون بمعاول الخارجي، بل حتى بمعاول الداخلي، نحن ننخر، ننخر بديننا، شعرنا بهذا أو لم نشعر. فالسلام يعبد الله في هذا الأثر العظيم، وأن الإسلام بأن الإنسان يرجع إلى دين الله وإلى شرعه. وفائدة أخيرة إخواني في الله: لا ينبغي على العلماء أن مثل هذه الآثار ومثل هذه الأحاديث، والتي فيها الإخبار أن ما يأتي من الزمان شر، وأن ما قبله خير، قال العلماء: هذا يحمل على جملة القرن على جملته، وأما كأفراد، لا، لربما يأتي فرد من أفراد المتأخرين فيه من خصال الخير ما هو خير ممن تقدم عليه. وإنما الحديث عن جملة الناس، فمجتمع الصحابة بجملته أفضل بكثير من جملة مجتمع التابعين، ومجتمع التابعين أفضل بكثير من مجتمع أتباع، وهكذا قس بجملته من الخير العميم، لكن كأفراد لربما يأتي أحد من أتباع التابعين فردًا، وأفراد عندهم من خصال الخير من هم أفضل ممن كانوا قبلهم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.