الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا المحور معنى عبارة «وتكسب المعدوم» التي ذكرتها خديجة رضي الله عنها في وصف النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أن المراد بها إعطاؤه ما لا يعطيه غيره من المال والنفع. ويوضح أن وصف «المعدوم» يشير إلى من يفتقر إلى الشيء ويحتاجه، سواء كان مالاً أو غيره، مما يعكس حاجة النبي البشرية العادية مع كمال جوده.
يستعرض المقطع مظاهر جود النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود الناس ولا يرد سائلاً، ويعطي حتى يفرغ ما عنده كما في قصة ردائه وتوزيع مال البحرين. ويؤكد الصحابة أنه كان أجود من الريح المرسلة، خاصة في رمضان عند لقاء جبريل عليه السلام.
يبرز المحور عناية النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة بالمعدومين وتفريقه كل ماله عليهم دون ادخار، حتى في مرض موته حيث أسرع ليتصدق بسبعة دنانير. وتفسر خديجة رضي الله عنها ذلك بأنه يسد حاجات الفقراء التي يغفل عنها الناس، مانحاً ما لا يمنحه غيره.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فمن الصفات التي ذكرتها السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها في النبي عليه الصلاة والسلام، قالت بعدما ذكرت: «إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل»، ثم قالت: «وتكسب المعدوم». وقرأها بعضهم: «وتكسب المعدوم». عنهم: منهم من فتح التاء، ومنهم من ضمها، ومنهم من جاء بها بالياء: «ويكسب المعدوم». «تكسب» و«تكسب»: معنى «تكسب» أي أنت تكسب المعدوم. ومعنى «تكسب المعدوم»: فسرها بعض العلماء أن النبي عليه الصلاة والسلام قد عمل بالتجارة، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يربح كثيراً. معلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد ذهب في التجارة لخديجة بنت خويلد. ذكر ابن إسحاق وغيره أنه قد ذهب أيضاً مع عمه وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ثم أرجعه من الطريق. ثم كان لما كان شاباً بعد العشرين كان يعمل مع خديجة في التجارة، فأرسلت خديجة معه ميسرة غلامها إلى الشام، وقد حظي النبي عليه الصلاة والسلام بربح عظيم في تلك التجارة. فقال العلماء: فقوله «تكسب المعدوم» أي تأتي بالأشياء التي يفقدها الناس، تأتي بها في التجارة، أي يأتي بها في البيع، الناس يفقدون أشياء لا يأتي بها إلا هو. وهذا إذا كان هكذا فقط فليس كما قال بعض العلماء، ليس فيه ممدحة، إلا إذا كان كما قال الحافظ ابن حجر: إلا إذا كان يأتي بهذه الأشياء التي افتقدها الناس وعدمت، يأتي بها ويعطيها وينفقها على المحتاجين، وينفقها على المحتاجين. إلا قال: فالصحيح هو «وتكسب المعدوم» - بضم التاء -: تكسب المعدوم أي تعطيه ما لا يعطيه غيرك، تعطيه ما لا يعطيه غيرك. والمراد إما أنه يعطيه مالاً وشيئاً كثيراً من النفق، يعطيه شيئاً كثيراً ما لا يعطى. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الصفة، فإذا كان معه أعطى. وزادت هذه الصفة عنده عليه الصلاة والسلام بعد البعثة، فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح البخاري في حديث أنس: قال جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله شيئاً، فأعطاه غنماً بين جبلين، غنم بين جبلين، فساقها كلها، وذهب إلى قومه وقال: «يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر». وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يعطي المؤلفة قلوبهم، يعطيهم مالاً كثيراً في حنين: أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، وزيد الخيل، وأيضاً مرداس الأسلمي، وغيرهم. في حديث بسر في الصحيحين: قال كنت - يقول أبو ذر - كنت مع النبي عليه الصلاة والسلام أمشي حتى استقبلنا أحد، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أبا ذر، يا أبا ذر، يا أبا ذر، لو كان لي مثل أحد ذهباً لفعلت به هكذا وهكذا وهكذا» حتى أصبح، ولم يكن معي منه شيء. معناه: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان معي مثل أحد ذهباً لأنفقته في سبيل الله، لأنفقته في سبيل الله جل وعلا». وهذا لشدة جوده عليه الصلاة والسلام. كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس، بل جزم كثير من العلماء أن الحكايات التي تحكى عن حاتم الطائي وغيره، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان أكثر عطاءً من حاتم الطائي، أكثر عطاءً من حاتم الطائي. في البخاري عن أنس رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان جاء من حنين جاءت الأعراب واجتمعوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى علق رداءه في السمرة، شجرة السمر، علق رداءه. معناه: أن الشوك تعلق برداء النبي صلى الله عليه وسلم حتى خرق منه هذا الرداء. الرداء هو الذي يلبس أعلى الجسد. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده ما من شيء عندي إلا أعطيكم إياه، ما من شيء عندي إلا أعطيكم إياه، ثم لا تجدوني كذاباً ولا جباناً ولا بخيلاً، لا تجدوني بخيلاً». وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعطي العطاء حتى قال عمر: يا رسول الله، إنك تعطي عطاء كثيراً. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يريدون أن يبخلوني ولست ببخيل». وجاء أيضاً كذلك في الصحيحين في حديث جابر: أن النبي عليه الصلاة والسلام أُهدي إليه ثوب، فأخذه محتاجاً له، ثم لبسه، أو كساء فلبسه، فكان يمسه، يمسه بيده. فمسه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله، اهدني هذا الثوب، أعطني هذا الثوب. فقال: «هو لك». ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام جلس، ثم دخل بيته وأخرجه منه وطواه وأعطاه إياه. فقال له الناس: ويحك، ألا تتقي الله عز وجل، تسأل النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً وأنت تعرف أنه لا يرد سائلاً؟ قال: والله ما سألته هذا إلا أن أريده كفناً، أو أريده كفناً لي إذا مت. قال جابر: فكان كفنه، أو كفن بهذا الثوب. فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا سئل عن شيء لا يرد سائلاً. وقال أنس في الصحيحين: قال كان النبي عليه الصلاة والسلام أجود الناس، وأشجع الناس. كذلك في حديث ابن عباس في البخاري ومسلم: قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجود من الريح المرسلة، أي يسرع في جوده عليه الصلاة والسلام وفي عطائه. فكان عن نبي عليه الصلاة والسلام يعطي عطاء كثيراً، صلوات الله وسلم. وكل ما كان معه أعطاه الناس، ما يبقي له شيئاً. حتى أنه لما جاء مال كثير من البحرين، معنى جاء بخراج البحرين، فكان مالاً كثيراً من الذهب والفضة، فصبه النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد، صبه في المسجد. معنى: قرب مكانه. ثم دخل إلى بيته وتوضأ وجاء يصلي، ولم يلتفت إليه، معنى: حتى يري الصحابة أن هذا ليس هو الذي... أو ليس له أهمية عنده عليه الصلاة والسلام. قال: ثم صلى عليه الصلاة والسلام، ثم جاء وجلس مكان هذا المال، فقال: «من أراد شيئاً فليحتز من هذا المال». فجاء العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أعطني يا رسول الله. قال: «خُذ». فحثى في ثوبه حتى أنه لم يستطع أن يحمله، فقال: يا رسول الله، اجعل من يحمله عني. فقال: «لا، احمله أنت». قال: احمله. قال: «لا، احمله أنت». قال: فلما رأى أنه لا يستطيع أن يحمله وضع بعضه، وهكذا حتى وضع البعض حتى استطاع أن يحمله، فأخذه. ثم أخذ الناس من هذا المال حتى لم يبقَ درهم واحد، فلم يأخذ له النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً من هذا المال. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يوزع هذه الأموال للمحتاجين ولغيرهم. فهذا المعنى الصحيح كما قال الحافظ لهذا الحديث: «وتكسب المعدوم» أي تعطيه عطاء من لا يعطيه غيره، أو ما لا يعطيه غيره، تعطي عطاء ما لا يعطيه غيره، فغيرك لا يستطيع أن يعطي هذا العطاء لكنك أنت تعطيه. فما كان معه أعطاه لغيره، تصدق به وأهداه لغيره. فما كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك شيئاً إلا لدين يرصده عنده، إلا لدين يرصده عنده. حتى أهله ما كان يترك لهم إلا ما ترك الله عز وجل لهم من الفيء، فكان يترك لهم من مال الفيء. وأما الأموال التي يتصدق بها أو تعطى له عليه الصلاة والسلام فكان يخرجها عليه الصلاة والسلام. وكان حريصاً أشد الحرص، حتى أنه مرة صلى، فلما صلى قام مسرعاً حتى أنه تخطى رقاب الناس، ثم ذهب إلى بيته ورجع. فقيل له: يا رسول الله، لما أسرعت؟ قال: «ذكرت تبراً، تبراً، معناها ذهب في بيتي، خشيت أن أموت وهو عندي». وقبل أن تموت قالت عائشة رضي الله عنها: كانت كان مع النبي صلى الله عليه وسلم سبعة دنانير، فقال لعائشة: «يا عائشة، أنفقي هذه، تصدقي بها». ثم غشي عليه عليه الصلاة والسلام في مرض موته، فلما أفاق قال: «يا عائشة، ماذا فعلت بالدنانير؟» فقالت: يا رسول الله، والله ما استطعت أن ننفقها لشغلي بك. فقال لها: «هاتي الدنانير». فجاء بها أو جاءت بها، ومسكها النبي صلى الله عليه وسلم في يده، صلوات الله وسلامه عليه، فقال: «ما حال آل محمد» يريد نفسه عليه الصلاة والسلام «لو مات وعنده هذه الدنانير، لو مات وعنده هذه الدنانير». ثم قال لعائشة: «أنفقيها»، معنى: الآن. فكان هذا دأبه عليه الصلاة والسلام وصفته، صلوات الله وسلامه عليه، أنه كان جواداً سخياً كريماً، صلوات الله وسلامه عليه. ولهذا كان هذا أيضاً قبل بعثته، كانت هذه الصفة فيه قبل بعثته، وأيضاً بعد بعثته عليه الصلاة والسلام. فلذا عرف بالكرم والسخاء والجود. فقالت خديجة رضي الله تعالى عنها: «وتكسب المعدوم» أي تعطيه ما لا يعطيه غيره، إما بكثرة المال كما قلنا، أو يعطيه ما يحتاجه، الشيء الذي قد لا يستطيع الإنسان أن يأتي به، يأتي به لهذا المحتاج، إما مالاً وإما غيره. حيانا بعض الفقراء تجد أنه لا يحتاج إلى المال لكن يحتاج هناك أمر ضروري في بيته، مثلاً ثلاجة، يحتاج كذا، فبعض... فعوب مثلاً أهل الخير يجدون يفتقدون الفقراء، فإذا رأى أن هذا الفقير يحتاج لكذا أعطاه هذا. غالباً الناس ما ينتبهون لها وهي مهمة، قد يكون هذا الفقير عنده شيء يحتاج إليه ضرورياً، مثلاً مسكن أو تجهيز في المسكن، عنده الحمام مثلاً خربان، فيأتي هذا المتصدق ويصلح حمام. فهناك أشياء قد يكون يفتقدها المسكين والفقير والمحتاج ولا مثلاً أحد ينظر إلى مثل هذه الأشياء. فهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكسب المعدوم، ما لا... ما يحتاجه وما لا ينظر غيره. ولهذا سماه معدوماً: أي الذي فقد عليه، الذي فقد عليه ويحتاجه، سوى كان مالاً أو غير المال. فهذا معنى هذه الصفة التي ذكرت السيدة خديجة رضي الله عنها أنها في رسول الله، صلوات الله والسلام عليه. فنكتفي بذلك والله تعالى أعلم.